الباحثة: شيماء أبو زيد
يدور في الآونة الأخيرة جدلٌ واسع حول فرضية الحجاب في كتاب الله تعالى؛ فتعالت بعض الأصوات تدّعي أنها كانت مجرد عادةٍ ثم انقلبت إلى عبادة، ومنهم من قال إن كلمة “الحجاب” لم تأتِ مقرونةً بلباس المرأة، وأن المقصود من آية الخُمُر: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: 31] هو تغطية الجيب (فتحة الصدر) فقط ولا علاقة له بتغطية الرأس والشعر، وأن الخمار كان موجوداً بالفعل فأُمِرَت النساءُ بضربه لتغطية جزءٍ معين ولكنه ليس مقصوداً بذاته… إلى غير ذلك من الشبهات التي تُثار حول مسألة لباس المرأة.
وفي المقابل، نجد من يتوسع في الأمر فيفرض تغطية جميع جسد المرأة بما فيه الوجه والكفين وهو ما يُسمّى بالنقاب، وحجّتهم في ذلك هي التأسي بأزواج النبي الكريم.
ولكي نصل إلى الجواب القاطع في هذه المسألة، علينا التدبر في كتاب الله تعالى الذي يجيب عن كل تلك التساؤلات ، ولنبدأ بتفكيك كلمة “الحجاب”.
أولاً: مفهوم كلمة (حجاب) في القرآن الكريم
بدايةً.. فإن كلمة “حجاب” ومشتقاتها جاءت في كتاب الله في ثمانية مواطن:
- حاجز يوم القيامة (والحجب عن رحمة الله وجنته): ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّـا بِسِيمَاهُمْ﴾ [الأعراف: 46]، ومثله الحجب عن رحمة الله وجنته في قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: 15].
- المانع المعنوي عن الإيمان: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ [الإسراء: 45].
- انسداد منافذ الفهم والسمع: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ﴾ [فصلت: 5].
- الحاجز عند وحي الله لرسله: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى: 51].
- تواري الخيل خلف حاجز الأفق: ﴿فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص: 32].
- الساتر المكاني لمريم عليها السلام: ﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا﴾ [مريم: 17].
- الساتر المكاني ببيوت النبي (والذي يحتج به البعض على النقاب أسوة بأزواج النبي): ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَٰلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: 53].
فالمتأمل للنص يدرك أن كلمة “حجاب” جاءت جميعها بمعنى المانع، أو الحاجز المادي والمعنوي الذي يحجب الرؤية أو الوصول.
وحتى في الموطن الخاص ببيوت النبي في قوله (فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ) فلا علاقة له بالثياب، وإنما هو المعنى السابق ذاته من أنه جدار أو حاجز مكاني يفصل بين أزواج النبي وأصحابه عند سؤال الحاجة داخل بيته عند دعوة أصحابه؛ إذ لو كان المقصود به ثوباً كالنقاب، لما تحقّق الحجب البصريّ المتبادَل؛ إذ ستظل المرأة من أزواج النبي تَرَى الصحابي بينما هو لا يراها، في حين أن العِلّة القرآنيّة اشترطت طهارة القلوب للطرفين معاً: ﴿ذَٰلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ وهو ما لا يتحقق إلا بالحاجز المكاني الساتر لكلا الطرفين (كالجدار أو الباب أو الستار).
وهذا الحجاب كان لحكمةٍ بالغة تُراعي خصوصية البيت؛ فالمرأة داخل بيتها تكون متخفّفة من ثياب الخروج ومتحلّلة من اللباس الكامل، فكان توجيه الصحابة إلى عدم مناولتهنّ أو سؤالهن المتاع مواجهةً، بل من وراء ساترٍ يحفظ حرمة بيت النبي وتطهر قلوب الجميع من تلاعب الشيطان.
وبناءً على ما سبق؛ يتبين أن لفظ “الحجاب” في الاستعمال القرآني يعني الحاجز أو الساتر الذي يمنع الرؤية؛ غير أن استخدام الناس الشائع والمعاصر لهذه الكلمة لوصف ملابس المرأة هو ما أوجد اللبس، وجعل منكري فرضية اللباس يتوهمون نفي الحكم من أساسه بدعوى أن كلمة “حجاب” لم تأتِ في القرآن متصلة بلباس المرأة إطلاقاً، وأنها حين وردت فإنما جاءت خاصة ببيوت أزواج النبي دون غيرهن من النساء!
وننتقل الآن إلى البحث في دلالة لفظ «الخِمار» في كتاب الله تعالى، وبيان مدخله المباشر في تحديد هيئة لباس المرأة وصفته.
أولاً: أصل المادة المعجمية للفظ (خَمَرَ) والعلاقة بين “الخَمْر” و”الخِمَار”
ترجع مادة (خ-م-ر) في المعاجم والاستعمال القرآني إلى أصل لغوي واحد، وهو: الغطاء والستر من الأعلى، ويتضح ذلك في الموطنين اللذين ورد فيهما هذا الجذر في القرآن الكريم:
- الخَمْر (في الشراب): سُمِّي المسكر خمراً لأنه يستر العقل ويغطي الوعي؛ ولأن إناءه يُغطى ويُستر من أعلاه أثناء إعداده، ومنه جاء “تخمير العجين” لأن العجين يُغطى ويُستر من أعلاه حتى يتخمر.
- الخِمَار (في اللباس): أُطلق على غطاء الرأس لأن الرأس هو أعلى البدن، فالخمار يغطيه ويستره من الأعلى تماماً كما يُغطى رأس الإناء والعجين.
فالخَمْرُ (الشراب) يغطي العقل ويستره معنوياً داخل الرأس، بينما الخِمَارُ يغطي الشعر والظاهر فوق الرأس مادياً، وكلاهما محكومٌ بأصل المادة المعجمية القائمة على التغطية من الأعلى.
ثانياً: الرد على الشبهات الموجهة لدلالة كلمة الخمر
الشبهة الأولى: القول بأن الآية تطلب ستر فتحة الصدر فقط دون غطاء الرأس
عرض الشبهة:
يرى البعض أن الآية تدعو إلى ستر فتحة الصدر (الجيب) فقط، وأن المطلوب هو مجرد إغلاق هذه الفتحة دون أن تتطرق الآية لفرضية غطاء الرأس.
الرد وتفنيد الشبهة:
- الفرق بين (الغطاء) العام و(الخِمار) الخاص: إن لفظ “غطاء” ليس غريباً عن القاموس القرآني، بل ورد في مواطن أخرى كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي﴾ [الكهف: 101]، وقوله: ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ﴾ [ق: 22] فعُدول القرآن عن كلمة (غطاء) العامة إلى لفظ ﴿بِخُمُرِهِنَّ﴾ يدل على أن الخمار – وهو غطاء الرأس – مقصودٌ بذاته في التشريع.
- العدول عن اللفظ العام واختيار لفظ (الخِمار): لو كان المقصود هو مجرد ستر الصدر بأي قطعة قماش، لقال النص مثلاً: (وليغطين جيوبهن) أو (وليضعن ثيابا على جيوبهن)؛ ولكن القرآن استخدم لفظاً مخصصاً ذا دلالة محددة: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: 31].
ولنضرب على ذلك مثالًا من الواقع:
- لو أن إدارة المرور أصدرت لائحة تنظيمية لقائدي الدراجات النارية فقالت: “يجب على السائق أن يغطي رأسه أثناء القيادة”، لجاز للسائق أن يلف منديلاً، أو يضع قماشاً، أو يرتدي “كاب” أو “طاقية”، ويُعدُّ بذلك ممتثلاً للقانون لأن اللفظ جاء عاماً يُبيح أي ساتر للرأس.
- أما لو نصّت اللائحة بدقة وقالت: “يجب على السائق أن يرتدي الخوذة“، فإن تخصيص اللفظ بـ “الخوذة” ينقل المعنى فوراً إلى أداة محددة بذاتها، لها هيكل وشكل ووظيفة معينة لا تقبل التبديل ولا التخمين.
كذلك استخدام القرآن الكريم لفظ ﴿بِخُمُرِهِنَّ﴾ لم يترك الأمر هائماً بعبارة عامة مثل (وليغطين جيوبهن) بل خصص أداة محددة ومعروفة بذاتها وهي “الخمار” (غطاء الرأس لا غيره)، ليحدد بوضوح وسيلة الستر وهيئتها، ويوجّه إسدالها لتغطي الرأس وفتحة الصدر معاً.
- دلالة الإقرار والإضافة ﴿بِخُمُرِهِنَّ﴾: إضافة الخمر إلى النساء بصيغة الإقرار والملكية تثبت أن غطاء الرأس كان موجوداً ومستقراً بالفعل على رؤوسهن؛ فجاء الأمر الشرعي ليعتمد هذا الغطاء الثابت على الرأس، ويوجه حركة إسداله ونزوله إلى الأسفل ليغطي فتحة الصدر أيضاً.
- التكامل التشريعي بين الخِمار والجلباب: عندما قال تعالى: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: 59]؛ فإن الجلباب في اللغة مأخوذ مما يجلبه الإنسان ويجذبه لستر بدنه؛ ولذلك فهو يستر كامل الجسد، غير أن طبيعة ارتدائه كرداء تقتضي وجود فتحة عند الصدر ليتمكن الجسد من الدخول فيه، ومن هنا جاء التوجيه بضرب الخِمار المنسدل من الرأس ليُتمّ ستر هذه الفتحة المتبقية، ولو كان الجلباب وحده يكفي لكان ذكر الخمار – الذي هو غطاء الرأس – حشواً زائداً يتنزه عنه كتاب الله تعالى، مما يُبيّن التكامل التام بين الآيتين في تغطية البدن والرأس معاً.
خلاصة الرد:
دلالة “الخِمار” لغةً وشرعاً متجهة بيقين إلى غطاء الرأس، ولا يُتصور في أصل اللسان العربي أن يُسمى غطاء فتحة الصدر وحده خِماراً دون أن يبدأ بتغطية الرأس أولاً.
استدراك: القول بأن لفظ (الخِمار) جاء نكرة لتحديد مطلق الغطاء
قد يستشكل البعض في قوله تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ﴾ فيظن أن كلمة (خمر) جاءت نكرة لتفيد مطلق الأغطية دون تخصيص لغطاء الرأس.
الرد:
- التعريف بالإضافة في قواعد اللغة: كلمة ﴿خُمُرِهِنَّ﴾ لم تأتِ نكرة إطلاقاً، بل هي معرَّفة بالإضافة لاتصالها بالضمير ﴿هُنَّ﴾؛ فالاسم إذا أُضيف إلى المعرفة اكتسب منها التعريف وبات دالاً على شيء معيّن ومعهود، ونظير ذلك في القرآن قوله تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1]؛ فالإضافة حوّلت كلمة “بيوت” من الشيوع إلى البيوت المحددة والخاصة بهن، وبالمثل، فإن قوله: ﴿خُمُرِهِنَّ﴾ يقصد غطاءً معلوماً ومعهوداً لديهن وهو غطاء الرأس.
- أصل وضع اللفظ لا يتغير بالتنكير: حتى لو افترضنا تنكير اللفظ وجاء التعبير مثلاً: (وليضربن بخمار على جيوبهن)؛ فإن ذلك لن يخرجه عن مدلوله الأصلي؛ لأن لفظ “خمار” – كما ذكرنا – موضوع لغطاء الرأس تحديداً، وتنكيره لا يلغي معناه الذاتي ولا يحوله إلى مطلق الغطاء.
الشبهة الثانية: القول بأن (الخِمار) مجرد عادة بيئية.
عرض الشبهة:
يقال إن الخمار كان مجرد زيّ سائد في البيئة الجاهلية، وأن أمر القرآن بإسداله كان لستر الصدر وحده بحسب المتاح وقتها، أما غطاء الرأس فكان مجرد عادة بيئية وليس تشريعاً مقصوداً.
الرد والتفنيد:
- التكامل بين الرسالات: إن غطاء الرأس لم يكن مجرد عادة بيئية، بل هو امتداد لما بقي في أيدي الناس من آثار الرسالات والشرائع السماوية السابقة التي أمرت المرأة بستر جسدها ورأسها، ويظهر ذلك جلياً فيما ورد في نصوص الكتب المقدسة:
- في التوراة (سفر التكوين 24: 65): فعندما أقبلت رفقة ورأت إسحاق عليه السلام، «أَخَذَتِ الْبُرْقُعَ وَتَغَطَّتْ».
- في الإنجيل (رسالة بولس الأولى إلى أهل كورنثوس 11: 5-6): «وَأَمَّا كُلَّ امْرَأَةٍ تُصَلِّي أَوْ تَتَنَبَّأُ وَرَأْسُهَا غَيْرُ مُغَطَّى، فَتَشِينُ رَأْسَهَا… فَإِنْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ لاَ تَتَغَطَّى، فَلْتَقُصَّ شَعْرَهَا».
كما يتضح هذا المعنى جلياً في التزام الراهبات بالخمار إلى يومنا هذا، كنسق ديني يعكس حرصهن على التزام ما ورد في كتابهن من تشريعات تخص غطاء الرأس.
- تصحيح الهيئة لا إلغاء الأصل: مع تقادم الزمن وتطرُّق الغفلة والتراخي إلى السلوك الاجتماعي، يبدو أن النساء في زمن الجاهلية احتفظن بأصل الغطاء على الرؤوس كبقية مما ترك الأنبياء والرسالات السابقة، لكنهن أهملن هيئة إسداله؛ فكنّ يضعنه على رؤوسهن مع إرخاء أطرافهن إلى الخلف، مما يترك فتحة الجيب أعلى الصدر مكشوفاً، فجاء الإسلام ليُقرّ أصل غطاء الرأس ويُصحح هيئة استخدامه بالأمر بإسداله إلى الأمام ليغطي الجيب والفتحة تماماً.
استدراك منهجي: الاستشهاد بالشرائع السابقة وموقف القرآن من الموروث
قد يستشكل البعض بالقول بأننا مسلمون نتبع الكتاب الذي أُنزِل علينا وهو القرآن الكريم، فما حاجتنا للاستشهاد بنصوص الشرائع والكتب السابقة في هذه المسألة أو غيرها؟
الرد والتفنيد:
- الهدف من الاستشهاد (إثبات الأصل الرسالي ونفي الجاهلية): نحن لا نستشهد بتلك النصوص كـ “مصدر تشريعي مستقل” نأخذ منه أحكامنا ونترك القرآن، وإنما نستشهد بها لكونها نصوصاً من كتب سماوية تُثبت الأصل الرسالي لهذا الحكم وتنفي دعوى “العادة البيئية أو الجاهلية”؛ لتؤكد أن غطاء الرأس نبع في أصله من مشكاة النبوة والشرائع السماوية السابقة، وليس وليد مصادفة أو عادة بيئية مجردة.
فالقرآن الكريم جاء مصدقاً لما قبله ومهيمناً عليه كما قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: 48].
- منهج القرآن مع السلوكيات والشرائع السابقة (بين النسخ والإقرار): إن الشريعة الإسلامية لم تكن تقبل الموروثات والسلوكيات لمجرد وجودها في العصر الجاهلي، بل كانت تتعامل معها وفق منهج محكم قائم على التصديق والهيمنة:
- التخفيف والنسخ والتعديل: فما كان من التكاليف السابقة فيه مشقة وأراد الله رفعه عن هذه الأمة، نزل النص القرآني بنسخه والتخفيف منه؛ كما في قوله تعالى في رسالة النبي: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: 157] كتحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة المشرفة في قوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 144].
- وما كان من الموروثات الجاهلية الباطلة أبطلته الشريعة صراحةً؛ كعادة نسب الطفل المتبنى إلى غير أبيه في قوله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: 5]
- الإقرار والتثبيت: وأما ما كان أصله تشريعياً إلهياً مستمراً فقد جاء القرآن بإقراره؛ ومصداقاً لذلك قوله تعالى في تقرير وحدة أصل الشرائع: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى﴾ [الشورى: 13]
وأكبر مثال على ذلك هو “الصلاة”؛ فقد ذُكرت الصلاة في كتاب الله تعالى مرات عديدة، لكن لم تنزل في واحدة منها تفاصيل عدد ركعاتها أو جزئيات هيئاتها داخل النص القرآني؛ لأن أصل الصلاة والتعبد بها كان معلوماً ومستقراً وممتداً منذ عهد الأنبياء السابقين، كقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: 162]
وعندما نزل التوجيه القرآني بالستر لها في قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: 31]، لم يكن إلا امتداداً للعبادة وامتدادا لما ذكر في الكتب السماوية السابقة في التستر اللائق عند المثول بين يدي الله عز وجل.
- تطبيق المنهج على مسألة الخمار: لو كان ستر الرأس بالخِمار مجرد عادة بيئية لا يرغب التشريع في بقائها، لأبطلها النص القرآني صراحةً كما أبطل غيرها من الموروثات، ولأمر النساء بخلع هذا الغطاء عن الرأس واقتصار الستر على بقية البدن فقط، لكن القرآن لم ينسخه أو يبطله، بل أكّده وأثبته وعدّل هيئة لبسه بقوله: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: 31] (بإسقاط الأطراف من الرأس لتغطي فتحة الصدر)، فصار الخمار حكماً إسلامياً أصيلاً ومستقلاً بشِرعتنا، ومُعبّراً عن وحدة المشكاة الإلهية عبر تاريخ الأنبياء والرسل.
الشبهة الثالثة: القول بأن زي المرأة من باب “التخيير والحرية الشخصية”
عرض الشبهة:
يزعم البعض أن الأحكام المتعلقة بزي المرأة في القرآن الكريم ليست فرضاً حتمياً محكماً، وإنما هي من باب التوصيات الأخلاقية، أو الأدبيات المرغوبة، أو الخيارات التقديرية التي تعود للحرية الشخصية للمرأة وما تقضيه ظروف العصر.
الرد والتفنيد:
- التصدير القاطع لسورة النور ببيان الفرضية: افتتح الله سبحانه وتعالى السورة بافتتاحية فريدة وقاطعة لم تُكرر في غيرها من سور القرآن الكريم، فقال: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النور: 1] والجملة الفعلية: ﴿وَفَرَضْنَاهَا﴾ نصٌّ صريح في أن كل حكم تشريعي ورد في هذه السورة هو فرض واجِب محكَم لا مجال فيه للتخيير أو اعتباره مجرد أدبيات وعادات قابلة للتغيير.
- وحدة المنظومة التشريعية ومنع التجزئة: بدأت السورة بأحكام تحمي العرض والمجتمع، بداية من حد وعقوبة الزنا، وعقوبة رمي المحصنات، والتحذير من تلقي ونقل هذا الكلام بين الناس، وأحكام الاستئذان في دخول البيوت، وحتى أحكام الاستئذان داخل البيت الواحد نفسه، وأحكام غض البصر وحفظ الفروج، وكلها فروض قطعية، ثم جاء الأمر بالخمار معطوفاً ومندرجاً ضمن هذه المنظومة؛ مما يدل على أن تغطية الرأس وفتحة الصدر بالخمار هو فرض قطعي مشمول بنفس الدلالة والوجوب في: ﴿وَفَرَضْنَاهَا﴾ ولا يصح عقلاً أو شرعاً تجزئة السورة بأخذ بعض أحكامها واعتبار الآخر خياراً شخصياً، وإلا انطبق على ذلك قوله تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ…﴾! [البقرة: 85].
- صيغة الأمر الجازمة في التشريع: لم يأتِ النص بأسلوب النصح التقديري، بل جاء مقترناً بـ (لام الأمر) الجازمة في قوله تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ﴾ والأصل في الأمر الإلزام والوجوب، ولا يُصرف الحكم عن الوجوب إلى التخيير إلا بقرينة شرعية قاطعة، ولا وجود لأي قرينة تصرف هذا الأمر عن وجوبه.
- انتفاء الخِيَرَة مع ثبوت النص الشرعي: إن ادعاء “التخيير” أمام النص الشرعي الصريح يناقض أصل مفهوم الإيمان والاستسلام لأمر الله تعالى؛ حيث يقول عز وجل: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: 36]؛ فحيثما ثبت الأمر التشريعي بطل التخيير.
الشبهة الرابعة: أليست “الزينة” تعني التجميل المصطنع فقط وليست أعضاء الجسم؟
عرض الشبهة:
الله تعالى نهى عن إبداء الزينة في قوله: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: 31] أليست (الزينة) هي ما يُضاف إلى الشيء لتجميله (كالإكسسوارات ومساحيق التجميل) وليست هي أصل الجسد وأعضاؤه (كالشعر) حسب اللغة والقرآن؟ كما أن كلمة (زينة) جاءت نكرة لأن الزينة تختلف من مكان لآخر حسب الأعراف.
فلماذا يفسر الفقهاء الزينة بأنها أعضاء الجسم؟ ألا يكون المعنى الأقرب هو النهي عن التبرج والتصنع بالمكياج؟ وبناءً عليه: لو أن امرأة غير مرتدية لغطاء الرأس لكنها محتشمة بلا تبرج، وأخرى مرتدية له لكنها متجملة بالمكياج، أليست الأولى أقرب لامتثال الآية؟
الرد والتفنيد:
1. التنبيه النحوي ومفهوم (الزينة) في القرآن واللسان العربي
إن كلمة ﴿زِينَتَهُنَّ﴾ – وكما ذكرنا سابقًا مع (خمرهن) – لم تأتِ نكرة إطلاقاً لتفيد الاختلاف أو العموم المبهم حسب الأعراف، بل جاءت معرفة بالإضافة إلى الضمير ﴿هنّ﴾، وهذا التعريف يمنح اللفظ شمول واستغراق كل ما يُعد زينة للمرأة.
كما أن الادعاء بأن لفظ «الزينة» يقتصر لغةً وقرآناً على الأشياء الخارجية المضافة (كالأساور والقلائد والمجوهرات ومساحيق التجميل) دون أصل الجسد، هو تخصيصٌ بلا دليل معجمي أو قرآني؛ فـ (الزينة) في كتاب الله تعالى وفي اللسان العربي تُطلق على نوعين متكاملين:
- الزينة الخِلْقية (الذاتية): وهي المحاسن الأصلية المودعة في خِلقة الشيء وقوامه وجسده.
- الزينة المكتسبة (المضافة): وهي الثياب والحُلي والمكملات الخارجية المجلوبة لتجميل أصل الجسد.
2. ورود “الزينة” بالمعنيين في الاستعمال القرآني
أ. ورودها بمعنى المتاع والحُلي المضافة
جاءت الزينة لتصف الحُلي والمصنوعات المضافة، كقوله تعالى عن قوم فرعون: ﴿وَلَٰكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِّن زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا﴾ [طه: 87] أي الحُلي والجواهر، وكذلك قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: 31] أي الثياب واللباس الساتر المضاف فوق الجسد والتزين به.
ب. ورودها بمعنى الجمال الذاتي والخِلْقي الأصيل
استخدم القرآن الكريم لفظ “الزينة” ليعبر عن الجمال الخِلْقي المودع في أصل الشيء وليس مجرد ثوب أو حُلي خارجي:
- زينة السماء (ذاتية): قال تعالى ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ﴾ [الصافات: 6] وقال: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ﴾ [الحجر: 16]؛ فالسماء لم تُلبَس ثوباً خارجياً، بل الكواكب والبروج جمالٌ خِلْقي نابع من ذاتها.
- زينة الأرض (ذاتية): قال تعالى ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا﴾ [الكهف: 7] وقال: ﴿حَتَّىٰ إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ﴾ [يونس: 24]؛ فالنبات والأشجار جمال أصيل نابع من ذات الأرض.
- زينة الدواب (ذاتية): قال تعالى ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: 8]؛ فالزينة هنا هي قوامها وجمال خَلْقها الأصلي.
ج. لفتة جامعة (التنوع الدلالي للفظ “الزينة” في القرآن الكريم)
ومما يوضح سعة هذا اللفظ في القرآن، أن الاستعمال القرآني لم يقتصر على الزينة الخِلْقية للجسد والزينة المكتسبة من الحُلي؛ بل أطلق القرآن اسم “الزينة” صراحةً في آيات أخرى على معانٍ متعددة بحسب السياق:
- الأموال والأبناء التي يتمتع ويسعد بها الإنسان في حياته كقوله تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: 46].
- الزينة بمعنى البهجة والسرور والمناظر الحسنة والتجمع كقوله تعالى ﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَن يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾ [طه: 59].
فهذا التنويع القرآني يُثبت أن لفظ “الزينة” اسمٌ جامع لكل ما يتجمّل به الشيء أو يُفتَن به الناظر؛ سواء كان أصل الخِلْقة والجسد، أو الحُلي المضافة، أو المتاع والبهجة.
البراهين القرآنية والبلاغية القاطعة على شمول (الزينة) لأصل الجسد:
- الدليل من سورة آل عمران على أن المرأة أصل الزينة الخِلقية في قوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ﴾ [آل عمران: 14].
بدأ النص القرآني بذِكر ﴿النِّسَاءِ﴾ كأول وأعظم زينة خَلقية محبوبة للنفوس، ثم تلاها بالزينة المادية والمكتسبة كالذهب والفضة، فإذا كانت المرأة في أصل خلقها هي الزينة الأولى، فإن محاسن جسدها هي “أصل الزينة الخَلقية”، والحُلي والمجوهرات إنما هي مكمل ومُجمِّل مضاف لها.
استدراك:
قد يُقال: إن لفظ ﴿لِلنَّاسِ﴾ عام يشمل الرجال والنساء معاً، فكيف نخصص الاستدلال بأن المرأة هي الزينة الموجهة للرجال؟
والجواب الدقيق على ذلك: هذا الاستشكال يزول تماماً عند التمييز بين “المُستمتِع بالزينة” و”نوع الزينة ذاتها” في الترتيب القرآني:
أولاً: دلالة الترتيب في الآية:
بدأ النص القرآني بقائمة الشهوات المزيّنة بـ ﴿مِنَ النِّسَاءِ﴾؛ مما يعني أن الجنس البشري (الرجال) يرون في المرأة أصل الجمال والزينة الأولى التي تُطلب لذاتها، بينما بقية القائمة (الذهب، الفضة، الخيل، الأنعام) هي زينة مادية مكتسبة ومتاع مضاف.
ثانياً: تنوع طبيعة الانجذاب بين الجنسين:
- بالنسبة للرجل: أصل الزينة التي ينجذب إليها هي المرأة ذاتها بجمالها الخَلقي؛ ولذا صُدّرت بها الآية ﴿مِنَ النِّسَاءِ﴾ التي يُسعى إليها ويُبذل من أجلها المهر والمتاع، وهذا يؤكد أن ذات المرأة ومحاسنها الخلقية هي أصل “الزينة”، وليست مجرد شيء خارجي مضاف.
- بالنسبة للمرأة: الزينة التي تتطلع إليها حباً وتجملاً هي المتاع والذهب والفضة والبيئة الآمنة التي يوفرها الزواج؛ ولذا جاءت هذه الأمور مكملة في بقية القائمة.
التمييز القرآني بين ذات المرأة والحلية:
ويؤكد هذا التمييز القرآني بين ذات المرأة وزينتها الخلقية وبين الحُلي المضافة قوله تعالى: ﴿أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف: 18].
فلم يقل الله عز وجل (أوَمن ينشأ في الزينة)؛ لأن المرأة بذاتها وطبيعتها زينة خَلْقية، وهي بحاجة إلى “الحِلية” (المجوهرات المضافة) لتزداد بها تجميلاً وحسناً فوق أصل جمالها.
ولو كان المراد من قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ هي الحُلي والمكملات والمساحيق فقط، لقال تعالى: (ولا يبدين حليهن).
النتيجة الحتمية لربط الآيتين:
بما أن الله عز وجل أقر في سورة آل عمران أن المرأة ببدنها ومحاسنها الخَلقية هي أصل الزينة وأول المحبوبات في الفطرة البشرية، استقام تماماً عقلاً ولغةً أن يكون النهي في سورة النور: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ متوجهاً في المقام الأول إلى ستر هذا الأصل الخَلقي (جسد المرأة ومحاسنها)، ولا يمكن اختزال “الزينة” في مجرد مجملات مادية مضافة!
استشكال حول الفرق بين قوله تعالى (يبدين) وقوله (إلا ما ظهر)
أولاً: التأصيل اللغوي والبياني: الفرق بين مادة (بَدَا / إبداء) ومادة (ظَهَرَ)
ولكي نفهم المراد بـ “الزينة” في النص القرآني فهماً دقيقاً ونستوعب دلالة استثناءاتها، لا بد أولاً من التمييز الدقيق بين استعمال القرآن لمادة (بَدَا) واستعماله لمادة (ظَهَرَ)؛ إذ إن الاختيار اللفظي في الآية جاء ببالغ القصد والدقة البيانية:
1. مفهوم مادة (بَدَا / إبداء): كشف المستور بقصد وإرادة
تُستعمل مادة (بَدَا) عندما يكون الشيء مخفياً أو مستوراً بحجاب أو كتمان، ثم يقع كشفه وإخراجه إلى العلن بقطع ذلك السِّتر:
- كشف السوءة المستورة: قال تعالى ﴿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: 22] فالأمر هنا انصرف إلى كشف ما كان مستوراً بكساء الجنة؛ فلما زال السِّتر وانكشف المحجوب استُعمل لفظ ﴿بَدَتْ﴾ ولم يستعمل لفظ (ظهرت) لأن فيه إبراز كشف المخفي.
- كشف الأسرار والمكتوم في الصدر: قال تعالى ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ [الأحزاب: 37] فلم يقل (مظهره) فالإبداء هنا هو إخراج كشف مباشر لأمرٍ كان مكتوماً ومستوراً في النفس.
2. مفهوم مادة (ظَهَرَ): البروز الطبيعي والحتمي
تُستعمل مادة (ظَهَرَ) مع الأمور البيّنة التي لا يسبقها كتمان أو ستر تعمّدي، أو لما يبرز ويحدث نتيجةً حتمية تلقائية ولا يد للإرادة المباشرة في افتعالها:
- الاطّلاع على ما هو ظاهري وطبيعي في الجسد: قال تعالى ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ [النور: 31] فمعنى ﴿يَظْهَرُوا عَلَى﴾ أي يطلعوا أو يدركوا؛ فالطبيعة الجسدية شأن ظاهر حتمي يدركه الإنسان إذا كَبُر، والأطفال يَرون الصورة الظاهرة لكنهم لا يدركون التفاصيل والخصوصيات الأنثوية لِصِغَر سنهم.
- البروز بنتيجة حتمية لا ستر فيها: قال تعالى ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم: 41] فلم يقل (بَدَا الفساد)؛ لأن الفساد ليس سرّاً مكتوماً في صندوق تعمّد أحد إبرازه، بل هو نتاج حتمي وظاهر لما اقترفته الأيدي.
التطبيق الدقيق والبناء البياني في آية الزينة
عند تأمل النص القرآني في سورة النور، يتجلى ترتيب تشريعي وبلاغي محكم يُقسّم أحكام الزينة والستر إلى مرحلتين متكاملتين:
أولاً: مرحلة التعامل مع الأجانب (الغرباء)
- دلالة غض البصر وحفظ الفروج: يبدأ السياق الإلهي بتأسيس هذه المرحلة في قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ… وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ [النور: 30-31] وهذا الاقتران المباشر يوضح أن المخاطَب بهذا الحكم هم الرجال والنساء الأجانب عن بعضهم؛ إذ إن التكليف بغض البصر وحفظ الفروج لا يتجه بديهياً نحو المحارم، كما أن غض البصر يُوجَّه بطبيعته نحو أجساد البشر ومحاسنهم الخَلقية التي يُخشى التفتّن بها، لا نحو الجمادات أو الذهب والمجوهرات أو مساحيق التجميل المجردة.
- الدقة اللغوية في النهي والاستثناء ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾: تتجلى البلاغة النحوية والدلالية في الجمع بين لفظي (الإبداء) و(الظهور):
- النهي عن تعمد الكشف ﴿وَلَا يُبْدِينَ﴾: جاء بالفعل المتعدي المُسند إلى إرادة المرأة؛ لأن جسد المرأة ومحاسنها أصلٌ مستور ومخفي بحكم الفطرة والتكليف، فمتى تعمّدت المرأة بإرادتها كشف هذا المستور فقد مارست “الإبداء” المنهي عنه في الآية.
- الرخصة التشريعية ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾: أتبع تعالى النهي مباشرة بهذا الاستثناء باستخدام الفعل اللازم (ظَهَرَ) بغير إسناد إرادة التعمد للمرأة؛ ليرخص لها في كشف القدر الذي يظهر ضرورةً وحاجة أثناء الحركة وقضاء الحوائج (كالوجه واليدين)، إذ لا يمكن فرض غض البصر على الأجانب دون مراعاة ما يظهر اضطراراً من الهيئة الأساسية للإنسان أثناء التعامل.
- منع التوهم وضبط الحدود بـ ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ﴾: وحتى لا تتوهم المرأة أن إباحة كشف الوجه تسمح لها بكشف ما يجاوره ويحيط به من الشعر أو فتحة الصدر (الجيب) — حيث يقع الوجه والشعر وفتحة الصدر في المنطقة نفسها التي ينزل عليها غطاء الرأس — جاء التوجيه الإلهي المباشر فوراً في نفس الآية: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ﴾
فجاء الأمر بضرب الخمار (غطاء الرأس) وإسداله ليمتد فيغطي فتحة الصدر، قاطعاً أي احتمال للخلط أو التوسع بين الوجه المأذون بظهوره وبين بقية المنطقة المجاورة له.
ثانياً: مرحلة التعامل مع المحارم
تنتقل الآية بعد ذلك من مرحلة الأجانب إلى تنظيم التعامل مع الأقارب والمحارم، ليتكرر فعل الإبداء مرة أخرى وليس الظهور في قوله: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ…﴾ [النور: 31] والمقصود بالزينة في هذا النهي الثاني هي “الزينة الباطنة” التي يغطيها الخمار التي أمرت بضربه (الشعر وفتحة الصدر/الجيب)؛ فهذه المحاسن لا يجوز إبداؤها أمام الأجانب، وإنما رُخص واستُتثنى في إبدائها فقط أمام الزوج والمحارم المذكورين في الآية، نظراً لطبيعة الحياة الأسرية الخاصة، ورفعاً للحرج، ولعدم وجود موضع لفرض غض البصر مع المحارم.
أولي الإربة وضرب الأرجل
ثم يتواصل السياق القرآني ليؤكد هذا المعنى بدقة من خلال الفئات المستثناة، في قوله تعالى ﴿أَوْ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنْ الرِّجَالِ أَوْ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَىٰ عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾؛ فالتعبير بـ “عورات النساء” يقطع بأن الآية تتحدث بوضوح تام عن عورات البدن ومواطن الزينة الجسدية، وليست تشريعاً يدور حول حراسة الأساور والقلائد ومجوهرات الحلي أو أدوات التجميل التي لا عورة فيها.
ثم يؤكد هذا المقصد من خلال السلوك والحركة في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾. وهنا تكمن الدلالة العملية البالغة؛ فقد تكون المرأة قد سترت بدنها وأخفت زينتها بلباسها، لكنها قد تتعمد من خلال حركاتها لفت الأنظار وإظهار ما أخفته من هيئة الجسد ومفاتنه الحركية، وهذا يثبت يقيناً أن النهي متعلق بالجسد ومحاسنه، إذ لا يُعقل عقلاً أن يُشرع النهي عن ضرب الأرجل لمجرد منع الناس من معرفة مكان قطعة الحلي، وإنما هو صيانة تامة لكيان الجسد وحراسة لمواطن وجود الشهوة أو النظر.
استحالة قصر “الزينة” على الحُلي والتجميل المصطنع
لو افترضنا أن “الزينة” تعني فقط المساحيق والمجوهرات والتجميل المصطنع، لوقعنا في إشكال منطقي ولغوي كبير أدى إلى نتائج يتنزه عنها النص القرآني، وذلك من وجوه:
- الامتناع اللغوي لوصف الحلي بـ ﴿ظَهَرَ﴾:
المكياج والحلي والمجوهرات أشياء تضعها المرأة باختيارها وتتعمد إظهارها، فهي تدخل تماماً تحت مفهوم “الإبداء” (التصنع والتعمد)، فلا يوصف المكياج أو الذهب بالظهور التلقائي اللازم ﴿ظَهَرَ﴾ بغير إرادة، وذلك بخلاف وجهها وزينتها الخَلقية التي تظهر بدون إرادة منها كوجهها ويديها.
فلو كانت الزينة هي الحلي، لصار معنى الآية: (لا يبدين حليهن إلا ما ظهر منها)، وهو تعبير غير مستقيم لغوياً؛ إذ ليس للحلي والمساحيق ظهور طبيعي وعفوي يضطر الشرع لاستثنائه؛ أما حين نعلم أن “الزينة” تدل على أصل البدن ومواضع محاسنه، فإن الآية تصبح في غاية الوضوح؛ فالمرأة مأمورة بعدم إبداء بدنها ومفاتنها بضرب الخمار، ويستثني الشرع ما يظهر من البدن ضرورةً بحسب طبيعة الحركة.
- التناقض في فهم الاستثناء الأول للغرباء ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾: لو اختُصرت الزينة في المجوهرات والمكياج، ستصبح المرأة مأمورة بالخروج بالحُلي الخارجية ومساحيق التجميل فقط وستر بقية مجوهراتها دون أي إشارة لستر أصل الجسد!
- التناقض في فهم الاستثناء الثاني للمحارم ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ…﴾: سيكون المعنى حينئذٍ هو إباحة إظهار المجوهرات والمكياج للزوج والمحارم!
وهذا الفهم يُخرج الآية بالكلية عن المقصد الشرعي الذي أُنزل لأجله النص؛ فالآية لم تُشرَع لتنظيم معارض الذهب والمجوهرات وتحديد من يحق له رؤية الأساور والقلائد، لأن الأساور والقلائد يراها الأجنبي في الأسواق والمجتمع ولا خصوصية للمحارم في رؤيتها، بل جاءت لتأسيس أحكام العورة وستر المحاسن.
- إباحة الزينة (الحلي والمجوهرات)
كما أن القول بأن “الزينة” تقتصر على الحلي والمجوهرات ومساحيق التجميل يتعارض مع قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: 32]؛ فالله سبحانه وتعالى أباح لكل إنسان، وللمرأة على وجه الخصوص، لبس الذهب والمجوهرات والتمتع بها، ولا خصوصية في اقتنائها أو لبسها لأحد دون أحد، للمحارم أو لغير المحارم من الأجانب من الرجال، وليست فيها خصوصية إظهار أو إبداء.
- شمول الزينة للوجه واليدين (مساحيق التجميل)
علاوة على ذلك، فإن قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ – والذي يعني الوجه واليدين – يتسق مع طبيعة المرأة التي يعلمها الله سبحانه وتعالى، فهي بطبيعتها تتجمل في وجهها وأظافرها ويديها؛ ولما كان الله تعالى قد أباح ورخّص في ظهور الوجه واليدين، فهذا يعني بالضرورة أنه يرخص لها في أن تتجمل بوضع مساحيق التجميل الخفيفة والزينة المعتادة، بشرط ألا ينجرف بها ذلك إلى دائرة “التبرج” المنهي عنه، مما يقطع بأن النهي لم يكن موجهاً للتزيين في ذاته.
الخلاصة
«الإبداء» فعل متعدٍّ يتوجه فيه النهي الإلهي إلى كشف ما حقه السِّتر والتواري من جسد المرأة وزينتها الخلقية ومواضع محاسنها، بينما جاء «الظهور» بالفعل اللازم ﴿ظَهَرَ﴾ ليقرر رخصة إلهية فيما لا يمكن ستره ولا يستقيم عيش المرأة وحركتها إلا بظهوره وهو الوجه والكفان. وبذلك يثبت يقيناً أن “الزينة” المنهي عن إبدائها هي أصل البدن ومواضع الفتنة فيه، وليس مجرد المساحيق أو الحلي المضافة.
– أما عن المقارنة التي وردت في السؤال بين المرأة المحتشمة بلا غطاء رأس وبين المحجبة التي تبدي شيئاً من التبرج، فهذه المقارنة تُعد في حقيقتها مفاضلة بين تقصيرين، في حين أن الواجب الشرعي التام يقتضي الجمع بين أسباب الستر كافة والالتزام بالتوجيه الإلهي بأكمله؛ ويمكن توضيح ذلك من خلال النقاط الآتية:
- الضابط الأخلاقي في التعامل مع الآخرين: في الحالتين معاً، وسواء كانت المرأة مقصرة في حجابها أو ظهر منها شيء أو كانت حتى متبرجة تبرج الجاهلية، فليس لنا من الأمر شيء؛ امتثالاً لقوله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: 128] فلا يحق لأحد من البشر أن يتسلط عليها، أو يعترض عليها بطريقة مهينة، أو ينظر إليها نظرة السوء، أو يرميها بالتهم والفواحش والمنكرات، فحسابها مردود إلى الله وحده الذي يحاسب عباده. فما دامت المرأة تجتنب الكبائر والفواحش والمنكرات، فهذا التقصير يُعد من باب “اللمم” الذي يعفو الله سبحانه وتعالى عنه، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ [النجم: 32].
وإذا وقع من المرأة شيء من التقصير في تفاصيل اللباس أو ظهرت بعض خصلات الشعر أو ما شابه ذلك، فهذا يدخل في دائرة التقصير البشري الذي يرجى فيه عفو الله ورحمته؛ فكل إنسان لا يخلو من أخطاء وزلات في جنب الله تعالى، وفي المقابل له حسنات وطاعات يرجو بها أن يكفر الله عنه سيئاته، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود: 114] والله سبحانه وتعالى هو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن الزلات، مصداقاً لقوله ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ [الشورى: 25]، وقوله تعالى: ﴿وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: 30]، ليجبر الله سبحانه وتعالى بحسنات عباده وطاعاتهم ما وقعوا فيه من تقصير، فهو الغفور الرحيم الذي يتجاوز عن عباده ويسعهم بفضله وعفوه.
الشبهة الخامسة: الاستدلال برخصة “وضع الثياب” للمسنات على عدم فرضية الخمار
عرض الشبهة:
يستدل البعض بقوله تعالى في سورة النور: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: 60]، قائلين: إن الترخيص بوضع الثياب للمسنات وعدم النص على لفظ (الخمار) صراحةً في هذه الآية يدل على أن غطاء الرأس ليس فرضاً أصيلاً.
الرد والتفنيد:
هذا الاستدلال قائم على قراءة مجتزأة للنص؛ لأن وجود “رخصة للتخفيف” للمرأة المسنة يثبت أولاً وجود “فرض كامل وأصلي” مأمورة به المرأة الشابة والمكلفة؛ فالاستثناء والرخصة لا يلغيان أصل الحكم، بل تؤكده وتبيّن أنه الأصل المستقر، ويظهر ذلك من خلال التحليل اللغوي والسياق البياني المتسلسل لآيات سورة النور عبر النقاط الآتية:
أولاً: الاحتمالات اللغوية في لفظ (الثياب):
إن الترخيص بـ “وضع الثياب” للمسنّات يُقرأ لغوياً على احتمالين:
- الاحتمال الأول: أن يكون المراد بـ “الثياب” الأكسية والأردية الظاهرة التي تُطرح فوق الملابس الأساسية، وفي هذه الحالة يكون الخمار غير داخل في المرفوع أصلاً، بل يظل حد الستر الأساسي الثابت الذي لا يُرخَّص في إسقاطه حتى لكبيرات السن.
- الاحتمال الثاني (وهو الأصح لغويًا): أن لفظ “الثياب” عام يشمل كل ما يستر البدن ومنه الخمار؛ لأن الثياب لغةً اسم جامع لكل ما يلبسه الإنسان، وهنا يبرز المعنى الدقيق؛ إذ ليس معنى “وضع الثياب” خلعها بالكلية أو التعرّي، وإنما معناه التيسير برفع ما زاد عن أصل الستر من الفضول والأردية التي تشق على المسنة، فيُعفى عن التبسط الذي قد يبدو معه قدر يسير من حواشي الشعر أو فتحة الصدر أثناء الحركة وقضاء الحوائج بغير قصد للتبرج.
ثانياً: الفرق البياني والدقيق بين (يَضَعْنَ) و(يبدين) و(ينزعن):
- لم يقل الله تعالى (ينزعن ثيابهن) بل قال: (يَضَعْنَ) لأن “النزع” في اللغة يعني الخلع التام والتعري الذي يكشف العورات، كما جاء في قوله تعالى: ﴿يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا﴾ [الأعراف: 27] بينما “الوضع” يعني التيسير والتخفيف من هيئة التشدد في السِّتر، ووضع الأردية الثقيلة جانباً للارتياح.
والتخفيف هنا يشمل الخمار؛ كأن تخفف المسنة من شدّه وإحكام إسداله على الجيب، أو ترجعه إلى الوراء قليلاً، دون أن يعني ذلك نـزع غطاء الرأس كلياً أو التعري.
- وكذلك لم يقل القرآن (أن يبدين زينتهن)، بل قال: ﴿أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾ وهناك فرق ظاهر؛ فالإذن جاء بالتخفيف المادي من ثقل الملابس والأردية الزائدة، ولم يأتِ إطلاقاً بإباحة إبداء الزينة الباطنة أو كشف المحاسن.
ثالثاً: الملمح البياني في موقع الآية وسياق أحكام البيوت:
يتضح المعنى جلياً بالنظر إلى ارتباط آية “القواعد” بما قبلها وما بعدها في سورة النور؛ إذ جاءت بين آيات تنظم أحكام التبسط ورفع الحرج داخل المحيط الأسري والبيوت:
- الربط بالآية السابقة: والتي بدأت ببيان أحكام الاستئذان الداخلي وقت الراحة والقيلولة في قوله ﴿وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ الظَّهِيرَةِ﴾ [النور: 58] ثم استخدم القرآن نفس العبارة تماماً مع المسنات: ﴿أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾ وهذا يثبت أن المراد بـ “وضع الثياب” في عُرف السورة ونظمها هو التخفيف المعتاد من الأردية الزائدة طلباً للراحة داخل البيوت ومع المحارم والأقارب.
- الربط بالآية التالية: جاءت آية القواعد متسلسلة مع آية رفع الحرج والتزاور بين الأرحام والأقارب والأكل في بيوتهم في قوله ﴿لَّيْسَ عَلَى الْأَعْمَىٰ حَرَجٌ…﴾ [النور: 61]؛ حيث يُسقط الله تعالى الكلفة عن الفئات التي تحتاج للتيسير (ككبار السن وأصحاب الاعذار)
وهنا يظهر الفرق بين المسنة والشابة في المحيط الأسري: فالتزاور والأكل في بيوت الأعمام والأخوال يترتب عليه وجود أبناء الأعمام والأخوال؛ ولما كانت القواعد من النساء لا يُرجى منهن نكاح ولا يُنظر إليهن بشهوة، رفع الله تعالى عنهن المشقة والتدقيق الشديد في هيئة اللباس الكاملة أثناء جلوسهن وتزاورهن مع أقاربهن، بينما تظل الفتاة الشابة في هذا المحيط الأسري نفسه ملتزمة بكامل حجابها وهيئتها؛ لأن الفتنة في حقها قائمة وحاضرة.
رابعاً: القاعدة الحاكمة للمسنة (بين داخل البيت وخارجه):
سواءٌ افترضنا أن الرخصة محصورة في نطاق الأسرة وبيوت الأقارب أو إنها تمتد إلى خارج البيت أمام الأجانب، فإن الرخصة للمسنة لا تعني بحال من الأحوال إظهار الشعر، ولا التحلل من غطاء الرأس، ولا التبرج بالزينة.
خامساً: الدليل القاطع على بقاء أصل الحشمة (القيدان الخاتمان للآية):
ختمت الآية بشرطين يقطعان الطريق على من يظن أن الرخصة تبيح التبرج أو كشف المحاسن:
- قوله تعالى: ﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾: المراد بالزينة هنا الجمال الخَلقي ومكامن الفتنة في الجسد والشعر، وليس مجرد الحلي والمجوهرات المضافة؛ إذ لو كان المقصود بالزينة الحلي والمجوهرات لصار المعنى فاسداً (وكأن الآية تقول: يجوز لهن وضع ثيابهن بشرط ألا يرتدين الذهب!) وإنما المعنى الصحيح: أن التخفيف المباح من الثياب لا يبيح بحال كشف المحاسن أو الشعر على وجه التبرج.
- قوله تعالى: ﴿وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ﴾: يدل بوضوح على أن لزوم الكمال وتمام السِّتر والحشمة هو الأفضل والأعظم أجراً للمرأة حتى وإن رُخِّص لها بالتخفيف، مما يثبت أن أصل السِّتر والحياء هو القاعدة الراسخة والأصل الثابت لجميع نساء المؤمنين.
وتخصيص القواعد من النساء برخصة للتخفيف من فضول الثياب مع حثهن على الاستعفاف، دلالة قاطعة على أن السِّتر الكامل والتغطية حكم أصلي وفرض ثابت على النساء عموماً؛ إذ لو لم يكن كذلك، لما كان هناك أي معنى لتخصيص كبار السن برخصة للتخفيف من الأصل!
إشكال وشبهة معاصرة
هناك بعض التساؤلات العقلية حول فرضية تغطية الشعر؛ والتي تقول أنه من المعلوم أن طبيعة شعر النساء تختلف من امرأة لأخرى؛ فليس كل النساء يملكن شعراً ناعماً أو جميلاً، بل منهن ربما يكون من مصلحتها جمالياً تغطيته.
فلا يبدو منطقياً في نظري أن يُفرض على المرأة وحدها لفُّ شعرها وعنقها في الأيام الحارة بدعوى أنه فتنة – حتى وإن كان خشناً – وكأن الله خلق نصف البشرية وأمرها أن تختبئ! بل الأقرب للعقل والمنطق أن يكون الأمر متعلقاً بالاحتشام العام ومنع العري فقط.
كما يُرى أن من تضع غطاء الرأس وتُخرج منه خصلات من شعرها بطريقة متصنعة تُعتبر متزينة أكثر ممن تكشف شعرها وتربطه بأسلوب مهذب وبسيط؛ فالزينة المقصودة بالنهي هي التعمد في لفت الانتباه، كفرد الشعر وتزيينه، تماماً كما كانت إدارة المدرسة تُطالب التلميذات بربط الشعر وعدم إرساله على الظهر لمنع التبرج. فكيف يُجاب عن هذه التساؤلات بعيداً عن التكلف؟
الرد:
1. تنوع الخِلْقة آية إلهية
إن القول بأن الشعر المجعد أقل جمالاً ولذلك لا يستوجب التغطية — وإن صدر بحسن نية وبحثاً عن المعنى من السائلة الكريمة — يحمل في جوهره نظرة غير موضوعية، وتنسب _حاشا لله_ عدم العدل لِخلْق الخالق العظيم الذي أبدع كل شيء خلقه ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [ال عمران: 6] وكأن الله سبحانه – تعالى عن ذلك علواً كبيراً – قد ظلمها حين خلقها بمواصفات مخالفة لهذه المقاييس البشرية الجائرة! فيؤدي هذا الانحراف إلى تعرض المرأة المخالفة لهذه المقاييس للنقد والتمييز العنصري على طبيعتها الخَلْقية التي بناها البارئ بحكمته فسبحانه الذي: ﴿صَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [غافر: 64] ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾
التنوع جمالٌ لا تفاضل: إن اختلاف طبيعة الشعر وألوان البشرة بين العباد آية من آيات الله الكونية الشاهدة على بديع قدرته، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾ [الروم: 22]، وقال سبحانه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَٰلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28] فالذي يتدبر في هذا التنوع الإلهي ويفهم أسرار الخلقة والجمال، يُدرك الحكمة الإلهية من ورائها، يُصبح من أكثر الناس خشيةً لله وتعظيماً لقدرته، ويُدرك أن الجمال مفهوم نسبي متعدِّد؛ فما يُظن في ثقافة ما أنه يفتقر لمعايير الجمال النمطية، قد يكون في ثقافات وبيئات أخرى غاية في الجمال والجاذبية.
- بطلان بناء التشريع على المقاييس الفردية: لو كان معيار التشريع مرهوناً بالمقاييس النسبية لجمال الأجزاء — كنعومة الشعر أو خشونته — لزم عن ذلك تقسيم باطل لا يقبله عقل ولا تشريع؛ إذ يلزم بناءً على هذا المنطق أن يُقال: إن الحجاب لا يجب إلا على المرأة ذات القوام الممشوق، بينما تُستثنى منه الفتاة النحيفة أو البدينة! بل للزم أن نمنع المرأة التي أوتيت قدرًا كبيراً من الجمال من الخروج من بيتها تماماً، أو نوجب عليها النقاب وحدها دون غيرها!
- التكريم الإلهي العام للأنثى: إن أمره تعالى بالحجاب والستر لكل نساء المؤمنين هو إقرارٌ إلهيٌّ تكريمي بأن كل امرأة تحمل في أصل خلقها – بحكم خلقها الإلهي – جوهر الأنوثة وسرها الفطري الذي جعله الله فيها، وهو جمالٌ أصيل وقيمة ذاتية جُعلت فيها كأنثى، حتى إن عجزت “المقاييس البشرية الظاهرية والمجحفة” عن رؤيته أو تقييمه، فالتشريع لا ينتظر اعتراف البشر بجمالها، بل يسبقهم بالإقرار بكرامة أنوثتها وحفظها، وفي تعميم هذا الستر نفيٌ للتمييز الحسي بين النساء، فلا تُصنَّف امرأةٌ دون أخرى في ميزان الكرامة والحرمة فـــ ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾
2. الحجاب سِمة هوية وصيانة لا إخفاء
لم يُشرع الحجاب ليكون وسيلة لتقييد المرأة أو إخفائها عن الحياة العامة، بل شُرع صيانةً لقدرها وإعلاناً لكرامتها؛ قال تعالى: ﴿ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ [الأحزاب: 59] وأما ما يُذكر واقعياً من كون غطاء الرأس قد يستر عدم تناسق الشعر أو يُخفف عناء تصفيفه اليومي، فهذه منافع تبعية عارضة لا تُشكل العلة الأساسية للفرض؛ إذ العلة الغائية هي الامتثال لأمر الله وصيانة الهوية.
فالالتزام بالزي الشرعي يصون جسد المرأة عن الاستهلاك البصري والتقييم المادي في الفضاء العام؛ فالمرأة حين تترقى في مدارج العلم والمناصب القيادية يمنحها الالتزام بالستر هيبةً ووقاراً يُجبر المحيطين بها على التعامل مع فكرها وكفاءتها وموقعها العلمي والعملي، بعيداً عن صرف الأنظار إلى تفاصيل زينة جسدها أو شعرها، كما في النموذج الحضاري لملكة سبأ التي لم ينقص الإسلام من ملكها ولا مقامها شيئاً.
وعلى العكس من ذلك، يُظهر الواقع الاجتماعي أن الفضاء العام حين يختزل المرأة في مظهرها وجسدها، يضعها أمام نوعين من الإجحاف؛ حيث تُظلم المرأة وتُغيب كفاءتها الحقيقية لصالح الشكل الخارجي:
- تهميش الفكر وتسليع المرأة: حين تُختزل المرأة في محاسنها وجسدها فقط، يُهمّش علمُها وفكرُها، ونحن نرى في واقعنا حين تُقدَّم أكثر الفتيات في العديد من الوظائف بناءً على مقاييس المظهر المتبرّج رغماً عن تدنّي مؤهلاتهن، بينما تُستبعد الكفء لمجرد التزامها بزيها الشرعي؛ مما يكرس الاستهلاك البصري ويجعل الحفاوة بالمرأة مرهونةً بمدى تبرجها لا بعمق فكرها.
- جور المعايير البشرية واستبعاد الجمال الفطري: حين تصنع المجتمعات معايير جمالية ضيقة وشائعة (كالبشرة البيضاء أو نوعية شعر محددة)، تُمارَس على المرأة نوعاً من العنصرية التمييزية؛ وكأن من لا تطابق هذه المواصفات قد أُخرجت تماماً من نطاق الجمال ورميت بالقبح والسوء!
فجاء التكليف الشرعي بالستر ليحرر المرأة من عبودية المقاييس البشرية المتغيرة إلى رحابة التكريم الإلهي الثابت؛ فالالتزام باللباس الشرعي يعمل كدرع موضوعي يُحرر المرأة من وطأة المقاييس البشرية، ويفرض احترام شخصيتها وفكرها كإنسان مكرم قبل كل شيء.
ثم أتاح لها الشرع الخصوصية المطلقة للتزين والتأنق الكامل في بيتها وبين محارمها ومع زوجها؛ مما يُؤكد أن الشرع لم يحجر على إحساسها بالجمال ولم يكبته، وإنما نظّم مواضع إبدائه صيانةً للبيت والمجتمع.
3. التفريق بين الخُلق السلوكي والفرض الشرعي
يجب التفريق بدقة بين التهذيب السلوكي والفرض المحدد؛ فتهذيب الشعر ولمّه بأسلوب بسيط سلوكٌ محمود، لكن الخُلق الحسن لا يُسقط الفريضة المحددة؛ تماماً كما أن الأمانة والصدق أخلاق عظيمة لكنها لا تُغني عن أداء الصلاة المكتوبة.
وكما أن للمؤسسات التعليمية والأنظمة البشرية قوانين ولوائح انضباطية يُقرّ بها الجميع ويحترمها التلاميذ وأولياء الأمور دون اعتراض — مع علمهم أنها مجرد أحكام تنظيمية وضعها البشر — فإن لخالق الكون وبارئه شريعته الأسمى وأحكامه العادلة، وهو سبحانه أحق وأولى أن تُتلّقى أوامره بالقبول والامتثال والتسليم؛ إذ إن الامتثال الصادق يجمع بين الستر الواجب واجتناب التبرج بجميع صوره طاعةً لله واستشعاراً لحكمته.
شبهة معاصرة
عرض الشبهة: إن فرض الحجاب والستر الكامل على المرأة دون الرجل يُشعِر بتفضيلٍ ضمني للرجل وتمييزٍ لصالحه؛ فبينما يُترك الرجل طليقاً حراً في هيئته وتنقله، تُطالَب المرأة بجهدٍ مضاعف ومشقةٍ مستمرة في التستر وارتداء الحجاب، أليس في هذا تحيزٌ ذكوريٌّ وثقلٌ في التكليف يُلقى على عاتق الأنثى وحدها، وكأن الشريعة تُحَمِّل المرأة تبعات جاذبيتها وخِلقتها دون الرجل؟
الرد:
إن التساؤل حول الحكم المترتبة على تباين التكاليف بين الرجل والمرأة أمرٌ يدعو إلى مزيد من البحث والتدبر في الفلسفة القرآنية؛ فبالنظر العميق إلى التمييز الفطري بين الجنسين، وطبيعة توزيع الأعباء والابتلاءات الإلهية، تنكشف الحقيقة وتظهر حكمة التشريع.
التباين الفطري بين الجنسين في الاستعمال القرآني
يبدأ الفهم الصحيح للتشريع القرآني من إدراك قاعدة أصيلة قررها الحق سبحانه وتعالى: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَىٰ﴾ [آل عمران: 36] فالأنثى في أصل الخلقة كائنٌ يُطلب وتُطلب محاسنه ولطافته لذاتها، بل إن الشريعة جعلتها مقصودةً بالطلب والرغبة، يُسعى إليها بتقديم المهر والمال رغبةً فيها وإكراماً لها وتأسيساً للبيت؛ كما قال تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: 4].
لذا جاء البيان القرآني متسقاً مع هذه الفطرة؛ بربط الأنثى بالحُسن والزينة والصيانة الخَلقية، فقرر القرآن موقعها الفريد في الميل النفسي للبشر بقوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [آل عمران: 14]، كما أشار إلى أصل هذا الحُسن الفطري وجاذبيته في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾ [الأحزاب: 52].
ولأن هذا الحُسن والقدر العالي يقتضيان الرعاية والصيانة، فقد جاءت التشريعات الإلهية لحفظ الأنثى وصيانتها في كل أحوالها، داخل بيتها وخارجه؛ كما قال تعالى: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ [النساء: 34]؛ أي حافظاتٌ لما أُمرن بحفظه بفضل ما سنّ لهن من التشريعات الحامية والأحكام الضامنة لكرامتهن وحرمتهن.
استشكال ورد:
ثانيًا: وإن قيل إن بعض الرجال قد يُطلبون أيضاً لجمالهم ومحاسنهم الشكليّة؛ فيُرَدُّ على ذلك بمنهج الاستقراء الواقعي والعرف الإنساني المستقر:
الجمال في حق الرجل استثناء لا يُبنى عليه الحكم العام
- النسبة والتناسب: إن الطلب القائم على الحُسن والزينة الخَلقية هو أصلٌ مطرد وشائع في حق الأنثى، بينما يظل في حق الرجل استثناءً نادراً لا يُبنى عليه الحكم العام.
- الجمال ليس معيار القوامة: حتى في هذه القلة القليلة من الرجال، فإن الجمال الحسي ليس معياراً كافياً لاستمرار الحياة وإقامة البيت؛ إذ سرعان ما تتوارى تلك الوسامة اللحظية أمام استحقاقات القوامة المجهدة، والمسؤوليات الثقيلة من إنفاق وكسب ورعاية، ولو عجز الرجل عن القيام بهذه الأعباء الشاقة، لسقطت تلك الوسامة فوراً وهوت قيمتها في عين المرأة والمجتمع؛ لأن الذكر لا يُقَوَّم مجرداً عن قدرته وتحمله للمسؤولية.
ولذا نجد أن القرآن الكريم عندما تحدث عن الأنبياء والرجال الصالحين، عبّر عنهم بصفات الهيبة، والقوة، والقدرة على تحمل المسؤولية:
- طالوت: وُصف ببسطة العلم والجسم لمقام القيادة والنهوض بأعباء الملك والتدبير؛ قال تعالى: ﴿قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ [البقرة: 247].
- موسى عليه السلام: وُصف بصفات القدرة على العمل والمروءة والمسؤولية والعفة، كما قالت ابنة الرجل الصالح: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ، إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص: 26] مما جعل هذا الشيخ الكبير يسعى بنفسه مبادرًا لتزويج ابنته من هذا الرجل القوي الأمين لما رأى فيه من كمال القوامة والرجولة.
- يوسف عليه السلام: على الرغم من أن الله تعالى آتاه نصيباً عظيماً من الحسن، إلا أن القرآن لم يصف حسنه وصفاً حسياً مجردًا بل صاغه في أرفع معاني القدسية والهيبة؛ فعلى الرغم من أن الموقف الذي وُضع فيه كان سياق فتنة واستدراج شهواني، إلا أن حضوره الإيماني أحدث لدى النسوة صدمة ذهول وإجلال غيّبت حواسهن، فلم يرين فيه مجرد “رجل وسيم يُشتهى”، بل نطقن بتنزيه إلهي: ﴿حَاشَ لِلَّهِ مَا هَٰذَا بَشَرًا إِنْ هَٰذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف: 31] فنُقلت الصورة من دنس الشهوة إلى هيبة القدسية المَلَائكية.
ليظل المعنى المستقر أن الجمال في حق الرجل لا يُمتدح بذاته للشهوة بل يُهاب إذا اقترن بالعفاف والقدسية، بينما الحُسن في الأنثى زينة ومحاسن خَلقية تقتضي الصيانة والستر.
وبناءً على هذا التباين الفطري، يأتي الحجاب والزي الشرعي ليضفيا على المرأة هالةً من القدسية والوقار النوراني تشبه تلك القدسية التي أُحيط بها يوسف عليه السلام؛ فالمرأة مهما بلغت من الجمال والفتنة، فإن التزامها بالزي الشرعي يسبغ عليها مهابةً تحميها من النظر السطحي أو الفكر الرخيص.
فالحجاب لا يُلغي جمال الأنثى ولا ينكر أصل خِلقتها، لكنه يُعيد صياغة هذا الجمال؛ فيرفعه من دائرة الاستهلاك البصري والعابثين، ليضعه في مقام الإجلال والاحترام، فلا يجرؤ أحدٌ على أن يظن بها سوءاً أو يتناولها بابتذال، بل يُجبر الناظر إليها على أن يتعامل معها بكامل التقدير لشخصيتها وفكرها وإنسانيتها قبل كل شيء، استجابةً لقوله تعالى: ﴿ذَٰلِك أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ [الأحزاب: 59].
ثالثاً: فلسفة الابتلاء وعدالة توزيع التكاليف
إن القول بأن في فرض الحجاب حيفاً أو تحيزاً يلزم منه إنكار طبيعة التكليف الإلهي؛ إذ الشريعة قائمة في أصلها على امتحان إرادة الإنسان ومخالفة هوى النفس ابتلاءً واختباراً فقال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ [الملك: 2].
والله عز وجل لم يفرق بين الذكر والأنثى في الكرامة الإنسانية والميزان القائم على العمل: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: 97].
وإنما وزّع الابتلاءات بحسب طبيعة كل جنس ومقوماته: ﴿لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾ [المائدة: 48]
لذا حسم القرآن الكريم الشبهة بنهي كل جنس عن تمني ما خُصّ به الجنس الآخر: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [النساء: 32].
- فلا يحق للرجل أن يتساءل: لماذا كُرِّمت المرأة بالإعفاء من شقاء المعارك، والعمل الشاق في المهن الإجهادية، ووُفِّرت لها الحماية والنفقة الواجبة؟
- ولا يحق للمرأة أن تتساءل: لماذا لم يُفرض الحجاب على الرجل؟ ولماذا لا يلد ولا يرضع؟
فمن أراد تميّز وتفضيل الطرف الآخر، فلْيأخذ “سَلّة التكاليف” برُمتها؛ فالعدل الإلهي مطلقٌ ومكتمل؛ فالمرأة تلمس الابتلاء في مشقة الستر والصيانة والحمل والرضاع، والرجل يلمسه في مشقة السعي والإنفاق وحماية الأسرة، وكلٌّ ميسرٌ ومكرمٌ فيما خُلق له.
إشكال ورد:
حول المغزى البلاغي في أن الأمر بالحجاب جاء بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ…﴾ [الأحزاب: 59] فمتى يقول الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ ومتى يقول ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ﴾؟
الرد: سر التمييز البلاغي بين ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ و ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ﴾
يعتقد البعض بأن ورود الأمر بالحجاب والجلابيب موجهًا بلفظ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ يعني أنه مجرد توجيه لأزواج النبي فقط أو حكم خاص بزمانه، وليس تشريعاً عاماً، وهذا الاعتقاد يخالف القواعد الدقيقة للبلاغة القرآنية ودلالات الألقاب الإلهية للأنبياء.
أولاً: الفرق البلاغي والمقامي بين الوصفين في القرآن:
- مقام الخطاب بوصف (الرسول): يُعَبِّر القرآن الكريم بوصف “الرسول” عندما يكون المقام مقام إبلاغ الرسالة ونقل التشريعات الإلهية؛ فالرسول – من حيث هو رسول – مكلَّفٌ بالأمانة في توصيل الرسالة وإقامة الحجة، ووظيفته الأساسية هي البلاغ المبين؛ كما قال تعالى: ﴿مَّا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [النور: 54] وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾ [المائدة: 67] فالخطاب هنا يتجه إلى أصل البلاغ والتكليف بنقل الوحي.
- مقام الخطاب بوصف (النبي) واقترانه بالرسالة: يتجه الخطاب إلى وصف “النبي” عندما ينتقل التشريع من مرحلة “البلاغ النظري” إلى مرحلة “التطبيق العملي والتنزيل الواقعي“ داخل المجتمع والبيت المسلم؛ فالنبي هو المربي، والقائد المباشر، والزوج والأب والصاحب الذي يُجسِّد أحكام الوحي في واقع الحياة.
وقد جمع الحق سبحانه بين الوصفين في مقام الاتباع الشامل بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾ [الأعراف: 157]؛ لِيُبيّن أن طاعته واتباعه والتأسي به ﷺ إنما يقعان عليه باعتباره “رسولاً” مُبلِّغاً أميناً عن ربه، وباعتباره “نبيّاً” مأموراً بتطبيق هذه الأوامر على نفسه وأهل بيته أولاً.
والتتبع الاستقرائي لآيات الكتاب العزيز يُظهر أن كل التشريعات التي تناولت شؤون الأسرة والبيوت، وإدارة المعاملات، والقيادة في المعارك والتنظيم الداخلي، إنما جاء الخطاب والتوجيه فيها مسنداً إلى وصف (النبي)؛ ليكون التكليف مقترناً بالتطبيق المباشر له، وللمؤمنين والمؤمنات في واقعهم السلوكي من زمن النبوة وإلى يوم القيامة، ومن أمثلة ذلك الخطاب:
-
- في تنظيم المعاهدات والبيعة: قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾ [الممتحنة: 12].
- في تنظيم القيادة العسكرية والصفوف: قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ [الأنفال: 65].
- في التنظيم الأسري والأحكام الاجتماعية: قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1] فلا يعني التوجيه بوصف “النبي” اقتصار الحكم على زمانه فقط؛ بدليل أن أحكام الطلاق افتُتحت ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ وهي أحكامٌ عامةٌ خالدةٌ تطبق على المؤمنين كافةً في كل زمانٍ ومكان.
-
- ولذا جاء الأمر الإلهي في سورة الأحزاب بلفظ «النبي»: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ [الأحزاب: 59] لأن التشريع هنا يتعلق بـ الزي والستر والتنظيم الاجتماعي للمجتمع المسلم، والمقام يتطلب توجيهاً قيادياً أسرياً يبدأ من المركز والرأس (بيت النبي) ثم يتدرج للمجتمع:
- فجاء النداء بـ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ ثم أعقبه بالأمر ﴿قُلْ﴾ ليجمع بدقة بين مقام الرسالة والتبليغ، ومقام القدوة والتربية المتمثل في وصف “النبي”
- بدأ بـ «أَزْوَاجِكَ» (الدائرة الأولى).
- ثم «بَنَاتِكَ» (الدائرة الثانية).
- ثم «وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ» (الدائرة العامة والأمة بأسرها) فمصطلح “نساء المؤمنين” لفظ عام يستغرق كل امرأة آمنت بالله ورسوله إلى يوم القيامة.
الخلاصة والختام:
1. لفظ “الحجاب” بين الاصطلاح الشائع والمضمون الشرعي
يتبين مما سبق أن لفظ “الحجاب” لم يأتِ في القرآن الكريم قط مراداً به زيّ المرأة المسلمة أو لباسها الخارجي العام، وأما إطلاقه على زي المرأة في عصرنا الحالي، فهو من باب التوسع والمجاز اللغوي لدى العامة؛ لأن هذا الزي يحقق نتيجة حجب زينة المرأة عن أعين الرجال الأجانب، فسمي بالنتيجة التي يحققها وهي (الحَجْب والستر).
وليس في استعمال هذا الاصطلاح الشائع أي مشكلة لغوية في حد ذاته، وإنما تكمن الإشكالية الحقيقية عند من يستغل غياب كلمة “الحجاب” بلفظها عن آيات اللباس ليدعي أن هذا الزي ليس فرضاً شرعياً، أو أنه مجرد عُرف لا أصل له في كتاب الله!
فالعبرة في التشريع بالمضامين والغايات لا بالمسميات والاصطلاحات؛ فحتى لو استخدم الناس لفظ “الحجاب” بدلاً من الألفاظ القرآنية الدقيقة، فإن الحكم الشرعي بوجوب الستر بيّنه الله تعالى بوضوح قاطع في آيات متعددة من كتابه الكريم.
2. حقيقة الزي الشرعي وسعة الشريعة
إن الزي الشرعي المفروض بآيات القرآن القاطعة — والتي افتُتحت سورة النور بتأكيد فرضيتها في قوله تعالى: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا﴾ — يتحقق بالجمع بين (الخمار) المذكور في سورة النور و(الجلباب) المذكور في سورة الأحزاب، وهما ما يضمنان معاً ستر الرأس والشعر والصدر وبقية الجسد، مع جواز كشف الوجه واليدين وما يلحق بهما من زينة بدلالة الاستثناء الإلهي ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾
ومن يسر الشريعة وسعتها أنها لم تأمر بإرهاق النفس أو التضييق الخانق؛ فالغاية هي الستر والوقار، ولذلك يُتسع للمرأة أن تدع مساحة لطيفة للراحة والتنفس والحركة طالما يحقق الخمار ستر الرأس ويسدل على فتحة الصدر، كما لم تفرض الشريعة زياً إقليمياً ثابتاً ولا هيئة مخصصة لبيئة جغرافية معينة، بل تركت هيئة اللباس مرنة ومناسبة لكل زمان ومكان وفق شروط العفة العامة.
ومن صور هذا التيسير في الملابس المعاصرة: أن القطع الحديثة قد تكون متسعة ومزودة بأزرار أو تصميم يغطي فتحة الصدر (الجيب) تماماً، فلا تحتاج المرأة في هذه الحالة إلى إسدال الخمار نفسه فوق الجيب طالما أنه مغطى بساتر آخر، دون أن يعني ذلك بحالٍ إسقاط خمار الرأس.
3. التفاوت الإنساني والضابط الأخلاقي
إن الناس يتفاوتون في منازل العمل والالتزام كما قال تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ [الأنعام: 132] وكما يختلف البشر في درجات الأعمال الصالحة، فكذلك تتفاوت النساء في قدر الالتزام والحشمة، والمحاسب على ذلك هو الله وحده.
فلا يحق لأحد أن يزدري امرأة، أو ينقص من قدرها، أو يرميها في عرضها، أو يسيء الظن بها بناءً على هيئة لباسها حتى وإن قصرت أو تبرجت.
ويبقى الميزان العدل والجامع في كل أفعال العباد هو التقوى والرحمة الإلهية كما قال سبحانه: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16]؛ ليكون الستر عبادةً وقربةً إلى ربٍّ رحيم، وليست مجالاً للتصنيف أو المزايدة بين العباد.


أضف تعليقا