حبل الله
مشكلة النظرة التراثية للمرأة ومسؤولياتها الدينية والأخلاقية

مشكلة النظرة التراثية للمرأة ومسؤولياتها الدينية والأخلاقية

السؤال:

لدي سؤال وأرجو أنني لا أثقل عليكم به، وغاية الأمر أنني تعبت من التفكير والإجابات غير المنطقية فدلتني صديقتي على موقعكم.

من المشهور في التراث الإسلامي القول بأن أكثر أهل النار من النساء، وقد تعددت الأسباب المذكورة لذلك، فمنها كثرة اللعن، وكفران العشير، والتبرج، وغير ذلك. واللافت أن هذه الأحاديث تبدو، في ظاهرها، متعلقة بالنساء المسلمات؛ إذ إنها لا تتحدث عن الكفر بالله، وإنما عن ذنوب تصدر من مؤمنات.

ومما يستوقفني في هذا السياق أن الذنوب المتعلقة بالإفساد في الأرض، والظلم، والاعتداء على حقوق العباد، وسفك الدماء، وغيرها من الجرائم الكبرى، يرتكبها الرجال في كثير من صورها، ومع ذلك ترد في بعض الروايات صورة تجعل النساء أكثر أهل النار. فكيف يمكن فهم ذلك في ضوء مبدأ العدل الإلهي؟

وهناك كذلك النصوص المتعلقة بالحور العين، وما يذهب إليه بعض المفسرين من أنها جاءت لتحفيز الرجال ورفع هممهم في السعي والعمل الصالح، بينما لا نجد في التصور الشائع ما يقابل ذلك بالنسبة إلى النساء إلا التهديد والوعيد. ثم إن المرأة التي قد تكره التعدد في الحياة الدنيا، كيف يُتصور أن يكون من نعيمها في الآخرة أن تجد زوجها مع زوجات أخريات؟ أليس من الممكن أن يكون هذا التصور، بدل أن يكون محفزًا، باعثًا على النفور؟

ويزداد الإشكال وضوحًا عند النظر إلى مسألة دعوة غير المسلمات إلى الإسلام. فهل من المناسب أن يقال لامرأة غير مسلمة: إنك إذا أسلمتِ ودخلتِ الجنة، وكان زوجك قد دخلها أيضًا، فقد تكون له زوجتان أو أكثر من الحور العين؟ وهل يُتوقع أن يكون هذا الخطاب حافزًا لها على اعتناق الإسلام؟

إن سؤالي ليس اعتراضًا على الدين، وإنما هو محاولة لفهم المسألة بصورة منسجمة مع العدل الإلهي ومقاصد التشريع. فما يلفت النظر في بعض التصورات التراثية أن الرجال تبدو لهم مزايا عديدة تُستخدم في ترغيبهم في الدين، في حين تُقابل النساء في بعض النصوص بالترهيب والوعيد، وبوصفهن بناقصات العقل والدين، ثم يُطلب منهن أن يتحملن المسؤولية الدينية والأخلاقية نفسها، بينما يبدو أن نصيب الرجال من النعيم الأخروي أكبر.

فهل يمكن أن يكون هذا التصور منسجمًا مع حقيقة التشريع الإسلامي ومقاصده؟ وهل يرى الإسلام، في جوهره، أن المرأة كائن بشري من مرتبة أدنى من الرجل؟ أم أن هذه الصورة نتجت عن طريقة معينة في فهم بعض النصوص والروايات وتفسيرها، وليست هي الصورة التي يقدمها القرآن عن مكانة المرأة وكرامتها وجزائها؟

الجواب:

هذا السؤال متشعب ويلامس مسائل جوهرية متعلقة بمكانة المرأة في الإسلام؛ ومنهجنا في هذه المسائل واضح إلى حد كبير:  وهو أنه لا يصح أن نبني تصورًا عن مكانة المرأة في الإسلام على روايات تُفهم على نحو يصادم الصورة القرآنية الكلية للإنسان والجزاء والعدل. وسنجيبك على هذه التساؤلات تباعا كما يلي.

أولًا: هل يقول القرآن إن النساء أكثر أهل النار؟

القرآن لا يقرر أن جنس النساء أكثر أهل النار، وإنما يجعل معيار الجزاء هو الإيمان والعمل. قال الله تعالى:

﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ النحل: 97.

﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ النساء: 124.

والآية التالية تؤكد ذلك بصورة شديدة الوضوح:

﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ… أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾
الأحزاب: 35.

أما  رواية «أكثر أهل النار» فرغم ما زعم من صحة سندها عند علماء الحديث، إلا أنه لا يمكن قبول نسبتها إلى النبي، لأن متنها متعارض مع القرآن، الذي هو المرجع الحاكم على الروايات. (حبل الله) كما أنها متعارضة مع كريم أخلاق النبي وأسلوبه الدعوي الرحيم.

ثانيًا: ماذا عن «ناقصات عقل ودين»؟

هذه العبارة ليست حكما إلهيا بأن المرأة أدنى عقلًا أو دينًا من الرجل. بل هي جزء من رواية نسبت إلى نبينا الكريم، الذي يستحيل أن يقول قولا يخالف الكتاب الذي نزل إليه وأُمر بالحكم به وتعليمه للناس، فالقرآن لا يقدم المرأة بوصفها إنسانًا ناقصًا في أصل تكليفها أو أهليتها الإنسانية. (حبل الله)

بل إن القرآن يجعل المرأة والرجل شريكين في المسؤولية الأخلاقية كما نص عليه قوله تعالى:

﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾
التوبة: 71. لاحظ التعبير القرآني: ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾.

فالمرأة هي صاحبة مسؤولية دينية وأخلاقية واجتماعية كاملة كالرجل تماما، ولو كانت أقل عقلا ودينا لما صح تكليفها كما يكلف الرجل، لتعارض ذلك مع العدل.

ثالثًا: ملاحظتك عن الظلم وإفساد الأرض مهمة جدًا

أنتِ قلتِ شيئًا يستحق الوقوف عنده:

إذا كانت الروايات تجعل النساء أكثر أهل النار بسبب اللعن وكفران العشير، فلماذا لا يكون الحديث عن الرجال الذين يظلمون ويفسدون ويسفكون الدماء ويأكلون أموال الناس؟

وهذا بالفعل يكشف مشكلة اختزال الأخلاق الإسلامية في بعض المسائل الجزئية.

فالقرآن عندما يتحدث عن الذنوب الكبرى لا يقول: هذا ذنب نسائي وهذا ذنب رجالي، وإنما يضع معيارًا أخلاقيًا عامًا:

﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ…﴾

وفي المقابل يقول:

﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ السُّوءِ يُجْزَ بِهِ﴾ النساء: 123.

فالقاتل والظالم والغاش والآكل لحقوق الناس لا ينجو لأنه رجل، كما أن المرأة لا تدخل النار لأنها امرأة.

بل القرآن يجعل معيار الكرامة: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ الحجرات: 13. ليس: أكرمكم رجالكم.

رابعًا: ماذا عن الحور العين؟

التصور الشائع يقول: أن للرجل المؤمن زوجات من الحور العين. ثم يقال للمرأة: لا تقلقي، سيكون لك نعيم آخر!. وهذا بالفعل قد يبدو وكأن الجنة صيغت وفق رغبات الرجل وحده.

والحق أن الحور العين ليست امتيازًا جنسيًا للرجال، وإنما من نعيم أهل الجنة عمومًا، ونستدل على ذلك بآيات الجنة التي تخاطب المؤمنين والمؤمنات، والحور في سياق القرآن مرتبطة بالخدمة والنعيم، لا بالتصور الجنسي الذي شاع في بعض التفاسير والروايات، بل هي كالولدان المخلدين، من نعيم أهل الجنة جميعًا، رجالًا ونساءً. (حبل الله)

إذن ليس لدينا رجل يدخل الجنة فيحصل على امتيازات، وامرأة تدخل الجنة فتكتفي بأن تشاهد زوجها يحصل عليها.

خامسًا: ماذا عن المرأة التي تكره التعدد في الدنيا؟

هذه ملاحظتك دقيقة جدًا. لو افترضنا الصورة التراثية الشائعة: امرأة تحب زوجها، ولا تريد أن يشاركها فيه أحد، ثم يقال لها: في الجنة سيكون لزوجك حور عين، وعليك أن تقبلي بذلك. فهذا يخلق بالفعل سؤالًا فلسفيًا وعقديًا: كيف يكون هذا نعيمًا لمن لا تريده؟

والجواب وفق التصور القرآني هو أن الجنة لا يمكن أن تكون مكانًا يُجبر فيه الإنسان على شيء يكرهه. فقد قال تعالى: ﴿لَهُم مَّا يَشَاءُونَ فِيهَا﴾ ق: 35. وقال: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾ فصلت: 31.

ومن هنا فالسؤال الصحيح ليس: «ماذا سيعطي الرجل؟ وماذا ستعطي المرأة؟» بل: «كيف سيكون نعيم الإنسان في الجنة بحيث لا يشعر بالحرمان أو الظلم؟» والقرآن يجيب:

﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ النساء: 49.

﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾. (حبل الله)

سادسًا: ملاحظتك حول دعوة غير المسلمات وجيهة جدًا

لو ذهب داعية إلى امرأة غير مسلمة وقال لها: «إذا أسلمتِ ودخلتِ الجنة، فزوجك الرجل سيكون له حور عين!» فمن الطبيعي جدًا أن يكون السؤال: وأين أنا من هذا؟

بل قد يبدو الأمر منفّرًا بدل أن يكون دعوة إلى الدين. وهنا تكمن أهمية العودة إلى الخطاب القرآني نفسه. فالقرآن عندما يعرض الجنة لا يقول للنساء: اتبعن الدين كي يستمتع الرجال. بل يخاطب الرجال والنساء معًا:

﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ… وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ التوبة: 72.

والرضوان الإلهي نفسه هو الغاية، وليس الامتياز الجنسي.

سابعًا: هل الإسلام يجعل المرأة «إنسانًا من الدرجة الثانية»؟

القرآن يهدم هذا التصور من أساسه. فالإنسان مكرم: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ الإسراء: 70. ولم يقل: كرمنا الرجال.

والرجل والمرأة يشتركان في أصل الخلق: ﴿خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ النساء: 1. ويشتركان في المسؤولية: ﴿بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ﴾ آل عمران: 195.

ويشتركان في الأجر: ﴿لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ﴾ آل عمران: 195.

ويشتركان في معيار الكرامة: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾.

والقرآن حتى عندما ضرب أمثلة عليا للإيمان لم يجعلها كلها من الرجال؛ ففي سورة التحريم جعل امرأة فرعون ومريم مثالين للمؤمنين: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ… وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ﴾ التحريم: 11-12. . (حبل الله)

الخلاصة

المشكلة ليست في أن الإسلام أعطى الرجال «مزايا» والنساء «عقوبات»، وإنما في الصورة التي تنتج عندما تُقرأ بعض الروايات والتفسيرات بمعزل عن القرآن.

وعند اعتماد القرآن معيارًا حاكمًا، تظهر صورة مختلفة تمامًا: الرجل ليس مفضلًا لأنه رجل، والمرأة ليست مذنبة لأنها امرأة.

الرجل والمرأة كلاهما إنسان مكرم، وكلاهما مكلَّف، وكلاهما يحاسب على عمله، وكلاهما يستطيع بلوغ أعلى درجات التقوى، وكلاهما له وعد الله بالجنة دون ظلم.

أما روايتا «أكثر أهل النار من النساء» ؛ و«ناقصات عقل ودين» فلا يمكن قبولها لأنهما على خلاف منطق القرآن؛ وأما الحور العين فهي من نعيم أهل الجنة عمومًا وليست امتيازًا ذكوريًا جنسيًا. (حبل الله)

ولذلك فإن صياغة السؤال الأدق ليست: «هل الإسلام يعتبر المرأة من الدرجة الثانية؟» بل: كيف حدث أن أصبحت بعض التصورات التراثية عن المرأة والجنة والنار تبدو كأنها تجعل الذكورة معيار التفوق، مع أن القرآن يجعل التقوى والعمل الصالح معيار التفاضل؟

وهذا يدعونا بقوة إلى العمل على العودة إلى مركزية القرآن واعتباره الحكم في كل مسائل العقيدة والفقه على حد سواء.

أضف تعليقا

تصنيفات

Your Header Sidebar area is currently empty. Hurry up and add some widgets.