حبل الله
تفسير الآيات 83-86 من سورة البقرة

تفسير الآيات 83-86 من سورة البقرة

﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [البقرة: 83] 

تذكِّر الآية بجملة من أهم ما أُخذ على بني إسرائيل من العهود. فقد أخذ الله منهم ميثاقًا يقوم على أساس واضح: ألا يعبدوا إلا الله، ثم ألزمهم بما يترتب على توحيد الله من استقامة في معاملاتهم وسلوكهم، فقال: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾. فالتوحيد ليس مجرد اعتقاد مجرد، وإنما يظهر أثره في علاقة الإنسان بالآخرين، ولا سيما بمن لهم حق مؤكد عليه.

فبعد النهي عن عبادة غير الله، بدأ بالوالدين؛ لما لهما من عظيم الحق، ثم ذكر ذوي القربى، ثم اليتامى والمساكين، أي الفئات التي تكون حاجتها إلى الرعاية والعون أشد. ويأتي ذلك متسقًا مع ما تقرره آيات أخرى من أن الإحسان إلى هذه الفئات من مقتضيات العبادة الصحيحة، كما قال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [النساء: 36].

والمسكين هو من اشتدت حاجته حتى أصبح ما لديه من دخل أو مال دون مستوى الكفاية اللازمة لحياته، واستحكم به العجز عن تدبير حاجاته الأساسية، بحيث تظهر حاجته من حاله. ويؤيد ذلك ما بيّنه القرآن في أبواب الفدية والكفارات والإنفاق؛ فقد جعل إطعام المسكين من وجوه التكليف المالي، فقال تعالى في شأن الصيام: ﴿فَفِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: 184]، وقال في كفارة اليمين: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ [المائدة: 89]، وذكر إطعام المساكين كذلك في [المائدة: 95] و[المجادلة: 4].

ولهذا لا ينظر القرآن إلى المسكين باعتباره شخصًا يُتفضل عليه عند القدرة، وإنما يقرر له حقًا ينبغي أداؤه، قال تعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ﴾ [الإسراء: 26]، وقال: ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ [الروم: 38]. بل راعى القرآن حق المحتاجين حتى عند تقسيم التركة، فقال: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [النساء: 8]. وهكذا يظهر أن رعاية المساكين مبدأ مقرر في التشريع القرآني، يدخل في أبواب الإنفاق الواجب والتطوعي معًا، كما في [البقرة: 177، 215] و[التوبة: 60] و[الإنسان: 8].

ثم انتقل الميثاق من رعاية الفئات التي تربط الإنسان بها صلات خاصة إلى التعامل مع عموم الناس، فقال تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾. فالمطلوب ليس الإحسان إلى الأقارب والمحتاجين فحسب، بل أن يكون خطاب الإنسان للناس عمومًا قائمًا على القول الحسن. وبذلك يتسع نطاق المسؤولية الأخلاقية من دائرة الأسرة والقرابة إلى المجتمع كله. فاللسان، كما المال والعمل، داخل في اختبار الإنسان والتزامه بما عاهد الله عليه.

ثم ذكر الله تعالى ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، وهما من أبرز مظاهر إقامة الصلة بالله وإقامة التكافل بين الناس. فالصلاة تتصل بإقامة العبادة والمحافظة عليها، والزكاة تتصل بأداء الحق المالي وإيصاله إلى مستحقيه. وبذلك اجتمع في هذا الميثاق توحيد الله، وإصلاح علاقة الإنسان بوالديه وأقاربه وبالفئات الضعيفة، وحسن القول للناس، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة؛ أي إن الميثاق شمل أصولًا مترابطة في إصلاح علاقة الإنسان بربه وبنفسه وبالمجتمع.

غير أن المشكلة لم تكن في غموض هذا الميثاق أو صعوبة فهمه، وإنما في موقف بني إسرائيل منه؛ ولذلك تأتي الجملة الأخيرة لتكشف التناقض بين العهد والسلوك: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾. فقد أعرض أكثرهم عن مقتضى ما عاهدوا الله عليه، ولم يثبت على العهد إلا قليل منهم. والتعبير بـ ﴿ثُمَّ﴾ يدل على أن الإعراض جاء بعد وضوح الميثاق وبيان ما اشتمل عليه من التكاليف، فالمشكلة إذن لم تكن في عدم معرفة ما أُمروا به، وإنما في التولي عنه والإعراض.

﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ [البقرة: 84] 

تكر الآية هنا بجانب آخر من ذلك الميثاق يتعلق بحفظ الدماء والأوطان. فقال: ﴿لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾، أي لا يقتل بعضكم بعضًا ولا يعتدي بعضكم على دماء بعض، وعبّر عن دماء بعضهم بأنها دماؤكم؛ لأن أفراد الجماعة الواحدة مترابطون، والاعتداء على أحدهم اعتداء على الجماعة كلها.

ثم قال: ﴿وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾، فنهى كذلك عن أن يُخرج بعضهم بعضًا من ديارهم وأوطانهم. والقرآن يعبّر عن إخراج بعض أفراد الجماعة بأنه إخراج للأنفس، ليؤكد وحدة الجماعة، وأن الظلم الواقع على فرد منها لا ينفصل عن بقية أفرادها. فالإنسان لا يجوز له أن يسفك دم أخيه أو يعتدي على حقه في الأمن والاستقرار والسكن، ثم يتعامل مع ذلك وكأنه اعتداء على شخص آخر لا صلة له به.

وهذان الحكمان مترابطان؛ إذ إن سفك الدماء وإخراج الناس من ديارهم من صور الظلم التي تهدم أمن المجتمع وتفكك روابطه. ولذلك جاء النهي عنهما في سياق واحد، بعد الأمر بالإحسان إلى الوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وحسن القول للناس. فالميثاق الذي أُخذ على بني إسرائيل لم يكن عبادات منفصلة عن الحياة، بل كان منظومة متكاملة تحفظ علاقة الإنسان بربه، ثم تحفظ حقوق الناس وأمنهم وكرامتهم وأوطانهم.

ثم يلفت الله تعالى إلى أنهم لم يكونوا يجهلون هذه الأحكام، فقال: ﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾. أي إنكم قبلتم هذا الميثاق وأقررتم بالتزامه، وأنتم تشهدون على ثبوته وصحته، فلا مجال للاحتجاج بعد ذلك بعدم العلم أو بعدم وضوح الحكم. وكان مما يشهدون عليه ما جاء في كتابهم من النهي عن قتال بني إسرائيل بعضهم بعضًا، ومنع الظلم والاعتداء والإخراج من الأرض.

ففي سفر الملوك الأول 12:24 جاء ما يلي: «لا تهاجموا إخوتكم من بني إسرائيل، ولا تحاربوهم»، وهو معنى يوافق أصل النهي عن الاعتداء على أبناء الجماعة الواحدة وسفك دمائهم. وفي سفر حزقيال 45:9 يَرِد خطاب إلى رؤساء بني إسرائيل: «كفى يا رؤساء إسرائيل! اتركوا الظلم والاضطهاد، واصنعوا العدل والحق، ولا تطردوا شعبي من أرضهم»، وهو شاهد آخر على النهي عن الظلم والإخراج من الأرض.

ومن هنا يظهر وجه قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾؛ فقد كان الميثاق معلومًا لديهم ومقرًّا به، بل كانت أحكامه ثابتة في الكتاب الذي بأيديهم. ولذلك فإن الآية التالية ستكشف المفارقة بين الإقرار بالميثاق من جهة، ومخالفة مقتضاه في الواقع من جهة أخرى. وهذا هو محور السياق الذي يتدرج فيه القرآن: يذكّرهم أولًا بما عاهدوا الله عليه، ثم يواجههم بما وقع منهم من نقض لذلك العهد، حتى يظهر أن المشكلة لم تكن في غياب الحكم، وإنما في عدم الالتزام به.

﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: 85] 

بعد أن ذكّرهم الله تعالى في الآية السابقة بالميثاق الذي أخذ عليهم، ونصّ فيه على ألا يسفك بعضهم دماء بعض، وألا يُخرج بعضهم بعضًا من ديارهم، ثم بيّن أنهم أقرّوا بذلك وهم يشهدون، يكشف هنا عن واقعهم الذي يناقض ذلك الإقرار، فيقول: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾. أي إنكم، بعد إقراركم بالميثاق، وقعتم فيما نُهيتم عنه، فقتل بعضكم بعضًا، وأصبح ما تعاهدتم على تركه واقعًا في حياتكم.

والتعبير بـ ﴿تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ يعيد التأكيد على وحدة الجماعة التي سبق أن ظهرت في قوله: ﴿وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ [البقرة: 84]. فقتل فرد من بني إسرائيل لأخيه ليس اعتداءً على شخص منفصل عنه، بل هو قتل للنفس التي تجمعهم، وإهدار للحرمة التي أوجبها الله عليهم فيما بينهم.

ثم يذكر القرآن صورة أخرى من نقض الميثاق: ﴿وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ﴾، أي تطردون بعض أبناء جماعتكم من مساكنهم وأوطانهم، ثم لا تكتفون بذلك، بل ﴿تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾؛ أي يتعاون بعضكم مع بعض في ارتكاب ما يأثم به الإنسان ويتجاوز به حدود الحق، وفي الاعتداء على من أخرجتموهم وظلمهم.

والإثم هو ما يحول بين الإنسان وبين البر والخير والاستقامة، ولذلك قرنه الله تعالى بالبغي والعدوان في قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الأعراف: 33]. ومن ثم فإن التعاون على قتل الناس وإخراجهم من ديارهم والاعتداء عليهم لا يمثل مخالفة جزئية للميثاق، بل اجتماعًا لصور متعددة من الإثم والعدوان.

ثم يكشف القرآن عن التناقض بصورة أشد وضوحًا، فيقول: ﴿وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ﴾. فإذا وقع أولئك الذين أخرجتموهم في الأسر، سارعتم إلى فدائهم وتخليصهم. والفداء في ذاته قد يكون عملًا مشروعًا في موضعه، لكن المفارقة هنا أنكم تعاملتم مع الحكم بصورة انتقائية؛ فقد التزمتم بما يتعلق بفداء الأسير، بينما خالفتم الحكم السابق الذي حرّم عليكم أصلًا إخراج هؤلاء من ديارهم والاعتداء عليهم.

ولهذا يأتي الاستنكار الإلهي الحاسم: ﴿وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ﴾. فالحكم الذي يوجب عليكم ألا تخرجوهم من ديارهم هو نفسه من الكتاب الذي أوجب عليكم فداءهم إذا وقعوا في الأسر. ولا يصح للإنسان أن يأخذ من الكتاب ما يوافق هواه أو مصلحته، ثم يترك ما لا يوافقه؛ لأن الالتزام بالوحي لا يقوم على الانتقاء، وإنما على قبول أحكامه في مجموعها.

ومن هنا جاء السؤال الذي يختصر جوهر المشكلة: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾؟ فالمقصود ليس مجرد الاعتقاد النظري ببعض نصوص الكتاب وإنكار بعضها، بل إن مخالفة الحكم المعلوم مع الالتزام بحكم آخر من الكتاب تؤدي عمليًا إلى هذا التجزؤ؛ إذ يصبح الكتاب تابعًا لأهواء الإنسان بدل أن يكون الإنسان ملتزمًا بما جاء فيه. ولذلك جاء هذا الاستفهام توبيخًا لهم على هذا التناقض الصارخ بين ما أقروا به وما مارسوه.

وهذا المعنى ينسجم مع ما تقرر في القرآن من أن البر ليس أن يأخذ الإنسان بعض الأحكام ويترك بعضها، بل أن يستقيم على ما أوجب الله عليه في مجموع جوانب حياته. ومن هنا كان الميثاق المذكور في الآيات السابقة شاملًا للتوحيد والعبادة والإحسان إلى الناس وحفظ دمائهم وديارهم؛ فلا تنفصل العبادة عن العدل، ولا يصح ادعاء الالتزام بالكتاب مع نقض أحكامه التي تحفظ حقوق الناس.

ثم يبين الله تعالى عاقبة هذا السلوك: ﴿فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. فالخزي هو الهوان والذل الذي يلحق الإنسان بسبب ما اقترفه من مخالفة وظلم، وليس الأمر مقصورًا على الجزاء الأخروي، بل قد تظهر آثار نقض العهد والظلم على حياة الإنسان والمجتمع في الدنيا أيضًا.

ثم ينتقل السياق إلى الجزاء الأخروي: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ﴾. فالعقوبة الأخروية أعظم؛ لأن الحساب يوم القيامة يقوم على ما قدمه الإنسان من أعمال، ولا يضيع منه شيء. ولفظ ﴿أَشَدِّ﴾ يدل على بلوغ العذاب درجة عظيمة في الشدة، بما يتناسب مع جسامة ما اقترفوه من قتل وظلم وإخراج للناس ونقض للميثاق وانتقاء لأحكام الكتاب.

وهذا لا يعني أن الجزاء يقع اعتباطًا أو على نحو منفصل عن العمل، بل إن القرآن يقرر أصلًا عامًا في عدل الجزاء، فقال تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الأنعام: 160]. فالله لا يظلم أحدًا، وإنما يجازي كل إنسان بما قدم، وفق عدله وحكمته.

وتُختتم الآية بقوله تعالى: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾، وهي خاتمة تناسب تمامًا ما سبق؛ فقد يمكن للإنسان أن يخفي تناقضه عن الناس، وأن يظهر التزامه ببعض أحكام الكتاب، لكن الله محيط بأعماله كلها، يعلم ما أظهر منها وما أخفى، ويحاسب على حقيقة العمل لا على الصورة التي يقدم بها الإنسان نفسه.

وهكذا يتدرج السياق من الميثاق في الآية [83]، إلى الإقرار به والشهادة عليه في الآية [84]، ثم إلى كشف نقضه عمليًا في هذه الآية [85]. فالمشكلة التي يعرضها القرآن ليست مجرد مخالفة حكم منفرد، وإنما اتخاذ الدين بصورة انتقائية: الالتزام بما يوافق المصلحة وترك ما يقتضي العدل والوفاء بالعهد. ولذلك كان السؤال: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ محور هذا السياق، ثم جاءت الآية التالية لتكشف أن ما كانوا يختارونه من متاع الدنيا لا يغني عنهم شيئًا أمام حقيقة الحساب والجزاء.

﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [البقرة: 86] 

بعد أن بيّن الله تعالى في الآية السابقة موقف الذين خالفوا ميثاقه، فقتلوا بعضهم بعضًا، وأخرجوا فريقًا منهم من ديارهم، ثم التزموا ببعض أحكام الكتاب حين وافقت مصالحهم وتركوا بعضها حين تعارضت معها، يبيّن في هذه الآية حقيقة الموقف الذي قادهم إلى ذلك، فيقول: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾.

فقد جعلوا المصلحة الدنيوية العاجلة مقدَّمة على ما يقتضيه الحق وما ينتظرهم من الجزاء في الآخرة. والقرآن يصوّر هذا الاختيار بصورة التجارة فقال: ﴿اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾؛ أي جعلوا آخرتهم في مقابل ما أرادوه من منافع الدنيا، فاختاروا ما هو حاضر زائل على ما هو باقٍ. وليس معنى ذلك أنهم امتلكوا الدنيا فعلًا وباعوا الآخرة بيعًا حسيًا، وإنما هو تصوير قرآني لاختيار الإنسان حين يقدّم مصلحة عاجلة على الحق الذي يعلم أنه يقتضي منه موقفًا آخر.

وهذا يربط الآية مباشرة بما سبقها؛ فالمخالفة لم تكن مجرد خطأ عابر، وإنما كان وراءها اختيار لما يحقق لهم منفعة دنيوية، حتى أصبحوا يأخذون من الكتاب ما يوافق مصالحهم ويتركون ما يخالفها. ولذلك جاء التعبير ﴿اشْتَرَوُا﴾ مناسبًا تمامًا لما سبق من قوله: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: 85]. فحين يجعل الإنسان المصلحة الدنيوية معيارًا لقبول حكم الله أو تركه، يكون قد جعل الدنيا ثمنًا يقدمه في مقابل التخلي عن مقتضى الآخرة.

وهذا المعنى يوضحه موضع آخر من السورة نفسها، حين يقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ . أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ [البقرة: 174-175].

إن عبارة ﴿اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾ لا تتعلق بمجرد حب الدنيا أو الانتفاع بنعمها، وإنما تتعلق بأن تصبح الدنيا سببًا لترك الحق والتفريط فيما أوجبه الله، بحيث يضحّي الإنسان بآخرته من أجل منفعة دنيوية محدودة.

ثم يأتي الجزاء متناسبًا مع هذا الاختيار: ﴿فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ﴾. فبعد أن اختاروا ما ينفعهم في الدنيا على حساب ما ينفعهم في الآخرة، يواجهون يوم القيامة نتيجة ذلك الاختيار، فلا يكون لهم ما يرفع عنهم العذاب أو يخففه.

ثم يقول تعالى: ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾؛ أي لا يجدون من يستطيع دفع العذاب عنهم أو إنقاذهم من عاقبته. وهذا يتناسب مع ما سبق من إبطال الاعتماد على القوة والمصالح الدنيوية؛ فما كان الإنسان يستند إليه في الدنيا من جماعة أو سلطة أو منفعة لا يستطيع أن ينفعه حين يقوم الحساب لله وحده.

وهكذا تختم الآية هذا المقطع ببيان نتيجة المسار الذي بدأ في الآيات السابقة: ميثاقٌ أُخذ عليهم، ثم إقرارٌ وشهادة، ثم نقضٌ للميثاق، ثم انتقاءٌ لبعض أحكام الكتاب بحسب المصلحة، ثم تقديمٌ للحياة الدنيا على الآخرة، وأخيرًا الجزاء على ذلك. وبذلك تتصل الآيات [83–86] اتصالًا وثيقًا؛ فالآية [83] تعرض مضمون الميثاق، والآية [84] تؤكد إقرارهم به، والآية [85] تكشف مخالفتهم له وانتقائيتهم في التعامل مع الكتاب، ثم تأتي الآية [86] لتبيّن أن وراء هذا السلوك إيثارًا للحياة الدنيا على الآخرة، وأن عاقبة ذلك لا يمكن دفعها يوم القيامة.

ومن المهم هنا أن الآية لا تذم الحياة الدنيا من حيث هي حياة أو نعمة، وإنما تذم استبدالها بالآخرة؛ أي أن يجعل الإنسان متاعها ومصالحها مقدَّمة على الحق والعدل والوفاء بما أمر الله به. فالمشكلة ليست في أن ينتفع الإنسان بالدنيا، وإنما في أن يجعل منفعتها سببًا لترك ما عليه من حق، فيبيع بها ما هو أبقى وأنفع له عند الله تعالى.

 

أضف تعليقا

تصنيفات

Your Header Sidebar area is currently empty. Hurry up and add some widgets.