(من سلسلة البحوث"في ضوء القرآن الكريم" مفاهيم ينبغي أن تصحح)
إن كل من لم يقبل الإسلام أو خالف الفطرة ممن لم يبلغه الدعوة، فقد أله نفسه أو غيره أي أصبح عبد نفسه أو غيره. وهو يبحث عن المعاونين من أمثاله ليقوي بهم عضده إذ إن الخطأ المشترك بينهم يجمعهم ويوحدهم، وهي الخصائ الموجودة في الوثنية كما أخبرنا القرآن الكريم عن ذلك قال الله تعالى: «إنما اتخذتم من دون الله أوثانا موجة بينكم في الحياة الدنيا» (العنكبوت، 29/25).
وحين يخطئ الإنسان يحس بأنه مخطئ ، قال الله تعالى: «ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين» (النحل، 16/36). وقال «إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا وإن من أمة إلا خلا فيها نذير» (فاطر، 35/24).
ومن المحتمل أن الأديان الموجودة اليوم يعتمد إلى دعوة رسول من رسل الله، لأنه ما من أمة إلا قد أرسل الله فيها الرسول. كما أن أهل مكة الذين قال عنهم القرآن الكريم بأنهم مشركون، يدعون بتمسكهم بدين إبراهيم عليه الصلاة والسلام[1]. وكانوا يقومون بعمارة المسجد الحرام وسقاية الحاج.
وقد غرق أهل مكة في الشرك مع أن إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام كانا في أسلافهم. ومعظم النصارى جعلوا عيسى وروح القدس أي جبرائيل عليهما السلام شريكا لله، فأصبحوا مشركين.
وقد بيّن الله تعالى كيفية التحريف والفساد في الأديان في خطابه لأهل الكتاب قائلا: «يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى بن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد له ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا» (النساء، 4/171).
وقد غلى اليهود في دينهم أولا ثم تبعتهم النصارى في الغلو. قال الله تعالى: «قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون» (المائدة، 5/77-78).
وبلغ غلو اليهود والنصارى في دينهم حتى اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله. قال الله تعالى: «إتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون» (التوبة، 9/31).
عن عدي بن حاتم قال أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي عُنُقِي صَلِيبٌ مِنْ ذَهَبٍ فَقَالَ يَا عَدِيُّ اطْرَحْ عَنْكَ هَذَا الْوَثَنَ وَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ فِي سُورَةِ بَرَاءَةٌ «اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ » قَالَ أَمَا إِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهُمْ وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا أَحَلُّوا لَهُمْ شَيْئًا اسْتَحَلُّوهُ وَإِذَا حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ شَيْئًا حَرَّمُوهُ.[2] وبهذا اتخذوهم أربابا من دون الله.
وهذا المقف يوجد عند كثير من المسلمين. وعلى سبيل المثال يرجى قراءة موضوعي "الولاية في النكاح" و "الطلاق". من هذا الكتاب.
وخلاصة القول أن التدين الصحيح يتطلب استعمال العقل واتباع كتاب الله. أما الذين غلوا في الدين يزعمون أن الدين لا يفهم بالعقل، ويرجحون اتباع العظماء بدلا من اتباع كتاب الله. مثلا يقول الكاثوليكيون الذين يعرفون أن عقيدة التثليث لا يقبلها العقل؛ «أنه ليس سبب الإيمان فهم الحقائق ولا رؤيتها على وجهها الحقيقي[3]. الإيمان هو عمل الكنيسة. إيمان الكنيسة مقمة على إيماننا، وهي تحمل إيماننا وتنميها. وأن الكنسة بمثابة أم لكل إنسان، من لم يكون الكنيسة أمه لم يكن الإله أبوه[4].
قال الله تعالى مخاطبا اليهود والنصارى الذي حادوا عن الصراط المستقيم: «قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا فلا تأس على القوم الكافرين» (المائدة، 5/68).
وقد وجه الله تعالى هذا الانذار على المسلمين كذلك فقال: «ومن يعش عن ذكر الرحمان نقيض له شيطانا فهو له قرين وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون» (الزخرف، 43/36-37).
إن رسالة القرآن عالمية لأنها تعبر عن الفطرة؛ ودعوة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم الذي بينه وبلغه دعوة عالمية. ورسالة القرآن سهل الفهم والاستيعاب، لأنها نتائج الآيات الفطرية التي يشاهدها الإنسان في الآفاق وفي الأنفس. أما التفسير للقرآن الكريم يعتبر محلي أي أنه ليس عالميا، آراء المذاهب، أفكار العلماء كلها تحمل في طياتها عناصر محلية. لذا يجب تبليغ القرآن الكريم الذي هو أساس الرسالة الإسلام وهو الذي ينظم حياة البشرية تنظيما صحيحا. قال الله تعالى: «إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا وأن الذين لا يؤمنون بالآخرة أعتدنا لهم عذابا أليما» (الإسراء، 17/9-10).
--------------------------------------------------------------------------------
[1] سيرة النبي لابن هشام بتحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، 1/216، بيروت، 1401هـ/1981م.
[2] رواه الترمذي في سننه، كتاب تفسير القرآن، 10 باب ومن سورة التوبة، الحديث العاشر في الباب.
[3] التعليم المسيحي للكنيسة الماثوليكية، الفصل. 156.
[4] التعليم المسيحي للكنيسة الماثوليكية، الفصل. 181.

![{ipb.vars['home_name']}](style_images/zajil/main.gif)
تأليه العظماء
