{ipb.vars['home_name']}


مرحبا بكم فى موقع حبل الله-www.hablullah.com
   أقسام المقالات أقسام المقالات
      المقالاف المقالاف
         هل  ما  يسمى بالكتاب المقدس محرف أم لا؟ هل ما يسمى بالكتاب المقدس محرف أم لا؟


Collapse

> هل ما يسمى بالكتاب المقدس محرف أم لا؟

بسم الله الرحمان الرحيم

الحمد لله وأشهد ألا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم. أما بعد؛

هل الكتاب المقدس محرف أم لا ؟

هذا رد على مقال نشر في الموقع المذكور في الأسفل عنوانه: "هل الكتاب المقدس محرف؟" كان موضوعُه الأصليُّ إثباتَ سلامةِ الكتاب المقدس أو العهدين القديم والجديد من التحريف اللفظي. واستشهد فيه الذي كتبه بنصوص منه ومن القرآن وإن كان عنده شيء من الخلط في الآيات وترقيمها. وهذا رابطُ المقال:

http://www.lifeagape.org/arabicqa/thebible/did%20the%20bible%20was%20falcified.htm

ولا نريد أن نَطرُق التفاصيل هنا هل كلُّ ما فيهما وحيٌ من الله تعالى أم أن جزءا منهما هو الكتاب الموحى به فقط، وأن الباقيَ من أجزائهما مُلحَقٌ بهما وليس منهما في الأصل. أو بعبارة أخرى هل التوراة والإنجيل أي الكتاب المقدس المعروف عند أهل الكتاب هو الكتاب المقدس كما يذكر لنا القرآن ووردت به السنة؟ إنما الذي نحاوله الآن هو أن ندافع عن المعاني الصحيحة للآيات التي استدل بها صاحب المقال المذكور عامّة وعن الآية الثامنة والأربعين من المائدة خاصة. وكان قد اتخذها دليلا له ليُثبتَ دَعواه مِن عدم تحريف كلام الله السابقِ نزولُه على القرآن.

وهذه هي الآيات التي استشهدَ بها آيةً آيةً:

1. (إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء) (المائدة 5/44)

فهذه الآية تدل على أن الله أنزل التوراة وأن فيها هدى ونورا وأن الأنبياء كانوا يحكمون بها، وكان يحكم بها أيضا الربانيون والأحبار الذي استحفظهم الله عليها، أي أمرهم بحفظها. فالله تعالى لم يذكر هنا أنه تَوَلَّى حفظها بنفسه، وإنما أمر علماء الشريعة بتطبيقها والعمل بما فيها من الحق والنور. وأَمَرَهم بحفظها أي بصيانتها والعمل على عدم تمكين أحد من تبديلها. فلا معنَى يظهر مِن أنّ الله حَفِظَ وحيَه أو أنه لم يحفظه، ولا يبدو شيء من هذا في هذه الآية. ومحاولة الاستدلال بها على سلامة التوراة من التحريف زيادةً أو نقصانا أو بتغيير كلمة مكانَ أخرى عَبثٌ فيما يبدو والله أعلم.

2. (وقفينا على آثارهم بعيسى بن مريم مصدقا لما بين يديه من التوراة وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ومصدقا لما بين يديه من التوراة وهدى وموعظة للمتقين) (المائدة 5/46)

وما قيل عن التوراة في الآية آنفا يقال بعضه عن الإنجيل. والفارق أن الله لم يذكر هنا استحفاظَه الربانيين والأحبارَ إياه، أو أمرَه الحواريين أو علماء الدين النصارى بأن يحافظوا عليه. بل إن الله تعالى لم يذكر هنا لا حفظا ولا تغييرا.

3. (وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا) (المائدة 5/48)

أما هذه الآية فنتركها إلى آخر الحديث لخصوصية فيها نذكرها هناك.

4. (وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون) (المائدة 5/47)

إن مِن ضِمن الحكم بالإنجيل الإيمانَ بالتوراة والعملَ بما فيها. وهذا لا خلاف فيه بين النصارى، فجميعهم -فيما نعلم- يؤمن بالتوراة كما يؤمن بالإنجيل. ولكن كان على صاحب المقال أن يذكر بعض الآيات الأخرى التي تشرح الآيات التي حاول الاستدلال بها على عدم تحريف كتابه حتى لا يفهم القارئ غير المسلم أن القرآن ينقُض بعضُه بعضا أو أنَّ على المسلمين الإيمانَ بالكتاب المقدس الذي بيَدِ أهل الكتاب اليوم.

ولْننظُر في قول الله تعالى وهو يذكر الذين سيكتب لهم رحمتَه:

(ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون) (الأعراف 5/156-158).

فهو حين ذَكَرَ الآيةَ التي تأمر أهلَ الإنجيل بالعمل بما فيه لم يَذكر معها هذه الآياتِ التي تذكر أن في الإنجيل الأمرَ بالإيمان بالنبي الأمي الذي بُعث للناس جميعا. فأهل الإنجيل لو عملوا بكل ما فيه ولم يعطلوا إلا حكما واحدا هو الإيمان بالنبي الأمي الذي يجدون نعتَه مذكورا في الإنجيل لَمَا كانوا عاملين به، ولَكانُوا معدودين عند الله تعالى كافرين، ولا ينفعهم العمل بما بقي منه. فمن صفات هؤلاء الذين يكتب الله تعالى لهم رحمته أنهم يتبعون هذا النبي الأمي صلوات الله وسلامه عليه، وإلا فليسوا أهلا لينالوا رحمته سبحانه.

فإن الحكم بما أنزل الله فيه معناه الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه سبحانه يقول بعدها: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون) ويقول أيضا: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) (المائدة 5/44).

فكل من كان يحكم بالتوراة والإنجيل كان يجب عليه أن يؤمن برسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يجده مكتوبا عنده فيهما وإلا كان كافرا رادا لما أنزل الله تعالى.

هذا والإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم أمر حاسم يقطع كل اختلاف في التوراة أو الإنجيل لأنه سيكون الناقل للوحي الذي إليه المرجع الاِختلاف.

ويدل على هذا قوله تعالى: (ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين) (آل عمران 3/85)

ولعل الكتابي يقول إننا لا نجد مثلَ هذه الآيات في الإنجيل الذي بين أيدينا اليوم. فنقول له جوابا: لو لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم مذكورا في التوراة وفي الإنجيل ومنعوتا بصفاته -في حين أن القرآن يُقَرِّر ذلك، وهو يُتلى على مسامع اليهود والنصارى- لما شك أحد من أهل الكتاب أن هذا الذي يدَّعي النبوة أفّاك يَختلق على الله تعالى الكذبَ، ولسخروا منه بعد ذلك أو لتركوه وشأنَه لا أحدَ يتبعه أو يستمع إليه، ولسَهُل عليهم رد افترائه.

ولكنَّ الواقعَ كان خلافَ هذا، فقد آمن به الكثير من النصارى وبعضٌ من اليهود أيضا. ولم يقولوا للناس: ها هي التوراة وها هو الإنجيل فليَقرأْهما كلُّ من يعرف القراءة والكتابة ولن يجد فيهما شيئا من صفات هذا الرجل. إنهم لم يفعلوا ذلك -وهم حريصون على تكذيبه وإظهاره بمظهر المُفتري على الله- لأنهم لم يستطيعوا أن يُخفوا فجأةً ما كانوا يُبدونه قبل ذلك بقليل. بل إن اليهود كانوا يستفتحون على العرب المشركين آنذاك، أي يذكرون لهم أن نبيا سيظهر عما قريب، وأنهم سيؤمنون به ويحاربونهم معه ويخرجونهم من المدينة. ولما جاءهم ما لم يكونوا يتوقعونه أنكروه وكذبوه وحاولوا تنفير الناس عنه.

بل إن بعض اليهود وبعض النصارى لم يتركوا بلاد الشام العامرة بالخيرات آنذاك ويستقروا في المدينة أو أطرافها وهي لا تدانيها في الخصب وراحة العيش إلا لانتظارهم نبيا يُبعث في آخر الزمان من تلك النواحي.

ولم يَذكر صاحب المقال هذا قولَ الله تعالى الذي حكى عن اليهود انتظارَهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم: (ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين) (البقرة 2/89).

هذا، وإنّ مَن قرأ الإنجيل والتوراة من أهل الكتاب قراءةَ تدبرٍ وتمعُّنٍ محاولا أن يربط بين أجزائه المتناثرة ليفهمه على ضوء ذاك الكُلِّ المتكامل فإنه يتمكن من معرفة صفات نبي الإسلام. وإليك على سبيل المثال بعضَها الدالَّ عليه -ولعل عددها أكبرُ مما نظن-:

· سفر التثنية 33/1-2 وانظر معها

· سفر التكوين 21/18، 21

· سفر التثنية 18/17-20 وانظر معها لوقا 23/34

· إشعيا 29/12

· يوحنا 14/26

· يوحنا 16/12-13

5. (قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم) (المائدة 5/68)

وما قيل في الآية الآنفة يقال في هذه الآية ويزاد عليه أن الله تعالى ذكر هنا التوراة وذكر الإنجيل، وكلاهما وحي سماوي، ولكنه ذكر أيضا ما أنزل إلى أهل الكتاب من ربهم، وهم لم يُنزَل عليهم شيء غير التوراة والإنجيل سوى القرآن. وإيمان اليهود والنصارى بالقرآن واتباعُهم إياه جزءٌ مِن إقامة اليهودِ التوراةَ، وجزء من إقامة النصارى كُلاًّ من التوراةِ والإنجيل. والقرآن يُصَرح بأنه كتاب سماوي جاء لكل الناس في العالم، بل وحتى إلى الإنس والجن. ومن هذه الآيات الدالة على هذا:

· (قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون) (الأعراف 5/158).

· (وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا) (سبأ 34/28).

· (وأرسلناك للناس رسولا وكفى بالله شهيدا) (النساء 4/79).

6. (وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) (النحل 16/43)

أهلُ الذكر -مِثلَما فُهم من كلامه- هم أهل الكتاب، فإن عندهم صفاتِ النبي المنتظَر في ذلك الزمان كما كانوا يُحدِّثون به هم أنفسُهم ويترقَّبون مَبعَثه. ومَن كان في نفسه شُبهة، أو شيء من التردد، أو أراد أن يَطئمنّ قلبُه من المشركين أو من أهل الكتاب الذين لا علم لهم بالكتب الأولى إلا من طريق علمائها، كان يستطيع أن يسأل عنه الصادقين من أهل الكتاب الذين لا يخفون عنه خبره، بل يشهدون بالحق كما فعل عبد الله بن سلاّم رضي الله عنه حين شهد بما عنده من الحق. إلا أن هذا الاستفهامَ استفهامَ أهل الكتاب ليس بشرط لأن كل نبي يأتي معه بمعجزة تدل على كونه مبعوثا من عند الله حقا. فهذه الآية حجة على أهل الذكر أن معهم الحقَّ الذي يدل على صحة نبوة محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم. ومما يدل على هذا المعنى الآيةُ التي جعلها هو دليلا له وهي قول الله تعالى:

7. (فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين) (يونس 10/94).

إذا تدبر القارئ هذه الآية والآيةَ الأخرى التي استدل بها المردود عليه لتبين له أن القرآن لا يذكر فيهما صراحةً أن ما عند أهل الكتاب كلَّه حق. بل إن الكلام في الآية يتعلق بنبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا أنه يَذكر أهلَ الكتاب لأنهم كما قال سبحانه فيهم: (الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم) (البقرة 2/146؛ الأنعام 6/20). ومعرفتهم به نبيا رسولا من عند الله توجب عليهم الإيمان به، فقوله تعالى: (فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك) يُفهم منه:

· ذم وإلزام لهم بكتابهم الذي يأمرهم باتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو شهادة من الله عليهم بأنهم على الباطل لعدم إيمانهم بالنبي المنتظر.

· وبأن صفاته ونعوته محفوظة عندهم لم تتغير و لم يمسها تحريف فكان إعراضهم إذن حسدا من عند أنفسهم وجحودا لرسالته صلى الله عليه وسلم.

أما غير صفاته مما جاء في التوراة والإنجيل فقد يكون منه المَحفوظ وقد يكون منه المُبَدَّل وهذه الآية لا تدل لا على هذا ولا على ذاك، وإنما قد يفهم من أدلة أخرى غير هذه الآية أن كثيرا مما عند أهل الكتاب حق ليس بباطل.

ويدل على صحة هذا المعنى الذي نذكره نحن الآن وندافع عنه -لأننا نراه صوابا- أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن في شك مما أنزل الله إليه، ولم يكن من الممترين.

8. (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) (الحجر 15/9)

إن موضوع هذه الآية هو القرآن بدليل الآية السادسة: (وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون).

والذي نُزِّل عليه الذِّكرُ، أي القرآن، هو رسول الله صلى الله عليه وسلم. كما أن عبارةَ "حافظون" اسمُ فاعلٍ مَصوغٌٍ من الفعل حفِظ يحفَظ. ومن خصائص اسم الفاعل أنه يفيد مَعنَيَيِ الحاضر والمستقبل. مِثلُه مثلُ الفعل المضارع الذي يدل على الحاضر والمستقبل. بل إن الفعل المضارع لعله لم يُسَمَّ مضارِعا إلا لمضارَعتِه اسمَ الفاعلِ، أي مشابهته إياه من حيث إفادة معنى الحاضر والمستقبل.

وعليه فإن المقصود بالحفظ إنما هو القرآن الذي لم يكن قد تَمَّ نزوله بعدُ، وذلك بحكم أن هذه الآية ليست آخرَ ما نزل، وكان سينزل بعدها غيرُها من الآيات. وليس موضوعُ الآية التوراةَ والإنجيلَ وقد تم إنزالهما قرونا مِن قبل، فلذلك لم يقل وقد حفظناهما. بل وحتى لو قال ذلك لكان القرآنُ هو الفاصلَ في كل قضية لأنه آخر الكتب المنزلة. وكما كان يجب على المؤمنين بموسى عليه الصلاة والسلام أن يؤمنوا بعيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام، فكذلك يجب عليهم الإيمان بمحمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام. فأين الإشكال في هذا كلِّه؟ وما المانع من الدخول في الإسلام وقبوله بعد أن أخبر الله تعالى بأن: (الدين عند الله الإسلام) (آل عمران 3/19). وبأنه: (من يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين) (آل عمران 3/85).

9. (ولا مبدل لكلمات الله) (الأنعام 6/34)

علينا أن نقرأ هذه الآية بكاملها حتى نستيطع فهم محتواها، وهي قوله تعالى:

ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبأ المرسلين.

هو يستدل بهذه الآية على عدم إمكان تبديل الوحي، ولكنها لا تحمل هذا المعنى الذي ذَكرَه، فليست "كلمات الله" هنا الكلامَ المُوحَى به إلى رسله. وإنما هي ما قَدَّره سبحانه مِن نصر عبادِه المرسلين على الذين يحاربون رسائلَهم السماوية ويردونها في صدورهم. فكلمات الله تعالى قَضَتْ أن تكون الغلبةُ لهم في النهاية.

ويدل على هذا المعنى قول الله تعالى: (ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون) (الصافات 37/171-173).

فالمعنى أن الله كان قد قدَّر من قبلُ أن ينصر عباده المرسلين كما قدَّر أن جُنده هم الغالبون، ولن يستطيع أحد أن يغير ما قد اختاره الله من نصرهم وإظهارهم على من يقف في وجه الحق ضدهم. وليس معناها أن الكلام الذي يوحيه إليهم لن يبدله أحد. فأنت ترى أيها هنا القارئ أن الحديث هو عن نصر المرسلين وغلبة جند الله وليس عن الوحي الإلهي. ويدلك على هذا المعنى قول الله تعالى أيضا:

(سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ذرونا نتبعكم يريدون أن يبدلوا كلام الله قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل فسيقولون بل تحسدوننا بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا) (الفتح 48/15).

فهؤلاء المخلَّفون عن الجهاد الذين لم يخرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقصدوا أن يبدلوا كلام الله تعالى الذي هو القرآن تبديلا يُخرجه عن لفظه. ولكن معنى الآية أن هؤلاء الذي أبَوُا الخروج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الجهاد أول مرة فقعدوا واطمأنت قلوبهم بالتخلف عنه، كان قد أَمرَه الله تعالى مِن قبلُ بعدم الإذن لهم بمرافقته ومشاركته في الجهاد، وذلك بقوله له:

(فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخالفين) (التوبة 9/83).

وإرادتهم الخروج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تبديل لكلام الله تعالى، أي لأمره أو نهيه إذ كان قد قضى مَنعَهم من الخروج. فأخبر سبحانه عن هذا أو عن مثله بأنه لن يكون إلا كما شاء وفي الوقت الذي يشاء فيه، وأنه لا يستطيع أحد أن يغيره عما شاء الله تعالى له أن يكون عليه.

ومن الآيات الدالة على ما ذكرناه لك قوله تعالى:

(وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون) (الأعراف 7/137).

فكلمة الله التي تمت على بني إسرائيل هي وعدُه سبحانه إياهم بالإنجاء من فرعون والتمكينِ لهم في الأرض، أي جعلِهم قادرين على أن يحكموا أنفسهم بأنفسهم دون أن يكون عليهم مُهَيمِن أو قهار من البشر. ودل على هذا الوعد قوله سبحانه:

(ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون) (القصص 28/5-6).

فأنت ترى – أيها القارئ - أن كلمة الله تعالى هنا لا تعني الوحي الإلهي، وإنما تعني ما أراد الله للذين استضعفوا في الأرض من التمكين لهم فيها ونصرِهم على عدوِّه وعدوِّهم فرعونَ وهامانَ وجنودِهما. فلا يصح إذن الاستدلال بها على المعنى الذي ذكره، فهو استدلال في غير محلِّه.

ونريد أن نزيد بعضا من الآيات التي تدل على هذا المعنى الذي تحمله عبارة "كلمات" أو "كلمة" :

· (وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم فيما فيه يختلفون) (يونس 10/19).

· (كذلك حقت كلمة ربك على الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون) (يونس 10/33).

· (إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون) (يونس 10/96).

· (ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم) (هود 11/110).

أي لولا أن الله كان قد سبق في تقديره أنه لا يعجل العذاب على خلقه لكان قد أهلكهم. وهذا لقول الله تعالى: (ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضي إليهم أجلهم) (يونس 10/11). وقوله سبحانه أيضا: (وربك الغفور ذو الرحمة لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجلهم العذاب بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلا) (الكهف 18/58).

بقي أن يقال إن في الآيات التي ذكرتموها تمر عبارتا "كلمات" و "كلمة" بالجمع وبالإفراد. أفلا يدل هذا على فرق في المعنى قد يُبطِل ما ذكرتموه؟

فالجواب أن الفرق لا يقتضي أن يَخرُج من إحداهما المعنى الذي سعى هو لتقريره، أو أن يَختلَّ المعنى الذي ذكرناه نحن. ويشهد لصحة تفسيرنا قول الله تعالى:

10. (وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم) (الأنعام 6/115)

فانظر كيف جاءت الكلمة مفردة في بداية الآية ثم جمعا في نهايتها. وكلتاهما تدل على مُسَمًّى من جنس واحد وإن تعدد في أوقات مختلفة.

11. (سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا) (الفتح 48/23)

وحتى نفهم هذه الآية أيضا علينا أن نذكر الآية التي قبلها وهي قوله تعالى: (ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار ثم لا يجدون وليا ولا نصيرا).

فيخبر الله تعالى المؤمنين في بَيْعةِ الرِضوانِ الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة بأن كفار قريش لو قاتلوهم لانهزموا وفَرُّوا منهم ولم يجدوا من يُساندهم ويقف معهم، وأن هذا سنة الله تعالى السابقةُ، أي قانونه الذي يُعمله في خلقه دائما، وقد كان قانونَ الله فيمَن سبقكم من المؤمنين مع مَن خالفهم من الكفار الذين حاربوا المؤمنين. ولن يستطيع أحد أن يغير هذا القانون الإلهي، فأخبر سبحانه بأنه لا يتغير.

فالله تعالى لم يخبر أن كل شيء في هذا الكون لن يتغير، أو أن ما خلقه من قوانين لن تتغير أيضا. فما أذن الله له أن يتغير فقد يتغير، وإمكان تغيره من سنة الله، ولا تناقض ألبتة في هذا. ويدلنا على هذا المعنى أن نقرأ بعضا من الآيات في هذا الموضوع كقوله تعالى:

· (ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له سنة الله في الذين خلوا من قبل وكان أمر الله قدرا مقدورا) (الأحزاب 33/38).

فلم يكن على رسول الله صلى الله عليه وسلم أيُّ إثم أو لَوم في أن يتزوج زوجةَ ابنه الذي كان قد اتخذه ابنا من قبلُ وهو لغير صُلبه. والله تعالى لم يجعل أي إثم على أحد من رسله ولا غيرهم من عباده فيما أحله لهم، فهي سنته الثابتة سبحانه في هذا الموضوع، فلا داعي للتحرج من هذا النوع من الزواج وإن كان يخالف ما كانوا عليه مِن عادةٍ وعُرف.

· (فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك المبطلون) (غافر 40/85).

وهذا حال الكفار حين يرون العذاب يسارعون إلى التوبة والإيمان وقبله يستكبرون على آيات الله وعلى رسله. وكانت سنة الله تعالى معهم أنَّ إيمانهم ذاك لا ينفعهم إذا حضرهم العذاب أو عايَنوه ورأوه، فسنة الله التي لا تتغير أن يُهلكهم ولا يرد عنهم العذاب.

ولعل سائلا يتساءل فيقول: إذا كان الأمر كما تقولون بأن العذاب إذا جاء قوما لم يُرَدَّ عنهم، وهو سنة الله في خلقه. فلماذا رد الله تعالى العذاب عن قوم يونس عليه الصلاة والسلام لما آمنوا، وهذا في قوله تعالى:

(فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين) (يونس 10/98).

فالجواب من وجهين:

أ‌- الوجه الأول يحتمل أن قوم يونس عليه الصلاة والسلام لم يُلابسوا العذاب، وإنما رأوا بعض علاماته فتابوا إلى الله توبة علم الله أنها صادقة فنفعتهم، ولو أنهم تابوا بعد أن يأتيهم العذاب لما قبلت منهم.

ب‌- الوجه الثاني أن الله يكون قد استثناهم من بين سائر الأمم التي إذا جاءها العذاب هلكت إلا قوم يونس لعلمهم بصدقهم في توبتهم. وهذا لا يطعن في كون سنة الله تعالى لا تتغير. أفلا ترون أن من مات لا يرجع؟ فإن هذا من سنة الله تعالى في خلقه، ولكن الله تعالى شاء أن يجعل عيسى عليه الصلاة والسلام يُحيي الموتى بإذنه، ولا إنكار في هذا ولا تناقض.

وقبل أن ننهي الرد بالآية التي تركناها للأخير نود أن ننقل بعض الأمثلة من العهدين القديم والجديد التي قد تشير –من غير جزم منا- على إمكان تغيير لفظهما كما تدل على إمكان تغيير معانيهما:

· 1والآن أَصغوا يا بني إسرائيل إلى الشرائع والأحكام التي أعلمها لكم لتعملوا بها، فتحيوا وتدخلوا لامتلاك الأرض التي يورِّثها لكم الربُّ إلهُكم. 2لا تُضِيفوا على ما أوصيكم به ولا تَنقصوا منه، بل أطيعوا أوامر الرب إلهِكم التي أوصيكم بها. التثنية 4/1-2

· فاحرصوا على طاعة كلِّ ما أوصيكم به. لا تزيدوا عليه ولا تَنقُصوا منه. التثنية 12/32

· 17 لا تظنوا أني جئت لأُلغيَ الشريعةَ أو الأنبياءَ. ما جئت لألغي، بل لأُكَمِّل. 18فإني الحقَّ أقول لكم: إلى أن تزول السماءُ والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكلُّ. إنجيل متى 5/17-18

وهذه الكلمة المنسوبة إلى المسيح عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام قد يمكن الاستدلال بها على عدم تحريف التوراة والإنجيل حتى يكتمل الكل. والكل هو هذان الكتابان والقرآن معهما، فالقرآن حين نزل لم يَحتَج بعده المؤمنون إلى النظر في الكتب السابقة لاكتفائهم به، ولعدم الحاجة إلى البحث عمّا وراءه. وعدم الحاجة إلى التوراة والإنجيل يقتضي أن وجودهما وعدمهما -إن لم يكن سواءا- فإنه يكاد يكون كذلك لأن القرآن جاء مُهيمنا عليهما. ولا يبقى كبيرُ معنًى: هل حُرِّفا أو بَقِيا سالِمين بعد نزول القرآن لأن القرآن آخِرُ الكتب المنزلة، فهو آخر مصدر إلهي نتلقى منه دين الله تعالى، وهو موجود لا يتغير إلى يوم القيامة بوعد الله تعالى لنا بحفظه.

كما أن قوله "الناموس" قد يعني الشريعةَ أحيانا دون ما معها مِن مَواعِظَ وأمثالٍ وأخبارٍ عن السابقين وعن ملكوت الله تعالى وعن عظمة خلقه، مما قد يلحقه التحريف اللفظي وليس المعنوي فحسب. ولعل معنى الشريعة آنذاك كان هو السائد عند النصارى الأوائل في زمن بولس إذ قال لهم: فَإِنَّ الْخَطِيئَةَ كَانَتْ مُنْتَشِرَةً فِي الْعَالَمِ قَبْلَ مَجِيءِ الشَّرِيعَةِ. إِلاَّ أَنَّ الْخَطِيئَةَ مَا كَانَتْ تُسَجَّلُ، لأَنَّ الشَّرِيعَةَ لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً.[1]

وهذا الذي نذكره قد يشهد له حكمُ التوراة على الزاني بالرجم، فإنه مما يثبت القرآن كونَه من الناموس، أي من القوانين أو الأحكام التي أنزلها الله تعالى على موسى عليه الصلاة والسلام، فكان حكما باقيا عند اليهود في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم مِمّا دلت عليه الأحاديث أيضا، فلم يغيروه ولم يحرفوه إلا من حيث التطبيق لا من حيث التلاوة والكتابة.

بل إنه هو باق إلى يومنا هذا نقرؤه في العهد القديم، في التثنية 22/13-26. ويُصَدِّق ذلك العهدُ الجديد بما جاء في إنجيل يوحنا 8/2-5.

12. (وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه) (المائدة 5/48)

أما هذه الآية فتختلف عن كل الآيات التي استشهد بها بسبب أن المصدَّق به هنا هو الكتاب، في حينِ أن المصدَّق به في كل الآيات الأُخَر مذكور إما بعبارة: (لما بين يديه) أو بعبارة: (لما معكم) أو (لما معهم). فلْنحاول فهم الآية جملةً جملةً لنعلم هل تدل على صحة ما بين أيديكم اليوم من التوراة والإنجيل أم لا؟

· (وأنزلنا إليك الكتاب بالحق) فالخطاب موجَّه إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام. والمنزل إليه بالحق هو القرآنُ كلام الله تعالى مثلما أن التوراة والإنجيل المنزلين من قبل هما أيضا كلام الله تعالى.

· (مصدقا لما بين يديه) مصدقا حال من الكتاب المنزل المذكور في أول الآية، أي من القرآن. ومصدقا اسمُ فاعِلٍ مِن صدَّق يُصَدِّق تصديقا. والتصديق إيمانُك واعتقادك أو تقريرك بلسانك أو قلبك وقد يكون بفعلك بأن موضوع التصديق صحيح أو أنه على ما يعلم به.

والذي بين يدي الكتاب هو ما كان قد سبقه فجاء قبله. نُعبِّر عنه في العربية بقولنا "ما بين يدي كذا".

· (من الكتاب) لعل المقصود كلَّه يتلخص هنا في هاتين اللفظتين. فإن وافقتمونا عليه أيها القراء فبه ونعمت، وإلا فاذكروا لنا ما ترونه أنتم صوابا بعد أن تنتقدوا علينا ما ترونه خطأ بأدلة علمية مقبولة.

(من الكتاب) فنقول إن "من" بيانية تدل على أن "ما بين يديه" هنا هو الكتاب. والكتاب الذي كان منزلا من قبل هو وحي الله تعالى التوراة والإنجيل. فيكون المعنى العام أن القرآن يصدق التوارة والإنجيل، وهذا أمر لا إشكال فيه بين أحد من المسلمين.

والآيات الأخر التي وردت فيها عبارة (بين يديه) دون أن تتبعها "مِن" البيانية تؤوَّل بهذه الآية على أن المقصود فيها ما سبقه من الكتب أو من الوحي عامة أو من الآثار المقدسة المنقولة عن الأنبياء السابقين.

ولعل السب في ورود عبارة: (بين يديه) في القرآن دون أن يأتي بعدها ما يدل عليها كونُه معلوما به. من ذلك قول الله تعالى:

(قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقا لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين) (البقرة 2/97).

وقوله تعالى: (وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه ولتنذر أم القرى ومن حولها) (الأنعام 6/92).

والكتاب الذي كان منزلا من قبل هو وحي الله تعالى التوراة والإنجيل. فيكون المعنى العام أن القرآن يصدق التوارة والإنجيل، وهذا أمر لا إشكال فيه بين أحد من المسلمين كما ذكرنا قبل قليل.

أما أن تدل الآية على أن التوراة والإنجيل حرفا أو لم يحرفا فليس فيها شيء من هذا. بل نحن المسلمين مأمورون بالإيمان بهما سواء رأيناهما أو لم نرهما أو قرأناهما أو لم نقرأهما. فإذا سأل أهل الكتاب هل تؤمنون بأن الله تعالى أنزل التوراة والإنجيل؟ قلنا: نعم، ولكننا لا نعرف هل ما عندكم الآن هو التوراة والإنجيل اللذان أنزلهما الله تعالى أم أنهما شيء غيرهما؟ أم أن البعض مهما سلم والآخر حرف أم ماذا؟ فهذا من أكبر ما نختلف فيه مع أهل الكتاب.

· (ومهيمنا عليه) وسواء أكان مهيمنا رقيبا على ما سبقه، أو شهيدا عليه، أو مؤتمنا عليه، فكلها تؤول إلى معنى واحد: أن القرآن هو المحَكَّم وإليه المرجِع في كل شيء، وإليه كلمة الفصل عند الاختلاف، وإليه المرَدُّ لحَسم كل نزاع.

ويدلُّكم على هذا المعنى الأخير أن الله تعالى قال بعد ذلك: فاحكم بينهم بما أنزل الله.

وما أنزل الله -مذكورا في هذه الآية- هو القرآن. وقال أيضا: ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق.

والذي جاءه من الحق ليس التوراةَ والإنجيلَ، وإن كانت التوراة والإنجيل كلاهما حقا من عند الله تعالى، إلا أنهما منزلان على غيره من الأنبياء الكرام موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام، فلم يبق أن يكون ما جاءه من الحق إلا القرآن.

زيادة فائدة:

وقد يستدل البعض من النصارى أو اليهود، بل وبعض من المسلمين بقوله تعالى:

(فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن الممترين ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله فتكون من الخاسرين) (يونس 10/94-95)

هذه الآية قال الله تعالى قبلها:

(ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق ورزقناهم من الطيبات فما اختلفوا حتى جاءهم العلم إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون) (يونس 10/93)

فالله تعالى يذكر هنا أنه لم يقع اختلاف بين بني إسرائيل إلا بعد مجيء العلم إليهم. هذا العلم الذي جاءهم هو الوحي الإلهي، فإن كان هذا الوحيُ هو التوراةَ فإننا لا نعرف أمرا أجمعوا عليه لم يختلفوا فيه ثم اختلفوا فيه بعد نزول التوراة إليهم؟

وأما إن كان هذا العلم جاء بمجيء القرآن فإن أمرا كانوا متفقين عليه جميعهم وحتى النصارى معهم هو ظهور آخر النبيين محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، ثم اختلفوا فيما بينهم: فمنهم من صدق به واتبعه ككبير علمائهم وأحبارهم عبدِ الله بن سلاّم رضي الله عنه، ومنهم من كذبه وبقي ينتظر نبيا آخر يزعم أنه المسيح المنتظر. ومنهم من أنكر أن يبعث نبي بعد عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام. فلهذا قال له سبحانه بعد ذلك: (فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك). وكأن الله قال لنبيه: إن هؤلاء الذين يقرؤون الكتاب من قبلك عندهم خبرك وصفتك ونعتك، لا تخفى عليهم، يعرفونك مثلما يعرفون أبناءهم.

ومما يدل على أن العلم الذي جاءهم هو القرآن قوله سبحانه:

(ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك لمن الظالمين) (البقرة 2/145). وقوله:

(ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير) (البقرة 2/120)

ومما يدل على أن السؤال ليس سؤال استفهام قول الله تعالى: (إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون الحق من ربك فلا تكن من الممترين فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسكم وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين إن هذا لهو القصص الحق وما من إله إلا الله وإن الله لهو العزيز الحكيم) (آل عمران 3/59-62)

فلو كان مأمورا باستفهامهم لم يكن لمحاجاتهم إياه ومباهتله إياهم معنى يبقى. فهل يفهم أحد من هذه الآيات أن كتابهم حرف أو لم يحرف؟ إنما المعنى الذي يظهر من الآية أن عند أهل الكتاب صفات نبينا صلى الله عليه وسلم وإن كان يجوز أن يكون أخفي البعض منها. فإن معرفة البعض منها كاف وشاف في التعرف عليه وتصديقه واتباعه.

ويقوي ما نحن الآن بصدد شرحه قولُ الله تعالى:

(إن الدين عند الله الإسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب) (آل عمران 3/19)

فإن أهل الكتاب لم يكونوا أهلَ كتاب إلا بعد نزول التوراة والإنجيل، والآية تقرر أنهم لم يختلفوا إلا بعد أن جاءهم العلم، وهو الوحي، فلم يبق إلا نزول القرآن، ثم الاختلاف فيما بينهم بعد نزوله. أما قبل نزوله فجميعهم كان ينتظر مجيء آخر النبيين.

فأخبر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بأنهم كانوا لا يختلفون في مجيئك ونعتك، ولكنهم يكذبونك حسدا من عند أنفسهم وليس عن عدم معرفة وجحودا كقوله تعالى: (فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون) (الأنعام 6/33)

وإن سأل سائل فقال: وكيف يَسأل أهل الكتاب عن أمر هو ينكرونه ويخفونه، إذ يدعون أنه لو كانوا يعلمونه حقا لاتبعوه؟ فيجاب عن هذا بأن يقال:

- وهذا ما يدل على أن السؤال المقصود هنا ليس من أجل الاستفهام، ولكن من معانيه تقريع اليهود والنصارى بإخفائهم ما عندهم من الحق، بل وحتى الكذب فيه.

- كما يحتمل أن يسأل الصادقين منهم الذين آمنوا به حتى يعلم أو يتيقن أهل الشك ويدخل الإيمانُ قلوبَهم. وليس من أجل نفسه.

- وإما أن يسأل بني إسرائيل دون تمييز بين مؤمنهم وكافرهم، كأن يأمرهم بالإتيان بالتوارة وقراءتها على الناس، كما أُمر بفعله في مسألة كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل المذكورة في الآية الثالثة والتسعين من آل عمران. فإنها تدل على ما كان عندهم في مذكورا التوارة في هذا الموضوع لم يتغير ولم يحرف. كما أن نعته لم يختلفوا فيه ولم يُمحوه من كتبهم، بل كانوا يذكرونه بنعته قبل بعثه، وهذا كله حجة عليهم.

وإن قيل فكيف يشك رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما جاءه من الوحي قيل لهم: إنه لم يشك ولا ينبغي لنبي أن يشك فيما يوحى إليه. فقد يكون المقصود به كما قلنا أهل الكتاب والمنافقين، فسؤال أهل الكتاب قد يسوقهم في النهاية شيئا فشيئا إلى اليقين. كما أن الدعوة نفسها إلى استفهام أهل الكتاب حجة عليهم في الدنيا والآخرة وعلى أهل الكتاب الذي يكذبونه ويسعون إلى إخفاء نعته، ولكن الله يفضح أفعالهم.

ومما يقوي كل ما نذكره الآن أن الله تعالى ينهاه عن أن يكذب بآيات الله تعالى. فهل كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفة عين بآيات الله؟ ولكنه تحذير لنا نحن المسلمين ولأهل الكتاب لعلهم يسمعون. وهذا كقوله سبحانه: (يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين) (الأحزاب 33/1). فهل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يتقي الله؟ حاشاه ذلك. فيتضح إذن أن أهل الكتاب لا يكفيهم اتباع ما في أيديهم دون اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يكونوا على الحق.

ومثلها قوله سبحانه: (ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين) (الزمر 39/65)

فإنه لم يشرك نبي بربه، ولو علم الله من رسول الله صلى الله عليه وسلم مقارفة الشرك لما أرسله رسولا وأسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر. بل وكيف يشرك بالله سبحانه بعد أن جاءه العلم والوحي وهو لم يشرك به من قبل؟!

ومما يقوي هذا المعنى قوله تعالى: (واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمان آلهة يعبدون) (الزخرف 43/45) فكيف يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم من قبله من الرسل وقد مضوا إلى ربهم في القرون الخالية؟

ولكن قد يكون المعنى أن يرجع أهل الكتاب إلى كتبهم ليجدوا فيها ما أخبر الله تعالى به من عدم اتخاذ آلهة يعبدون. فيكون المعنى إذن من سؤال الرسل سؤالَ أُمَمِهم من أهل الكتاب.

ونظير هذا أمره سبحانه إيانا بالرد إلى الله والرسول عند الاختلاف بقوله: (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول) (النساء 4/59). فإن الرد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد وفاته رد إلى سنته، والرد إلى سنته البحث عنها لمعرفة ما فيها وكأن الباحث يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسَه ويسمع فتواه ثم يَذهب يَعمل بها، وإن كان قد يجوز عليه الخطأ في الفهم.

--------------------------------------------------------------------------------

[1] رسالة بولس إلى أهل روما 5/13. وانظر في معاني الناموس إن شئت القاموس الموجز للكتاب المقدس، الطبعة الثانية، سنة 1992، ص 489، مكتبة كنيسة الإخوة، 3 شارع أنجه هانم شبرا، مصر
جميع الحقوق محفوظة للوقف السليمانية - التركية
{title}

موقع حبل الله خدمة من خدمات وقف السليمانية
Hocagiyasettin mah. Şifahane Sok.No: 20/2 Süleymaniye-Eminönü/İstanbul-Türkiye

Tel: +90 (0212)513 00 93     Fax: +90 (0212) 511 21 69   
info@hablullah.com