حبل الله
سد الذرائع المؤدية إلى الربا

سد الذرائع المؤدية إلى الربا

لقد حرص الإسلام على سدّ كل منفذ الى الربا، وهذا الحرص يظهر جليا في الأحاديث الشريفة، فعن أبي سعيدٍ الخُدريِّ أنَّ رسول الله ﺻﻠﯽاللهﻋﻠﻴﻪﻭﺳﻠﻢ قال: «لا تَبيعوا الذهب بالذهب إلا مِثلاً بمثلٍ، ولا تُشِفّوا بعضَها على بعض. ولا تبيعوا الوَرِقَ بالوَرِقِ إلا مثلا بمثل. ولا تبيعوا بعضَها على بعض. ولا تبيعوا منها غائبا بناجِزٍ».[1]
واستبدالُ مالٍ بآخَرَ من جِنسه يكون أكثرَ ما يكون في الدين. ولقد سَدَّ رسولُ الله ﺻﻠﯽالله ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ كلَّ بابٍ يَنفُذُ مِن خِلالِه مَن تُسَوِّل له نفسُه تحليلَ الربا في صورة البيع بأحاديثه الواردة في موضوع "بيع المَوادِّ الستِّ"، فأحكَمَه بسِياجٍ منيعٍ لا يمكن اقتحامُه، لأن تلك الموادَّ لا تخلو من أن تكون محلا للدين. وفيما يلي بيان الموضوع بالتفصيل:
يُشترَط في الذهب والفضة والحِنطة والشعير والملح والتمر عندَ استبدالِها بأجناسها أن يكون الإستبدالُ مُعَجَّلا. وعلى هذا، من يدفع عشر قطع من الذهب ليأخُذَ بَدَلَها إحدى عشرة قطعة مؤجلا يعتبر ربًا وليس ببيع. وهذا مُهِمٌّ للغاية لأننا لو سَمَّيناه بيعًا لأَخَذَ الناسُ يَتَعاطَوْن الديون الرِبَويّةَ في صورة البيع، وعدوا استدانة 100 قطعة من الذهب ثم استردادها 110 قطعة فيما بعدُ ربًا، أمَّا بَيعُ 100 قطعةٍ بـ 110 قطعة مُؤَجَّلاً يعدونه عملا تجاريا.
إشتَرطَ الحديثُ في استبدال الموادِّ الستة بأجناسها معجلا أن تكون متساويةَ المَقاديرِ. فإذا دفعَ 10 ذهبا ليَأخُذَها فيما بعدُ 11 ذهبا كان هذا العملُ ربًا. وقولُ النبيِّ ﺻﻠﯽاللهﻋﻠﻴﻪﻭﺳﻠﻢ: «إنما الربا في النَسِيئة»[2] إذا فكَّرنا فيه وعَقَدْنا الصِلةَ بينه وبين هذا تَبَيَّن لنا مدَى أهَمِّيّةِ التحريمِ المذكور.
وقصد المُرابي في الأصل هو أنْ يَستعِيدَ تلك اﻟ 10 التي سيدفعها 11. ولو استطاع إنجازَ هذا العملِ بطُرُقٍ مشروعةٍ لَحَوَّله إلى قَرضٍ دُونَ عَناءٍ. كأن يدفعَ 11 ذهبا ويأخذَ عليها الضَماناتِ اللازمةَ، ثم يشتري بـ 10 أخرى من الذهب تلك اﻟ 11 التي عند الدائن. وفي نهاية هاتين العمليتين يكون قد دفع للمدين 10، ويصيرُ دائنا ﺒ 11 ذهبا. وحتى لا يحدث هنا حالة غير مرغوبة ؛ فيلزم إما أن تُقَيَّدَ هذه العمليةُ في وثيقة، وإما أن يَكفُلَ المدينَ واحدٌ مِمَّن يَثِقُ بهم الدائنُ. بل يُمكن إجراءُ مثلِ هذه الأعمالِ في المؤسسات. أما وقد اشتُرط في الأموال متحدة الجنس إذا استُبدِل بعضُها ببعض أن تَتساوى مقاديرُها فقد أُغلق هذا الباب، فلا مَنفَذَ إلى الربا.
وفي الماضي كان هناك أساليب شتى في الديون تسمحُ للدائن تحقيق ربح قانوني عن طريق بيعٍ صُوريٍّ سُمِّيَ بـ «المُعاملة الشرعية». وذلك كأن يَعرِضَ المدين سِلعةً له على مَن سيُعطيه دَينا ويقولُ له: «بِعتُك هذه بـ 10 ذهبًا»، فيَشتريها الدائنُ ويَستلِمُها ويَدفعُ ثمنَها. ثم يقول الآخَرُ لهذا: «بِعنِي هذه السلعةَ على أن أَدفعَ ثمنَها بعد سنةٍ 11 ذهبًا»، فيَبيعُه إيّاها. فيكون أَحَدُهما قد أقرضَ الآخَرَ 10 ذهبا مُقابلَ 11 مُؤَجَّلا بهذه العملية التي هي في ظاهرها بيعٌ ولكنها في الحقيقة ربا.
وكان في بعض المصارف التي أُنشِئت في العهد العثماني، «صُندوق الأَمنِيّاتِ» ساعةُ جَيبٍ؛ وكان الغَرضُ منها تَحليلَ ما كان سيدفعه المُستقرِضون مِن ربًا، تباع تلك الساعة عدة مرات كلَّ يومٍ، ثم تُوهَبُ للصُندوق.[3]
ولو لم يَكنِ التحريمُ السابقُ لعُيِّن مكانَ تلك الساعة مُوَظَّفٌ في المَصرِف يقوم باسم المُستقرِض بالإجراءاتِ المعَيَّنةِ أولا، ويُقرِضه 11 ذهبا ثانيا، ثم يُعطِيه 10 ذهبا.
عن عبادة بن الصامِتِ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «… فإذا اختلفت هذه الأصنافُ فبِيعُوا كيف شِئتُم إذا كان يدا بيد».[4]
والأحاديثُ المُتَعَلِّقةُ بالموضوع تَعُدّ استبدالَ الذهب بالفضة، والحنطةِ بالشعير من استبدال المواد المختلفة في الجنس والمتحدة في النوع، ولم يُذكرْ فيه التمرُ بالملح من النوعين المختلفين.
عن عبادة بن الصامت أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «… ولا بأس ببيع الذهب بالفضة والفضةُ أكثرُهما يدا بيد، وأما نسيئةً فلا، ولا بأس ببيع البُرِّ بالشعير والشعيرُ أكثرُهما، يدا بيد، وأما نسيئةً فلا».[5]
وقد يحُل الذهبُ مَحَلَّ الفضةِ، والحنطةُ محل الشعيرِ. وهذه الأموالُ التي لا يحدث فرق كبير في ثمنها لمدة طويلة. واشتِراطُ التعجيلِ في تبادلِ هذه الأموالِ فيما بينها سَدَّ بابا من أبواب الربا.
مثال ذلك: إذا كان دينارواحد[6] بقيمة 10 دراهم، فلابد أن تكون 100 دينار بـ 1000 درهم. ولو لم يُحَرَّمِ استبدالُها مؤجلةً لباع المرابي تلك الـ 1000 درهمٍ التي بيده بـ 120 دينارٍ على أن تُدفَعَ بعد سنة، فيكون قد حصل على نسبة 20% من قرض يمارسه تحت ستار البيع والشراء. وما يُقال هنا عن الدينار والدرهم يُقال عن الحنطة والشعير.
وقد سد هذا الحديث الطريق المؤدي إلى استبدال الليرة التركية بالعُملة الصعبة مؤجلا، فلا يمكن إذن دفعُ ما يُعادِل اليومَ 1000 دولار أمريكي من ليرة تركية مثلاً على أنْ تسترد بعد سنة 1200 دولار أمريكي، لأن هذه الأموال يحل بعضها محل بعض. من خلال الأحاديث المذكورة أعلاه يسهل فهمُ هذه العملية بأنها عمل ربوي.
عن ابن عمر قال: «كنت أَبيع الإبل بالبَقِيع، فأبيعُ بالدنانير وآخذ الدراهم؛ أبيعُ بالدراهم وآخُذُ الدنانيرَ، آخذ هذه مِن هذه، وأُعطِي هذه من هذه، فأتيتُ رسولَ الله ﺻﻠﯽالله ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ وهو في بيتِ حَفصةَ، فقلتُ: "يا رسول الله! رُوَيدَكَ أسألك. إني أبيع الإبل بالبقيع، فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير، آخذ هذه من هذه، وأعطي هذه من هذه"، فقال رسولُ الله ﺻﻠﯽاللهﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ: "لا بأسَ أن تأخذَها بسعر يومِها، ما لم تَفترِقا وبينَكما شيءٌ"».[7]
وعليه فاستبدالُ الذهب بالفضة يجب أن يكون بسعر يومِهما، ولو لم يكن هذا المنع لوقع الناس في حرمة الربا، ومثاله: أن يُقرض المرابي شخصا11 دينارا ويأخذ عليها الضماناتِ اللازمةَ ثم يشتريها منه بـ 100 درهم،علماً أن سعر الدينار الواحد هو 10 دراهم لا غير، وبالنهاية يحصل المرابي بهاتين العمليتين اللتين أجراهما بصورة البيع والشراء على قرض ربوي بزيادة 10 %. ولولا اشتراط السعر اليومي في استبدال العملتين المختلفتين لعله كانت ستُنشَأُ لهذه المعاملة مؤسساتٌ مصرفية لها صبغة قانونيةٌ. ولكن هذا الإشتراط قد أغلق باباً من الأبواب التي تفضي إلى الربا.


[1] مسلم، المساقاة، باب 14 (1584).

[2] مسلم، المساقاة 102 (1596). النسائي، البيوع 50.

[3] أخذت هذه المعلومات من المفتي السابق لمدينة إسطنبول صلاح الدين قايا.

[4] مسلم، المساقاة باب 81 (1581).

[5] سنن أبي داود، باب في الصرف، 3349.

[6] يقال للمال المضروب من الذهب الدينار، وللمضروب من الفضة الدرهم.

[7] سنن أبي داود، باب 14، حديث 3354. النسائي، البيوع 50.

أضف تعليقا

Your Header Sidebar area is currently empty. Hurry up and add some widgets.