حبل الله
الفراسة

الفراسة

22.     الفراسة

المُريد: مرَّ علينا قبلَ قليلٍ حديثٌ قدسيٌّ؛ لم تجاوزتَه؟ يقولُ تعالى فيه: “إذا أحببتُ عبدي العابدَ الزَّاهدَ كنتَ بصرَه الذي يُبصِرُ به، وسمعَه الذي يُسمَعُ به، ولسانَه الذي ينطقُ به، ويدَه التي يبطش بها، ورجلَه التي يمشي بها، فبي يُبصرُ، وبيَ يسمعُ، وبي ينطقُ، وبي يبطشُ، وبي يمشي”.

ثمَّ يصلُ به الحالُ إلى أن يتفطَّنَ إلى ما لا يتفطَّنُ إليه غيره، وأن يعلم إلى حدٍّ قريبٍ من الصَّواب ما يمرُّ بعقل وخاطر الإنسان، فما هذا إذن؟

بايندر : هذهِ فراسةٌ، والفِراسةُ الإصابةُ في الرَّأي والتَّخمين والتَّصوُّرُ بالنَّظر في تفاصيل الأشياء.

وجاءَ في الحديث قولُه صلى الله عليه وسلم: “اتَّقوا فراسةَ المُؤمن فإنَّه ينظرُ بنور الله”[1].

وإذا ضمَمَنا هذا الحديثَ إلى هذه الآيات استطعنا أن نفهَمَ موضوعَنا هذا جيِّداً: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ » (الأنفال، 8/29).

والحديثُ القُدسيُّ الذي ذكرتموه جاءَ فيه أنَّ اللهَ تعالى قال: “… وما تقرَّبَ إليَّ عبدي بشيءٍ أحبّ إليَّ ممَّا افترضتُه عليه، وما يزالُ عبدي يتقرَّبُ إليَّ بالنَّوافل حتَّى أُحبَّه، فإذا أحببتُه، كنتُ سمعَه الذي يسمعُ به، وبصرَه الذي يبصرُ به، ويدَه التي يبطشُ بها، ورجلَه التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينَّه، ولئن استعاذَ بي لأعيذنَّه”.[2]

وهذا الحديثُ القُدسيُّ يشرحُ تلك الآياتِ السَّابقة، وكلُّ مُؤمنٍ يستطيعُ أن يصلَ إلى هذا المقام لا بدَّ وأن تظهرَ عليه فراسةُ المؤمن، ولكن لا أحد يتقرَّبُ إلى الله أشدَّ من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

والقُرآن يُبيِّنُ بوضوح عدمَ معرفة الرّسلِ الغيبَ، وكذا ما يُسمَّى بالعلم اللَّدنيِّ أو علم الباطن، فقد رأينا أنَّه لا وجودَ لهما.

والذي يتَّقِ اللهَ تعالى فيعملُ بأوامره، ويجتنبُ نواهيه يدركُ حسنَ ما أمَرَ الله به، وقبَحَ ما نهى عنه، وهو على علمٍ بما يفعلُه، فيعتزُّ بإيمانه. ويعرف الحلالَ والحرام فيأخذُ طريقَه على بصيرةٍ لذا يُستبَعدُ أن يقعَ في الخطأ، هذه هي الفِراسة، وهي نورٌ يُنيرُ الطَّريقَ أمام المؤمن التَّقي.  فهو يصرفُ سمعَه وبصرَه عن محارم الله، فيتمسَّكُ بما يُريدُ اللهُ ويمشي حيثُ يُريدُ الله، ولا يكون معنى حديث: “اتَّقوا فراسة المؤمن فإنَّه ينظرُ بنور الله” إلَّا هذا الذي ذكرته.

ولا نصيبَ منها لعُصاة المسلمين، ذلك بأنَّهم يتلذَّذون بالمعصية، ولا يقعُ في أنفسهم من ضيقٍ أو حرجٍ لعصيانهم الله تعالى.

وعلينا ألَّا نُبالغَ في موضوع الفراسة ونتجاوزَ حدَّها، وكون المرء فاضلاً لا يقتضي أن يكونَ على صوابٍ دائماً، فهذا أبو بكر رضي الله عنه – وهو أفضلُ الصَّحابة رضي الله عنهم – كانَ قد رجَّحَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم رأيَه في أمرٍ ثمَّ تبيَّنَ له خطؤه فيما بعد.

يقولُ ابنُ عبَّاس رضيَ اللهُ عنهما فيما يرويه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “فلمَّا أسرُوا الأسارى قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكرٍ وعمر: ما ترون في هؤلاء الأسارى؟ قال أبو بكر: يا نبيَّ الله هم بنو العمِّ والعشيرة، أرى أن تأخُذَ منهم فديةً فتكونَ لنا قوَّةً على الكُفَّار، فعسى اللهُ أن يهديَهم للإسلام، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ما ترى يا ابنَ الخطَّاب؟ قلتُ: لا والله يا رسول الله، ما أرى الذي رأى أبو بكر، ولكنِّي أرى أن تُمكِّنَّا فنضربَ أعناقَهم، فتُمكِّنَ عليَّاً من عقيل فيضربَ عنقَه وتُمكِّني من فلان (الأخ الشَّقيق لعمر)، فإنَّ هؤلاء أئمَّة الكُفُر وصناديدها. فهوى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر، ولم يهوَ ما قلتُ. فلمَّا كان من الغد جئتُ فإذا رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم وأبو بكر قاعدين يبكيان. قلتُ: يا رسولَ الله! أخبرني مِنْ أيِّ شيءٍ تبكي أنتَ وصاحبك؟ فإنْ وجدتَّ بكاء بكَيت، وإن لم أجد تباكيتُ لبكائكما. فقالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: أبكي للذي عرض عليَّ صاحبُك من أخذهِمُ الفِداء. لقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشَّجرة. وأنزلَ اللهُ عز وجل: « مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ. لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ. فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ » (الأنفال، 8/67-69)، فأحلَّ اللهُ الغنيمةَ لهم”.[3]

فهذا يعني أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم وأبا بكر رضي الله عنه لم يُريا حقيقةً ما كان خفيَّاً وراء الحادث لأنَّهما – مهما بلغا من العظمة– بشران، لا تمنعُهما فضيلتُهما من الوقوع في الخطأ، ومهما كان الإنسانُ صاحبَ علمٍ وفضيلةٍ فهو معرَّضٌ للخطأ، ويمكن انتقادُه.

وأنتم تُبالغون في هذه الأمور رغم أنَّها أمورٌ واضحةٌ، وتدَّعون معرفةَ حقائق الأمور وبواطنَها مثل الخضر،  وتعتبرون الاعتراضَ عليكم كاعتراض موسى عليه الصَّلاة والسَّلام على الخضر، وتقولون إنَّ موسى ما أدرَكَ بواطنَ الأمور، لذا اعترضَ على الخضر، هل أصبحتُم الخضر وتجعلون مَنْ يعترضُ موسى، ويلَكم لا تفتروا على الله الكذبَ، عُودوا إلى رشدكم، يرحمكم الله.



[1]التِّرمذي، تفسير سورة الحجر 6

[2]البخاري، الرقاق83

[3]مسلم، الجهاد، باب (18) الإمداد بالملائكة في غزوة بدر وإباحة الغنائم، رقم 58

أضف تعليقا

تصنيفات

Your Header Sidebar area is currently empty. Hurry up and add some widgets.