بسم الله الرحمان الرحيم
الحمد لله وأشهد ألا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم. أما بعد:
هذه المقالة التي يطالعها القارئ هنا هي جواب عن سؤال ورد علينا من يهودي تحيّر في كون الذبيح الذي أُمر بذبحه إبراهيمُ عليه الصلاة والسلام إسماعيل أم إسحاق حسب ما جاء في القرآن الكريم. وقال إنه سأل عنه الكثير من المشايخ المسلمين ليجيبوه من القرآن الكريم فلم يظفر منهم بشيء.
وسأحاول الآن أن أبين ما يدل عليه القرآن مِن كون الذبيح إسماعيل أو إسحاق، ثم أزيد عليه ما يجب على اليهود والنصارى قبولُه لكونه واردا في العهد القديم الذي بين أيدينا اليوم. ولعلي أزيد قرائن أخرى من غير القرآن والعهد القديم المعروف الآن إن بدا لي ذلك.
ولكني قبل هذا أنبه إلى أن الله تعالى إذا قص علينا في كتابه قصة نبي أو غيره فإنما يفعل هذا لنعتبر بها ونتخذ صاحبها قدوة لنا إن كان ممن يقتدى به أو نحذر من أفعاله وما شابهها إن كان من أهل الضلال والغواية. وما لم يخبرنا الله تعالى به فإننا لا يَجُوز لنا أن ندعي علمنا به أو نبحث عنه وهو غير مذكور ألبتة، إلا أن يكون عليه أمارات تدل عليه فنبحث عنها لنعتقدها قبل العمل بموجَبها.
وكون الذبيح في القرآن إسماعيل أو إسحاق لا يغير من اعتقادنا شيئا، لا كثيرا ولا قليلا. وليكن الذبيح من شاء الله تعالى له أن يكون؛ إسماعيل أو إسحاق. وما الفرق بينهما إذ كلاهما نبي كريم ابن نبي كريم صلى الله عليهم وسلم أجمعين. ولكننا نبحث في هذا الموضوع لنعلم من جهة ما أخبرنا الله تعالى به ونعتقده مما خص به إسماعيل وذريته من فضل ونعم، والله تعالى يؤتي فضله من يشاء. ومن جهة أخرى نحاول أن نثبت لأهل الكتاب بأن ما جاء في العهد القديم من أنه إسحاق ليس سوى زيادة أقحمها بعض الكُتّاب الذين حسدوا أبناء إسماعيل على نعمة الله تعالى عليه واتبعهم فيها من لم يدقق في الأمر أو مَن وافقهم على ما ادعوه من غير حق.
قص الله تعالى علينا خبر إبراهيم صلى الله عليه وسلم فقال:
{وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين رب هب لي من الصالحين فبشرناه بغلام حليم فلما بلغ مع السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين فلما أسلما وتله للجبين وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين إن هذا لهو البلاء المبين وفديناه بذبح عظيم وتركنا عليه في الآخرين سلام على إبراهيم كذلك نجزي المحسنين إنه من عبادا المؤمنين وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين وباركنا عليه وعلى إسحاق ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين} (الصافات 37/99-113).
قصة الأمر بالذبح وردت في هذه الآية التي ذكرت مجموعةً من الصفات عن الذبيح ننظر فيها لنقارنها بما ورد في آيات أخر حتى نقترب إلى أقصى ما يمكن من المعنى المراد لنستخرجه.
يُعلَم من هذه الآيات أن الذبيح غلام بلغ السعي مع أبيه. والسعي إذا أُطلق يُراد به المشي والإسراع فيه، وقد يبلغ سن العمل لكسب الرزق أو العمل للآخرة واكتساب الثواب. فيكون هذا الغلام استطاع أن يمشي، وإخبار أبيه إياه بما أمره الله تعالى به قد يرجح أنه بلغ سنَّ أن يذهب مع أبيه ليساعده في عمله، ويقوي هذا الترجيح أن الغلام صبر لأمر الله تعالى، بل إنه فهم أن الرؤيا حق وصدق من ربه سبحانه وبأنها أمر يجب إتيانه، فيحتمل احتمالا قويا أن يكون قد بلغ سن التكليف بالعبادة. ووُصف هذا الغلام بأنه حليم، والحِلم ضد الحمق والطيش والسفه. ونعلم أيضا بأن هذا الأمر بالذبح كان امتحانا من الله تعالى لإبراهيم الصابر المحتسِب أجرَه عند ربه سبحانه، وكذلك نعلم بأن الغلام الحليم لم يُذبَح، بل فدي بذبح عظيم بدله.
وبعد ختم قصة الذبيح وصبره مع أبيه احتسابا للأجر عند الله تعالى بعد يقينهم بأمر الله وبما أعده للمحسنين، أعقبها الله تعالى بذِكرِ بُشرى أخرى بميلاد إسحاق نبيا نعمةً من الله تعالى على إبراهيم وصبره مع زوجه سارة رحمها الله تعالى، فكان في هذا دليلا قويا جدا على أن الذبيح غير إسحاق. فإن لم يكن هذا الذبيح إسحاق لم يبق إلا أن يكون إسماعيل لأننا لا نعلم لإبراهيم عليه الصلاة والسلام بنين غيرهما في ذاك العهد، وأما أن يولد له آخرون فيما بعد فلا يغير من صحة هذا الفهم. وهو الذي حمد الله تعالى على أن رزقه إسماعيل وإسحاق على الكبَر.
وأسرُد القرائن التي تُجلي اسم الذبيح بأنه إسماعيل عليه الصلاة والسلام:
القرينة الأولى: وصف الله تعالى إبراهيمَ عليه الصلاة والسلام والابنَ الذي أمر بذبحه بأنهما حليمان فقال:
- {فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم} (التوبة 9/114)
- {إن إبراهيم لحليم أواه منيب} (هود 75/11)
- {فبشرناه بغلام حليم} (الصافات 37/101)
ولم يوصف إسماعيل ولا إسحاق بالحلم صراحة في موضع آخر وإن كانا حليمين. ولكن الله تعالى حين وصف الغلام الآخر المبشَّر به وَصَفَه بأنه عليم في موضعين فقال:
- {قالوا لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم} (الحجر 15/53)
- {فأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف وبشروه بغلام عليم} (الذاريات 51/28)
وهذا الغلام العليم هو نبي الله إسحاق عليه الصلاة والسلام كما تبينه الآيات الأخرى إذ ذكر فيها اسمه صريحا، وهي قوله تعالى:
{ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا سلاما قال سلام فما لبث أن جاء بعجل حنيذ فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب قالت يا ويلتى أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا لشيء عجيب قالوا أتعجبين من أمر الله رحمت الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط} (هود 11/69-71).
والقرينة الثانية: تبرز من خلال البحث في الآيات التي جاء فيها ذكر أوصاف إسماعيل وإسحاق لنعلم أيُّهما كانت صفاتُه أقربَ إلى أن يكون الغلامَ الذبيح.
أما عن إسحاق فوُصِف -زيادةً على العلم والنبوة والبركة- بالصلاح -وأعظمْ بها من صفة- وبالهداية وبكونه من أولي الأيدي والأبصار في أخبار أخرى عنه وردت في سياق واحد فقال:
- {ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة وكلا جعلنا صالحين} (الأنبياء 81/72). فهؤلاء أهل الصلاح حتى أنهم مصلحون أيضا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.
- {ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا} (الأنعام 6/84). فهؤلاء كلهم مهديون، على الحق المبين، ومن يهدي الله فما له من مضل.
- {واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار} (ص 38/45-47).
فوصفوا في هذه الآية بأنهم أهل قوة كالقوة على الطاعة والقوة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وووصفوا بأنهم أهل فهم وبصيرة، وبأن الله تعالى خصّهم بذكرى الآخرة، أي بأن يُذكروها على الدوام حتى يستغرق ذكرهم جميع حياتهم الدنيا، أو أنهم خُصّوا بأن يُذكَروا في الآخرة ويُثنيَ عليهم الناسُ إكراما من الله تعالى لهم، أو أنه سبحانه خصهم بالمدح في الدار الدنيا والثناء عليهم فأبقى لهم الذكر الحسن، أو ما إلى هذا مِن خالصة.
وكذلك وصفوا بأنهم اصطُفُوا على غيرهم، وبأنهم خير الناس. ولا ريب أنهم خير الناس في كل شيء.
وأما ما وصف به إسماعيل عليه الصلاة والسلام فقال عنه سبحانه:
- {وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين} (الأنعام 6/86).
- {واذكر إسماعيل واليسع وذا الكفل وكل من الأخيار} (ص 38/48).
- {واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا} (مريم 19/54).
- {وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من الصابرين} (الأنبياء 21/85).
وهنا تبرز صفاتٌ ذُكِرت في إسماعيل دون أخيه الأصغر إسحاق عليهما الصلاة والسلام؛ بأنه كان صادق الوعد وكان من الصابرين. وهاتان الصفتان أَجدرُ بالذبيح من سائر الصفات الأخرى، وكلُّها عند الله تعالى محمودة. فقول إسماعيل عليه الصلاة والسلام لأبيه: {ستجدني} وعد منه بأن يكون {إن شاء الله من الصابرين} على الذبح. فكان إذن صادقا في وعده لأبيه إذ لم يجزع من أمر الله تعالى وصبر، والصبر صفة موافقة لمن أسلم نفسه للذبح.
والقرينة الثالثة: أن الله تعالى حين بشر إبراهيم عليه الصلاة والسلام وامرأتَه سارة رحمها الله بولادة إسحاق زادهما أنه سيكون نبيا، فعُلِم من الآية بأنه لم يكن ليأمره بذبحه وقد أعلمه بأنه سيوحي إليه لاحقا ليكون نبيا.
أما إسماعيل فإنه يبدو أن إبراهيم لم يكن يعلم بنبوته قبل أن يؤمر بذبحه فلم يكن يعلم إن كان سيعيش له فيما بعد أم لا، بل الظاهر أن خليل الرحمان إبراهيم عليه الصلاة والسلام كان يظن بأن ابنه سيموت مذبوحا على يديه. وإلا فما معنى أن يمتحن الله تعالى عبده إبراهيم بذبحه ابنه وهو يعلم بأن الابن المأمور بذبحه لن يُذبَح، ولكن سيكون نبيا من الصالحين وسيولد له ولد اسمه يعقوب؟!
وقول الله تعالى: {فبشرناه بغلام حليم} يشعرنا بأنه لم يعلم بحياته أو بموته فيما بعد فترة الغلومة، ولم يقل برجل يشتد ساعده أو يكون قويا على العمل الشديد وعلى الجهاد أو شيئا من هذا يُفهَم منه صراحة كبَر السن، وإن كانت لفظة الغلام قد تعني الكهل أيضا، ولكن السياق سياق التبشير أقرب إلى فهمها بمعنى الطفولة. والله أعلم
والقرينة الرابعة: أن الله تعالى بشر إبراهيم بالغلام الحليم بعد أن دعا الله تعالى فقال: {رب هب لي من الصالحين}، في حين أنه بشر بالولد من سارة ولم يكن ينتظر ذلك بدليل قولها رحمها الله تعالى: {أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا لشيء عجيب قالوا أتعجبين من أمر الله رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت}.
والقرينة الخامسة: أن الوحي جاء ليبشر إبراهيم عليه الصلاة والسلام بولادة الغلام الحليم وليس ليبشر هاجر. أما التبشير بولادة إسحاق عليه الصلاة والسلام فكان لإبراهيم وسارة كليهما. وكان ميلاده معجزا لأن إبراهيم تقدم في السن فكان أكبر مما كان عليه حين ولادةِ إسماعيل، ولأن امرأته سارة كانت عجوزا وعقيما.
والقرينة السادسة: أن الله تعالى أعلمنا بأنه أمر إبراهيم عليه الصلاة والسلام أن يُسكِن هاجر وابنها واديَ مكة فقال إبراهيم عليه الصلاة والسلام: {ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون} (إبراهيم 14/37). والحج الذي أمر الله تعالى به إنما يؤدى في مكة، وفيها تذبح الهدايا والقرابين. والذبح امتداد لما سنه إبراهيم عليه الصلاة والسلام في مكة وتذكير للمؤمنين به، ولو كان الذبح الذي هَمَّ به نبيا الله إبراهيمُ وابنُه الغلام عليهما الصلاة والسلام والفداء قد وقعا لإسحاق عليه الصلاة والسلام لكانت سنة الذبح تؤدى بالشام حيث كان يسكن هو وأمه سارة رحمها الله تعالى.
والقرينة السابعة: أن إسماعيل أكبر من إسحاق وقد ولد لإبراهيم وذلك فيما قصه الله تعالى علينا من قول إبراهيم عليه الصلاة والسلام: {الحمد لله الذي وهب على الكبر إسماعيل وإسحاق} (إبراهيم 14/39) فالعادة في الناس أنهم يحبون المولود الأول إذا ولد لهم وهم كبار في السن أو بعد عقم طويل.[1] من أجل هذا أمر الله تعالى خليله بذبح ابنه ليختبر ما عنده من محبة إن كانت خالصة له أم خالطتها محبة أخرى اتجهت نحو الابن الذي طال انتظاره. لأن إبراهيم عليه الصلاة والسلام وصل إلى قدر من الإخلاص في محبته لله بحيث لم يكن يشغل قلبه شيء آخر حتى اتخذه الله تعالى خليلا فقال عنه: {واتخذ الله إبراهيم خليلا} (النساء 4/125)
فلما صَدَق إبراهيم ربَه سبحانه فعقد النية على أن يذبح ابنه الوحيد كان قد أقام الدليل الصادق على إخلاصه في محبة الله وحده، فلم يكن بعد ذلك داع ليذبح ابنه الثانيَ إسحاق. وذلك أنه إذا هم حقا أن يذبح إسماعيل الابن الوحيد وقد رُزِقه بعد عمر طويل كان أهون عليه أن يذبح الابن الثاني ليسلم له الأول. فلما عزم على الأصعب منهما كان غيرُه أسهلَ فلم تبق حكمة في أمره بذبح الابن الثاني.[2]
فإن قيل إنه قد يكون الذبيحُ إسحاقَ، ولكن بُشِّر إبراهيمُ صلى الله عليه وسلم مرة بولادته ومرة بنبوته. فالجواب أنه بشر من أجل إسحاق بثلاثة أمور في آن واحد، بأنه سيولد له إسحاق وبأنه سيكون نبيا فنصب نبيا على الحال، وبشر بيعقوب من بعده كما ستبينه الآيات. وإلى جانب هذا أن سياق الكلام يُشعر باختلاف المبشَّر بهما، فالمبشر به الأول ذكرت عنه صفات وأفعال وما أظهر من صبر وامتثال واحتساب عند الله تعالى. ثم زاد السياق قصة أخرى عن المبشر به الثاني تشبه الأولى من أوجه وتخالفها من أوجه أخرى، فكان في هذا دليل على اختلافهما. وما دام أنه لا مانع من فهم الكلام على سياقه الواضح هذا فلا داعي لأن يخطر بالذهن غير الظاهر من الكلام.
والقرينة الثامنة: أن إبراهيم لم يقدم بإسحاق عليهما الصلاة والسلام في طفولته إلى مكة فيما نعلم. ولم يكن فيها إلا إسماعيل عليه الصلاة والسلام وأمه هاجر رحمها الله تعالى ثم معهما قبيلة جرهم الثانية، في حين أن إسحاق عليه الصلاة والسلام كان مع أمه سارة رحمها الله تعالى في الشام. فلا يكون الذبيح إلا من كان في مكة إذا لم يقع الذبح في غيرها.
والقرينة التاسعة: أن الله تعالى إذا أراد أن يُطَيِّب قلب سارة ويَجبُره بعد انكساره –إذا كان حقا قد انكسر- برؤية نفسها عقيما لا تلد لزوجها وقد ولدتْ له جاريتُها، وبسبب غيرتِها منها –ولا غرابة في هذه الغيرة إذ هي طبيعية مقدرة في النساء- وإذا أبعد الله تعالى عنها ضرتها وابنها إسماعيل وأسكنهما مكة حقا، فالأقرب ألا يأمر الله تعالى بعد ذلك إبراهيم بذبح ابنها عند ضرتها ليكسر قلبها من بعد بما هو أشد من العقم ومن رؤية ضرتها ذات ولد وهي محرومة منه؟!
ولكن هذه القرينة قد تصح إذا ضمت إلى غيرها من القرائن غيرَ مستقلة بنفسها، وإلا فالمانع من أن يمتحنها الله تعالى بذبح ابنها عند ضرتها؟! والمؤمن يبتلى في دينه على قدر إيمانه. فما ادعاه ابن القيم من أن هذا خلاف ما تقتضيه الحكمة لا يُسَلَّم له.[3]
والقرينة العاشرة: ما جاء عند الحاكم في مستدركه وأبي نعيم الأصبهاني في معرفة الصحابة من رواية الصنابحي قال: حضرنا مجلس معاوية بن أبي سفيان فتذاكر القوم إسماعيل وإسحاق بن إبراهيم، فقال بعضهم: الذبيح إسماعيل، وقال بعضهم: بل إسحاق، فقال معاوية: سقطتم على الخبير، كنا عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأتاه الأعرابي فقال: يا رسول الله، خلفت البلاد يابسة، والماء يابسا، هلك المال وضاع العيال، وضاع المال، فعُد علي بما أفاء الله عليك يا ابن الذبيحين! فتبسم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم ينكر عليه، فقلنا: يا أمير المؤمنين، وما الذبيحان؟ قال: إن عبد المطلب لما أمر بحفر بئر زمزم نذر لله إن سهل الله له أمرها أن ينحر بعض ولده، فأخرجهم فأسهم بينهم، فخرج السهم لعبد الله، فأراد ذبحه، فمنعه أخواله بنو مخزوم، وقالوا: أَرضِ ربَّك، وافْدِ ابنك، قال: ففَدّاه بمائة ناقة، قال: فهو الذبيح، وإسماعيل الثاني.
وقال عنه العجلوني: والحديث حسن، بل صححه الحاكم والذهبي لتقويه بتعدد طرقه.[4]
فإذا كان هذا الحديث ثابتا حقا، حسنا أو صحيحا فهو قاطع لقول كل خطيب. ولكني أذكره هنا زيادة في القرائن واستئناسا به ولا أذكره جزما بثبوته.
والقرينة الحادية عشرة: -إذا صح أن تكون قرينة- ما ورد في العهد القديم من أنه كان أبرامُ في السادسة والثمانين من عمره عندما ولدت له هاجر إسماعيل.[5] وورد أيضا أنه كان إبراهيم قد بلغ المئة من عمره عندما ولد له إسحاق.[6]
فنفهم من هذه الفصول من العهد القديم أن عمر إبراهيم عليه الصلاة والسلام حين ولد له إسماعيل عليه الصلاة والسلام كان ستا وثمانين 86 سنة. وكان عمره حين ولد له إسحاق عليه الصلاة والسلام مئة 100 عام. ليكون فارق السن بين الابنين الأخوين أربعَ عشْرةَ 14 سنة، أي أن إسماعيل أكبر من إسحاق بحيث بقي مدة أربعةَ عشَرَ 14 عاما الابنَ الوحيد لإبراهيم. فيكون الابنُ الوحيدُ المأمور بذبحه هو إسماعيل عليه الصلاة والسلام.
وكيف يرد في العهد القديم الذي نعرفه عند اليهود والنصارى بأن الوحي جاء إبراهيم عليه الصلاة والسلام وقال له: "خذ ابنَك وحيدَك –إسحاق- الذي تحبه، وانطلِق به إلى المُرِيّا وقدِّمه محرقةً على أحد الجبال الذي أهديك إليه"؟! فكيف يكون وحيدا مع وجود أخيه الأكبر إسماعيل، وهو أكبر منه بأربع عشرة سنة حسب ما تقدم؟!
وإن كان اليهود أو النصارى يجادلون في هذا مؤولين كونَ الابن وحيدا من حيث المحبة رغم كونه الثاني من حيث الولادة بما جاء في العهد القديم: "قل لفرعون: هذا ما يقوله الرب، إسرائيل هو ابني البِكر".[7]
فالجواب من العبارة الأولى نفسها إذ هي عليهم لا لهم، وذلك أن فيها لفظتين: "وحيدك"، و"الذي تحبه" مما يدل على عدم إمكان صرف الأولى إلى المحبة لوجودها قرينةً مع لفظ ومعنى المحبة. فتكون لفظة: "إسحاق" مقحَمة دخيلة من قِبَل الكُتّاب الذين حسدوا إسماعيل عليه الصلاة والسلام وأبناءه على نعمة الله ظانّين بجهلهم أن العداوة والحسد يقعان بين الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
هذا والعلم عند الله تعالى وما التوفيق إلا بالله العلي العظيم والحمد لله رب العالمين.
--------------------------------------------------------------------------------
[1] سيأتي من العهد القديم ما يفيد أن إسماعيل أكبر من إسحاق بـ 14 سنة فيكون الابنُ البكر الذي بقي ابنا وحيدا كل هذه الفترة هو إسماعيل وليس إسحاق عليهما الصلاة والسلام.
[2] بتصرف من زاد المعاد لابن القيم، فصل نسبه صلى الله عليه وسلم. وهناك يقول: "وإسماعيل هو الذبيح على القول الصواب عند علماء الصحابة والتابعين ومن بعدهم. وأما القول بأنه إسحاق فباطل بأكثر من عشرين ووجها...".
[3] وابن القيم تصدى لبيان هذه المسألة في كتابه إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان.
[4] في كشف الخفاء في حرف الهمزة مع النون: (أنا ابن الذبيحين).
[5] سفر التكوين 16/16.
[6] سفر التكوين 21/5.
[7] سفر الخروج 4/22.
الذبيح إسماعيل أم إسحاق؟

![{ipb.vars['home_name']}](style_images/zajil/main.gif)
الذبيح إسماعيل أم إسحاق؟
