السؤال:
سؤالي بخصوص التيمم. هناك من يقول إنه ليس بالتراب معتمدا على قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الْأَرْضِ ۖ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلَّا أَن تُغْمِضُوا فِيهِ ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} [سورة البقرة: 267]
فكلمه تيمموا الخبيث هنا تأتي بمعنى اختيار ولو تتبعنا كلمة تيمم في القرآن نجد أنها تأتي بمعنى اختيار شيء مثلا.
ويقولون إن (صعيدا طيبا) تعني ما هو دون الماء يصلح للتطهر والنظافة مثل سائل معطر أو معقم ومنها جاءت كلمة (صعيدا طيبا ) فكيف للتراب أن يكون طيبا؟ وأن اللبس في الفهم جاء من أن المفسرين اعتمدوا على كلمه (صعيدا ) بأنها خاصة بالأرض واعتمدوا فكرة التيمم بالتراب .
فهل من توضيح وشكرا مقدما.
الجواب:
إن هذه الشبهة تنشأ في حقيقتها من عدم التمييز بين دلالة الفعل ودلالة المفعول به في آية التيمم. فالاستدلال بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾ [البقرة: 267] لإثبات أن التيمم الشرعي لا علاقة له بالتراب وإنما هو مجرد اختيار أي مادة تصلح للتنظيف، استدلال لا يستقيم من جهة اللغة ولا من جهة السياق القرآني.
ولا خلاف بين أهل اللغة في أن الفعل «تيمم» يدل في أصله على القصد والتوجه إلى الشيء. ولذلك قال تعالى في آية الإنفاق: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾، أي لا تقصدوا الرديء من أموالكم لتجعلوه محل إنفاقكم. فهذا هو المعنى اللغوي للفعل، غير أن معرفة معنى الفعل وحدها لا تكفي لتحديد حقيقة التيمم الشرعي، لأن الأحكام لا تستفاد من الأفعال مجردة عن متعلقاتها، وإنما من مجموع التركيب الذي ورد به النص.
وعند الانتقال إلى آيتي التيمم في سورتي (النساء 43) و (المائدة 6) نجد أن القرآن الكريم لم يقتصر على قوله: ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾، بل قال: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾. فالفعل هنا معناه: اقصدوا، أما الذي وقع عليه هذا القصد فهو الصعيد الطيب، ومن ثم فإن محل البحث الحقيقي ليس في معنى «تيمموا»، وإنما في المراد من «الصعيد الطيب» الذي جعله الله بديلًا عن الماء عند تعذر استعماله.
والتأمل في الاستعمال القرآني لكلمة الصعيد يدل على أنها مرتبطة بوجه الأرض وما علاها. قال تعالى: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ [الكهف: 40]، أي أرضًا ملساء لا نبات عليها، وقال سبحانه: ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾ [الكهف: 8]، أي أرضًا يابسة مجردة من النبات. فالقرآن استعمل لفظ الصعيد للدلالة على ظاهر الأرض، ولم يستعمله في موضع من المواضع للدلالة على السوائل أو المنظفات أو المواد المعقمة، مما يجعل حمله على هذه المعاني بعيدًا عن الاستعمال القرآني.
وأما وصف الصعيد بأنه طيب فلا يقتضي أن يكون ذا رائحة طيبة أو أن يكون مادة مطهرة بالمعنى الكيميائي المعاصر، وإنما المراد به أنه طاهر غير نجس. فالقرآن يستعمل لفظ «الطيب» في مقابل «الخبيث»، ويراد به الحلال والطاهر والسليم من الخبث، كما في قوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾، وليس المقصود أن كل طعام طيب لا بد أن يكون ذا رائحة زكية، وإنما أنه حلال طاهر. وعلى هذا المعنى يكون الصعيد الطيب هو الصعيد الطاهر الذي لم تصبه نجاسة.
ويؤكد هذا الفهم أن الله تعالى عقب الأمر بقوله: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾. والضمير في قوله ﴿منه﴾ راجع إلى الصعيد، وهو يدل على أن المسح يكون بشيء مأخوذ من هذا الصعيد أو متعلق به، كالغبار أو التراب الذي يعلق باليد، وهو ما ينسجم مع طبيعة الصعيد بوصفه من جنس الأرض. أما السوائل المعقمة أو العطور فلا يصدق عليها وصف الصعيد لغة ولا عرفًا ولا في الاستعمال القرآني.
ومن هنا يظهر أن جعل «الصعيد الطيب» عنوانًا لكل مادة تصلح للنظافة توسع في مدلول اللفظ لا يساعد عليه النص القرآني. فلو كان المقصود مجرد استعمال أي وسيلة تحقق التنظيف لكان مقتضى البيان القرآني أن يرد التعبير بصيغة عامة تشمل جميع الوسائل، أما وقد نص القرآن على «الصعيد» بعينه، فإن العدول عن مدلوله إلى مواد أخرى يحتاج إلى دليل، ولا يوجد في القرآن ما يدل على هذا القول.
وبناءً على ذلك، فإن التيمم ليس مجرد استعمال أي مادة منظفة عند فقد الماء، وإنما هو عبادة ذات كيفية مخصوصة، جعل الله تعالى الصعيد الطيب فيها بديلا عن الماء عند فقده، أي ما كان من جنس ظاهر الأرض وكان طاهرًا. أما كون الفعل «تيمم» يدل في اللغة على القصد والاختيار فلا نزاع فيه، إلا أن هذا المعنى لا يغير من حقيقة المادة التي عينها القرآن للتيمم، لأن الفعل شيء، ومتعلقه الذي حدده النص شيء آخر، ولا يصح الخلط بينهما عند استنباط الأحكام الشرعية.
وخلاصة القول أن الاستدلال بآية: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾ على جواز التيمم بالسوائل المعطرة أو المعقمات ليس استدلالًا صحيحًا؛ إذ الآية تبين معنى الفعل من حيث القصد، ولا تبين مادة التيمم الشرعي، أما المادة فقد بينها الله في موضعها بقوله: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾، فكان الواجب حمل كل آية على موضوعها، وجمع النصوص بعضها إلى بعض، وهو المنهج الذي يحقق سلامة الفهم ودقة الاستنباط.


أضف تعليقا