(من سلسلة البحوث"في ضوء القرآن الكريم" مفاهيم ينبغي أن تصحح)
الدين: مصدر أو الاسم من الدَّين. قال الجوهري: والدينُ بالكسر: العادةُ والشأن. ودانَهُ ديناً، أي أذلًّه واستعبده. يقال: دِنْتُهُ فدانَ. وفي الحديث: «الكَيِّسُ من دانَ نفسَه وعَمِل لما بعد الموت». والدينُ: الجزاءُ والمكافأةُ. يقال: دانَهُ ديناً، أي جازاه. يقال: كما تَدينُ تُدانُ، أي كما تُجازي تُجازى، أي تُجازى بفعلك وبحسب ما عملت. وقوله تعالى: « أَءِنَّا لَمَدينونَ » أي مجازون محاسَبون[1]. وقال راغب الاصفهاني: والدين يقال للطاعة والجزاء، واستعير للشريعة، والدين كالملة، لكنه يقال اعتبارا بالطاعة والانقياد للشريعة. قال: «إن الدين عند الله الإسلام» (آل عمران/19).[2] وابن المنظر أضاف إلى ما سبق الحساب والإسلام. وقال الدَّين بالفتحة مصدر أما الدين بالكسرة اسم[3]. وذكر الزبيدي: لكلمة «الدين» عشرين معنى، استمدها من الآيات القرأنية والأحاديث النبوية ومن الشعر العربي معنيين لها في الاصطلاح.[4] والمترجم عاصم أفندي؛ ذكر لكلمة «دين» أكثر من ثلاثين معنى. ومن تلك المعاني ما تتعلق بمعنى الدين اصطلاحا هي الجزاء والمكافأة والإسلام والعرف والعادات والتقاليد والذل والانقياد والحساب والحكم والقهر والسلطة والملك والأوامر والعبادة الصحيحة والملة والشريعة والطاعة. وهذه المعاني لها علاقة بكلمة «الدين» في الاصطلاح.[5]
الطاعة والمكافأة هما المعنى الظاهر لكلمة «دين» فينتظر المكافأة بالطاعة لقوى مختلفة. أما القوة المطاعة في الدين هي القوة العليا أي أنها الإله الواحد القهار. عند إله كل الدين قوانين ووعود بالمكافأة للطائعين لتلك القوانين.
وأول الدين، هو الدين الذي علمه الله تعالى لآدم وعلم آدم لأولاده. وهذه التعاليم قد استمر من النبي الأول إلى خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم. قال الله تعالى: « فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ» (الروم، 30/30). وقد انقسم الدين في هذه الآية إلى الدين الصحيح والدين غير الصحيح. وقد بينت الآية أن الدين الصحيح هو ما كان مطابقا بالفطرة.
وفي آية أخرى يقول الله تعالى: « إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللّهِ فَإِنَّ اللّهِ سَرِيعُ الْحِسَابِ » (آل عمران، 3/19). « وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ » (آل عمران، 3/85).
ومنذ أن ولد الإنسان وفتح عينيه على العالم، فهو يرى آيات الله. الآيات هي الاشارة الواضحة، والدلالة القاطعة، والعلامة المبينة. ويقال على جزء معين من القرآن الكريم آية.
ووليست آيات الله تعالى محدودة في القرآن الكريم، بل آياته كثيرة منشورة في الكون كله؛ في السموات وفي الأرض، وفي الحوانات، والنباتات، وفي دنيا الإنسان النفسي والأفاقي، ففي الموجودات كلها نرى آيات الله تعالى. ومن يريد التوسع فيها يمكن النظر إلى الآيات التالية: البقرة،[6] وهي تسمى آيات فطرية. كما قال الله تعالى في كتابه الكريم: «سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ» (فصلت، 41/53).
والآيات الموجودة في الآفاق والأنفس تدل على وجود خالق. لذا أن الإنسان منذ طفولته يشغله الافكار المتعلقة بالله تعالى. فهو يوجه الأسئلة إلى من حوله، ثم يصل إلى معرفة ربه ورب العالم كما رأى بعينيه ولمس بيديه. وشرحنا هذا الموضوع تحت عنوان «كل إنسان يعرف الله تعالى».
ولأن الكل يعرف بأن الله تعالى موجود، فلا يوجد في القرآن الكريم آية تحاول لاثبات وجود الله تعالى. ولم يقف أي واحد من انبياء الله ورسله في هذا الموضوع. وكان المرتطز الأساسي عند كل الأنبياء والرسل هو الدعوة إلى أن «لا إله إلا الله» وهو بذلوا كل جهدهم في هذا الطريق؛ طريق التوحيد. يقول الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: «فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ. وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ. كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ. أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ. فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنتَ بِمَلُومٍ. وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ. وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ. مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ. إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ. فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوباً مِّثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ. فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِن يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ» (الذاريات، 50/50-60).
المتدين، هو من أطاع لأوامر الدين. لدى كل إنسان مفهوما خاصا ةيعتبر الكل نفسه متديانا على تلك المفاهيم الخاصة عنده. يقول الله تعالى: «يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ. وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءنَا وَاللّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء أَتَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ. قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ. فَرِيقاً هَدَى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلاَلَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ اللّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ» (الأعراف، 7/27-30).
ولأن كل الناس يقبل بوجود الله تعالى، سواء يعترف بهذا أم لا، فجميع الضالين يضعون الأولياء والشركاء بينهم وبين الله تعالى.
لو نظرنا إلى الناس بمنظر الفطرة، لأن الدين الصحيح هو ما انطبق بالفطرة، نرى أنهم ينقسمون إلى ثلاثة أقسام؛ قسم يتبع الفطرة، وقسم آخر لا يتبعها، وقسم ثالث متردد بين التبع والرفض.
----------------------------------------------------
[1] اسماعيل بن حماد الجوهري، الصحاح (تحقبق أحمد عبد الغفور العطار) بيروت، 1983. مادة: (دين).
[2] راغب الاصفهاني، المفردات. مادة: (دين)
[3] ابن المنظر، لسان العرب. بيروت. مادة: (دين).
[4] محمد المرتضى الزبيدي، تاج العروس. مصر، 1306/1889. متدة: (دين).
[5] ترجمة القاموس، مادة: (دين).
[6] من أراد الزيادة في هذا الموضوع يمكنه الرجوع إلى الآيات التالية: البقر،2/164؛ آل عمران، 3/190؛ الأنعام، 6/97، 99؛ الأعراف، 7/26، 58؛ يونس، 10/5، 6، 67، 92، 101؛ يوسف، 12/7.35؛ الرعد، 13/2،3،4؛ النحل، 16/ 13، 65، 66، 67، 68، 69، 79؛ الاسراء، 17/ 12؛ الكهف، 18/9؛ مريم، 19/10؛ طه، 20/128؛ العنكبوت، 29/24، 33، 34، 35؛ الروم، 30/13؛ لقمان، 31/31، 32؛ السجدة، 32/26؛ السبا، 34/15؛ الزمر، 39/42، 52؛ المؤمن، 40/13؛ الجاسية، 45/3، 4، 5، 6؛ الزاريات، 51/22، 23، 35، 36، 37؛ القمر، 54/12، 13، 14، 15.

![{ipb.vars['home_name']}](style_images/zajil/main.gif)
التدين في القرآن الكريم
