قالوا سمعنا وعصينا
قال الله تعالى:
{وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واسمعوا قالوا سمعنا وعصينا وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم قل بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين} (البقرة 2/93)
المعنى العام للآية:
تحدث صدرُ سورة البقرة عن بعض النعم التي أنعم الله تعالى بها على بني إسرائيل من إنقاذهم من عذاب فرعون وإخراجهم من مصر إلى الأرض المقدسة وإنزال المن والسلوى عليهم في البرية ونصرهم على أعدائهم وما إلى ذلك. وفي مقابل هذا كله تحدثت عما كانوا عليه من فساد في الأرض وكفر بنعم الله وقتل للأنبياء وكتم لما أنزل الله تعالى وغيره.
وهذه الآية تُذكِّرهم بالميثاق الذي أخذه الله تعالى عليهم بالسمع والطاعة والعمل بما في التوراة فجاء فيها ما معناه:
واذكروا يا بني إسرائيل أنكم أعطيتمونا ميثاقا، أي عهدا بالعمل بما أمرناكم به مما بينه لكم نبينا موسى عليه الصلاة والسلام فقبلناه وأخذناه منكم. واذكروا أننا رفعنا فوقكم الطور، ذاك الجبل العظيم، وأننا قلنا لكم: خذوا ما أعطيناكم من أحكام إلهية أخذا جادا قويا لتعملوا بها واسمعوا ما تؤمرون به وتنهون عنه، فقلتم: "سمعنا وأخذنا بقوة". وأُشرِبت قلوبُ هؤلاء القومِ حبَّ العجل بسبب الكفر الذي كانوا عليه.
وأخبرهم يا محمد {صلى الله عليه وسلم} بأن حال الإيمان التي يدَّعونها لبئس الحال هي، فإن الإيمان لا يأمر بنقض الميثاق، بل بأخذه بقوة والثبات عليه، فالحقيقة أنهم ليسوا بمؤمنين.
تحليل عبارة "سمعنا وعصينا":
لقد رأيتَ أيها القارئ أننا فسرنا جواب بني إسرائيل: {سمعنا وعصينا} المذكور في الآية بأن معناه: "سمعنا وأخذنا بقوة"، ولعلك على علم بأن جميع التفاسير وترجمات القرآن جعلتَها بمعنى السمع والعصيان، أي عدم الطاعة.
وكي تفهم السبب تَعالَ نحاول أن نرجع إلى عشرات القرون إلى الخلف ونستحضر المشهد في أذهاننا:
يرفع الله تعالى جبلا عظيما، هو الطور، على رؤوس بني إسرائيل ويأمرهم بإعطاء ميثاقهم بالعمل بما يأمرهم به وينهاهم عنه، ويأخذ منهم عهدا مؤكَّدا بعد أن يقول لهم: {خذوا ما آتيناكم بقوة}. فإذا فُهمَت هذه الواقعةُ فالسؤال الذي يُطرَح هو: هل يُعقَل أن يوجد في الكون مَن يستطيع في تلك اللحظة الشديدة أن يَتفَوَّه بلسانه قائلا: "سمعتُ وعصيت"، يَقصد: "سمعت وخالفت"؟! ثم يخبرنا سبحانه وتعالى بعد هذا بأنه أخذ منهم عهدا مؤكَّدا مقبولا منهم؟!
ولننظر في الآية التالية التي تنبئنا عن حال الجبل بشكل أوضح:
{وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون} (الأعراف 7/171).
ومعنى الآية بصفة عامة أن الله تعالى قلَع الجبل من مكانه ورفعه فوق رؤوسهم وظنوا أنه سيسقط عليهم فقال الله تعالى لهم: خذوا ما آتيناكم بقوة، أي اقبلوا وتمسكوا بما أعطيناكم أو أمرناكم بالعمل به، واستحضروه دائما في عقولكم واحذروا أن تنسوه، وبالتالي ستكونون من أهل التقوى والخوف من الله تعالى.
ولنتصور الآن أنهم قالوا في تلك اللحظة: "سمعنا وخالفنا" فهل يصح أن يقال لمن صَدَرت منه مثل هذه العبارة إنه أُخِذ منه عهدٌ وميثاق بأن يفعل كذا وكذا والله تعالى يقول: {وإذ أخذنا ميثاقكم}؟!
وخَتمُ اللهِ تعالى الآية بقوله: {وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم قل بئس ما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين} مما يدل على أن هؤلاء القوم الذين قالوا: {سمعنا وعصينا} لا يمكن فَهمُ قولهم على أنه: "سمعنا وخالفنا" فلا نطيع. فكان يجب علينا إذن ونحن ننظر في معنى الآية عامة أن نلتفت بوجه خاص إلى الفعل: "عصينا".
أما العصا فهي العود، معروفة، وهي التي يتوكأ عليها. وأما الفعل "عصى" فيستعمل في مَن يأخذ العصا أو يضرب بها. وروى الأصمعي عن بعض البصريين قال: سُمِّيت العصا عصا لأن اليد والأصابع تجتمع عليها، مأخوذ من قول العرب عصوتُ القومَ أعصوهم إذا جمعتَهم على خير أو شر. قال أبو عبيدة: وأصل العصا الاجتماع والائتلاف. هذا، وعصى أيضا عكس أطاع.[1] وكلا المعنيين تحملهما لفظة: العصا، فأنت تحتاج إليها لتُنجِز بها عملا ما كما تستطيع أن تضرب بها إنسانا على رأسه فتشقه إلى نصفين، فيكون الضرب هنا متعلقا بمعنى العصيان.
وبناء على هذا فإن عبارة: {سمعنا وعصينا} تحتمل معنى: "سمعنا وأخذنا بقوة" مثلما تحتمل معنى: "سمعنا وخالفنا"، أي لا نطيع. والذين يخفون ما تنطوي عليه قلوبهم من النيات السيئة يختارون عن قصد مثل هذه التعابير حتى تفهم على معان مختلفة. وهذا ما يقال له الجناس في العربية. ونجد هذه العبارة: "سمعنا وعصينا" في قول الله تعالى:
{من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في الدين ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا لكان خيرا لهم وأقوم ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا} (النساء 4/46).
وبيّن الله تعالى فيها أنهم لو قالوا: "سمعنا وأطعنا" لكان خيرا لهم، مما يدل على أن قولهم: "سمعنا وعصينا" خير إلا أن قولهم: "سمعنا وأطعنا" خير منه، فكان ينبغي عليهم ترجيحُه على القول الأول لأن عبارة: "سمعنا وعصينا" يمكن حملها على المعنيين المتضادين، بخلاف عبارة: "سمعنا وأطعنا" التي لا تحتمل إلا معنى الطاعة والخضوع والإذعان.
وورد في العهد القديم أو التوراة ما يتعلق بهذا الموضوع:
[3 فجاء موسى وبلَّغ الشعبَ بكلِّ كلام الربِّ وأحكامِه، فأجاب الشعبُ بصوت واحد: "كلُّ ما أَمَرنا به الرب نَفعَل". 4 فكَتَب موسى جميعَ أقوالَ الربِّ، ثم بَكَّر في الصباح وشَيَّد مَذبَحا على سَفحِ الجبل، ونَصَب اثني عَشَرَ عمودا على عدد أَسباط بني إسرائيلَ الاثني عشَرَ. 5 وأرسل بعضَ شُبّانِ بني إسرائيل فقدَّموا مُحرَقاتٍ وقَرَّبوا ذبائحَ سلامةٍ للرب مِن العُجول، 6 وأخذ موسى نصفَ الدم واحتفظ به في طُسوسٍ ورَشَّ النصفَ الباقيَ على المَذبَح. 7 وتَناولَ كتابَ العهد وتَلاه على مَسامِع الشعب، فقالوا: "كلُّ ما أمر به الربُّ نَفعلُه ونُطيعُه"].[2]
الرد على هذه المقالة
بسم الله الرحمان الرحيم
الحمد لله وأشهد ألا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم. أما بعد:
الجزء الأول
هذا تعليق على هذه المقالة التي حاولتْ أن ترفع إشكالا قد يبدو لقارئ القرآن حين يعلم مِن بعضِ الآيات أن الله تعالى أخذ ميثاقا[3] من أهل الكتابين عامة، ومن بني إسرائيل خاصة مع موسى عليه الصلاة والسلام بأن يسمعوا ويطيعوا ويأخذوا أوامر الله تعالى ونواهيَه وسائر أحكامه أخذا قويا.
ثم يتساءل القارئ بأنْ: كيفَ يخبرنا الله تعالى بأنه أخذ منهم ميثاقهم في حين أنهم يقولون: {سمعنا وعصينا}؟ وكلامهم هذا يدل على أنهم رفضوا الإذعان وإعطاء الميثاق؟!
إن هذه الحال لتدعو حقا إلى التدبر والبحث عن تفسير لهذا الإشكال. وأول خطوة علمية يجب عملها هي تقريرُ الثوابت العلمية المتفقِ عليها لتكون أساسا في تَتبُّع أي حقيقة، أي قبول ما كان ثابتا معروفا من أجل استعماله في البحث عن المجهول غير المعروف.
ولكنَّ صاحب هذه المقالة قَرَّرَ دون تمهيدٍ سابق وإيضاح سالفٍ أن يَنظرَ في الفعل: "عصى" نظرة خاصة ويسلط عليه ضوءً كاشفا رغم أنه فعل معروفُ المعنى وواضح، وكأنه قال: "إن كل الإشكال يكمُن في هذا الفعل، فإذا حُلَّ حُلَّ معنى الآية كلُّه".[4] ولم يذكر من الآيات الشواهد على الموضوع إلا آية {وإذ نتقنا الجبل}.
وهذا خطأ منهجي (أو منطقي كما يقال)، أي خطأ واقع في الأصول، لأن السؤال الذي يينبغي أن يُطرَح هو: أين يقع الإشكال؟ وما الذي حدث بالضبط؟ وهل الأمر كما فهمنا أم أسأنا الفهم؟ أم ماذا يا ترى؟
وذلك أن العبارات الواردة في الآية ليست غريبة عنا. ومثلُها موجود في القرآن: الأخذ، والميثاق، والرفع، والسمع، والعصيان، والإشراب، والعجل، والكفر، وما إليها مِمّا لا يسع عارفا بالعربية أن يجدها ألفاظا غريبة لم يَعهد معانيَها من قبل. ثم بعد هذا يأخذ في البحث ليجد التفسير الصحيح لما لم يفهمه.
هذا، والرد الذي تقرؤه هنا أسطِّره لأثبت بأن الفعل: {عصينا} الوارد في الآية ليس له معنى آخر غير "عدم الطاعة". وقد أجدني أحيانا في هذا الرد أفترض جدلا صحة ما ادعاه صاحب المقالة لأبين تناقضه مع نفسه.
وإليك الآن في هذه السطور الأغاليطَ التي وقع فيها صاحب المقالة وأذكرها واحدة واحدة من ثلاث وجوهٍ أو نواحٍ؛ الناحية المنهجية واللغوية والتفسيرية. ولكنني لا أرتِّبها على حسب هذه الوجوه لأنها متداخلة فيما بينها فقد تجد رَدا لغويا من وجه، وتفسيريا أو حديثيا من وجه آخر. فإن ذكرتهما في موضع واحد كان أحدهما مذكورا قبل أوانه فيتعكَّر الفهم. ففضلت إذن أن أذكر الردود كلٌّ في حينه حتى يَسهُل على القارئ مواكبَتي في الاستدلال. والله الموفق للخير.
1. إنَّ الله تعالى حين قال: {هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق} (يونس 10/22-23).
وحين قال سبحانه: {وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتبعهم فرعون وجنوده بغيا وعدوا حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين} (يونس 10/90-91).
وحين قال عز وجل: {قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون إن كنتم صادقين بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء وتنسون ما تشركون } (الأنعام 6/40-41).
وحين أخبر عن الشيطان بأنه رأى يوم بدر ما لم يره المشركون وعايَن العذابَ الذي كان سيصيبهم رَجَع القهقريَّ فارّا بنفسه، وكان قبل ذلك قد زين لهم أعمالهم {وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب} (الأنفال 8/48).
فحين ذكر الله تعالى هذه الآيات وغيرَها كان قد دَلَّنا على أن الإنسان إذا حَلَّ به العذاب وعايَنَه تَرَك كل شيء من أمر دنياه، حتى آلهتَه المزعومة -إن كان مشركا- ولم يتوجه إلا إلى الله تعالى ليُنقذه، وأخلص في الدعاء لله وحده، لأنه يخشى في ذاك المقام انتقامَ الله منه، ولم يَخطُر بباله إلا أن يتوب لينجوَ مما هو فيه، وعَقَد النية على عدم الرجوع إلى ما كان عليه من معصية، ولكنه إذا نجاه الله تعالى من كَربه عاد إلى ما كان عليه من الذنوب، ونَسيَ عهده مع ربه عز وجل.
ومثلما أن هذا العبد لا يستطيع أن يعارض ربه ويقف بين يديه موقف الرافض المعاند بلسانه، وإن كان فرعونَ نفسه، فكذلك هو بقلبه أو ضميره مِمّا لا يعلمه إلا ربه سبحانه، لا يقدر أن يَنطَوي في خاصة نفسه على سوءِ نيةٍ، ولا أن يحاول مخادعة الله تعالى بإظهار التوبة ليعود إلى المعصية بعد النجاة. ولعلنا شاهدنا الزلازل وأحوالنا معها وأحوال الناس حوالينا. فهل داخل أحدَنا شكٌ بأنّ هؤلاء الذين يُعلنون توبتَهم لله خوفا مِن عقابه إنما يُخادعون الله تعالى في تلك اللحظة وهم يَنوون في أنفسهم العودة إلى المعصية متى ما رفع الله عنهم غضبَه؟ إنه لا يوجد أحدٌ في الدنيا كلِّها يقدر أن يُبطن شرا ويُظهر الخيرَ والخوفُ يَستولي على قلبه استيلاءً لا يترك معه موضعا آخرَ لحيلة أو سوءِ قصد.
وإذا تبيَّن لنا هذا عَلِمنا أن حال بني إسرائيل تحت الطور ينتظرون ما سيفعله الله تعالى بهم كحال المذكورين في الآيات. فهم كغيرهم من المخلوقات الضعيفة لا يملكون لأنفسهم شيئا، ولا يقدرون على أن يتلفظوا بما له أكثرُ مِن معنًى مِن قولهم: {سمعنا وعصينا} عن نية خبيثة وقصد سيء ليَدَعُوا العبارة الواضحة الفهم التي هي {سمعنا وأطعنا} أو "سمعنا وأخذنا بقوة". ما كان لهم أن يفعلوا هذا وهم في موقفهم الصعب ذاك، تحت الطور، إما أن يعطوا مواثيقهم لله تعالى بالسمع والطاعة، وإما أن يسقطه الله تعالى عليهم فيهلكوا به جزاء تكبرهم على أوامر الله ونواهيه. وهذا على فرض أن تَحمِل عبارة {عصينا} معنى «أخذنا بقوة». وهيهات أن تحمل ذلك.[5]
وحينئذ يَبطُل الاِدّعاءُ بأن بني إسرائيل انطَوَت سَرائرُهم على غير ما تُبديه ألسنتُهم فقالوا: {سمعنا وعصينا} بدل "سمعنا وأطعنا" قصدا منهم للمخادعة. مخادعةِ مَن؟ مخادعةِ عَلاّم الغيوب الذي يعلم خائفة الأعين وما تخفي الصدور، اللهِ القادر على أن يُسقط عليهم في ساعتهم تلك الطورَ ويُذيقهم به عذابا أليما. إنّ هذا لا يمكن أن يَصدر من أكفر أهل الأرض وهو على تلك الحال متلبِّسٌ بمعصية رب العالمين.
وعلى هذا كله لا تكون المسألة هنا مسألةَ نيةٍ أَلبتّه. فيكون هذا الادعاء باطلا من أصله، وما بني على باطل فهو باطل.
2. ومما استَدلَّ به صاحبُ المقالةِ قولُ الله تعالى: {ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا لكان خيرا لهم وأقوم} (النساء 4/46) ففَهِم منه أن قول بني إسرائيل: "سمعنا وأطعنا" وقولَهم {سمعنا وعصينا} كلاهما خيرٌ، إلا أن "سمعنا وأطعنا" خير من الأخرى وأفضل لأنها لا تَحتمل إلا معنى الطاعة، بينما {سمعنا وعصينا} تحتمل معنى الطاعة أو الأخذ بقوة مثلما تحتمل معنى العصيان. واستعمال ما يحتمل معنى واحدا خير من استعمال ما يحتمل معنيين، خاصة إذا كانا متضادَّين.
وهذا استدلال في نفسه متضارب ومخالف للسان العربي الفصيح ولغير الفصيح أيضا. فإن الآية لا تقتضي أن بني إسرائيل استعملوا الفاضل الذي هو "سمعنا وعصينا" وتركوا الأفضل الذي هو "سمعنا وأطعنا". وها أنت -أيها القارئ- قد ثبت لك آنفا أنْ ليست المسألةُ مسألةَ نية سيئة أو حسنة، ولا مسألةَ اختيارٍ للمفضول على الفاضل عن قصدٍ لا خبيث ولا حسن. فإذا كان الله تعالى لم يَعِب عليهم نيةً سيئةً -لأن النية هنا لا يمكن أن تكون إلا الخوفَ من الله تعالى والعزم على التوبة- فلا معنى لأن يُوَبِّخهم سبحانه على هذا اللفظ الحَسَن كما ادَّعى صاحب المقالة.[6] والمتتبع لآيات القرآن يراها تُبطل المعنى الذي قَدَّمه، وتنقضُه من أصله. منها قوله تعالى:
{ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا ولهم وأشد تثبيتا} (النساء 4/66)، فإنه لا يقتضي أنهم على خير وتثبُّتٍ وإن لم يفعلوا ما أُمروا به، وأنهم لو فعلوه لكان أفضل لهم وأحسن وأشد تثبيتا.
وقولُه سبحانه: {ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم} (النساء 4/171). فإنه لا يقول مسلم إن الاعتقاد في ثلاثة آلهة هو خيرٌ في ذاته واعتقادٌ مقبول، ولكنَّ الاعتقاد في إله واحد يزيد عليه ويعلوه خيرا وفضلا.
وقوله عز وجل: {فإن يتوبوا يك خيرا لهم} (التوبة 9/74). فإنه لا يقتضي أن عدم التوبة خير أيضا وأن التوبة مرجَّحة على عدمها ترجيحا من قَبِيل الفاضل والمفضول.
وقوله تعالى: {أفمن يلقى في النار خير أم من يأتي آمنا يوم القيامة} (فصلت 41/40). فهذه الآية لا تعني أن الإلقاء في النار خير، وأنّ المجيء آمنا يوم القيامة يَفضُله، ليكون في كليهما خير.
وحكايته تعالى عن لوط عليه الصلاة والسلام أنه قال لقومه الذي جاؤوه يهرعون إليه: {يا قوم هؤلاء بناتي هن خير لكم} (هود 11/78) لا يعني أن فعلَ قومِ لوطٍ الفاحشةَ في الملائكة الذين جاؤوه في صورة رجالٍ حسانِ الوجوه فِعلٌ مَقبول فيه خير، وأن فعلها مع بناته أفضل منه.
وكلام العرب أيضا يُبطل هذا المعنى السقيم الذي لم ما سَمِعَت به العرب من قبل. منه قولُ حسانَ بنِ ثابتٍ رضي الله عنه يدافع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين هجاه أبو سفيان بن الحارث، وهو غير أبي سفيان صخر بن حرب:[7]
أتَهجُوه ولستَ له بكفؤٍ
فشرُّكما لخيركما الفداء[8]
فإنه لا يَعني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا سفيان بن الحارث كلاهما خير وأنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم خير منه. ولا يعني ألبتة أنّ كليهما شر وأنّ أبا سفيان شرٌّ منه. وإنما يعني حسان رضي الله عنه الذي هو شرٌّ فيكما، أي أبو سفيان الذي لا خير فيه، -قبل إسلامه- ويعني الذي هو خير فيكما، أي رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لا شر فيه.
وقدَّر الله تعالى لي في سابق علمه أنْ أعثُرَ على شرحٍ لسيبويه لمثل هذا التعبير إذ قال: "تقول: مررتُ برجل شرٍّ منك، إذا نَقَص عن أنْ يكون مثلَه." ونحوٌ منه قولُه صلى الله عليه وسلم: "شرُّ صفوف الرجال آخِرُها"، يريد نقصان حظهم عن حظ الصف الأول، ولا يريد التفضيل في الشر.[9]
ومِن هذا القَبيل الكلامُ الذي تَراشَق به أبو سفيان رضي الله عنه قبل إسلامه وبعضُ مَن كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مِن الصحابة رضوان الله عليهم في غزوة أُحُدٍ. فقد روى البراءُ بنُ عازبٍ رضي الله عنه أنه حين لم يبقَ مع النبي صلى الله عليه وسلم غيرُ اثنيَ عشَرَ رجلا جاءهم أبو سفيان بعد المعركة وتكلم بكلام [ثم أخذ يَرتَجز: "أُعلُ هُبَل، أُعل هبل". قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ألا تجيبونه؟" قالوا يا رسول الله: "ما نقول؟" قال: قولوا: "الله أعلى وأجلُّ"].[10]
ولمّا تعرّض القرطبيُّ لتفسير كلام لوطٍ صلى الله عليه وسلم وقولِه لقومه: {يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم} قال: [وليس ألفُ {أطهرُ} للتفضيل حتى يُتَوَهَّم أنّ في نكاح الرجل طهارةً، بل هو كقولك: "الله أكبر وأعلى وأجل" وإن لم يكن تفضيلا. وهذا جائز شائع في كلام العرب. ولم يُكابِر اللهَ تعالى أحدٌ حتى يكون اللهُ تعالى أكبرَ منه. وقد قال أبو سفيان بن حرب يوم أحد: "أُعل هبل. أعل هبل" فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر: قل: "الله أعلى وأجل". وهبل لم يكن قط عاليا ولا جليلا].[11]
3. وأما رواية الأصمعي عن بعض البصريين في اشتقاق العصا فلا حجة فيها أيضا لأنها تدل على أصل تسمية العصا، ولا تدل على أنه يُشتَق من مادتها فعلٌ يدل على الطاعة أو على أخذ الشيء بقوة، فإن اجتماع أصابع اليد قد يكون على أشياء كثيرة. فها أنت تمسك بيدك عضدَ أعمى لتقوده. فهل يصح لك أن تقول: "عَصَوتُ أعمى" ليفهم السامع أنك أَرشدتَّه إلى مكان يطلبه؟! وقد تجتمع أصابع يدك على رأسكَ تألُّما من صُداعٍ أصابك. فهل يصح لك أن تقول: "عصوتُ رأسي" ليفهم السامع أنك تجد ألما في رأسك؟! لا يصح لك ذلك حتى تجد لنفسك دليلا من كلام العرب الفصحاء شعرا أو نثرا على استعمالهم إياه بهذا المعنى أو ذاك الذي ادَّعيته.
وعليه فاستنباط هذا المعنى المذكور ليس إلا تخمينا وظنا هو أشبه ما يكون بالقياس الباطل، ومثلُ هذه المواضِع لا يصح أن يُستعمَل فيها إلا السماع. فإن القياس في الصرف واللغة وغيرها من العلوم -رغم أنه حقٌّ في نفسه- فإن له ضوابطَ تُحَدِّدُّه وتنظمه حتى لا يقع الاضطراب في المعاني، ولا يستعملَ أحد عبارة لا يفهما إلا هو.
ثم إن هذا المنقول عن بعض البصريين قد لا يعدو أن يكون فَهمًا فَهِمه ورأيًا رآه إذ هو شبيه بالمسائل التي يختلف فيها أهل هذه الصنعة، فقد تكون صوابا وقد تكون خطأ. وإلا فأين الشواهد التي على صاحب المقالة الإتيانُ بها من شعر أو نثر لتكون حجةً على هذا زعمه؟[12]
وهؤلاء البصريون الذين ينقل عنهم الأصمعيُّ -وهو في نفسه ثقة مأتَمَن على نقله- لا يُعرف من هم؟ أهم ممن يُحتج بكلامهم من فصحاء العرب أو بآرائهم من علماء اللسان؟ أم أنه رأي رآه رجل فنقله عنه الأصمعي استئناسا به حتى لا يُهمَل أو نَقَلَه نقلَ المُقرِّ الموافق لكلامه؟ وحتى لو خالفه -كما هو شأن العلماء أن يختلف بعضُهم مع بعض- فلا حرج. فها هو ابن فارس يرى الاشتقاقَ نفسَه. بل لِنفترضْ جدلا أنّ ما نقله الأصمعي عن بعض البصريين قولٌ لواحد من أكابرِ علماء العربية المحتج بكلامهم، بصريين كانوا أو كوفيين أو غيرهم، ولْيَكُن الخليلَ بن أحمد،[13] فإنه لا يصح أن يُتخذ كلامُه -هذا أو غيرُ هذا- أصلا يُؤصَّل عليه معنًى لم يُعهَد عن العرب مِن قبلُ ولم يذكره هو نفسُه ولم يُنقَل عنه في كتب اللغة.
ومعاذَ الله أن أجرُؤ على استصغار أبي عبيدة أو الأصمعي أو غيرهما من أئمة العربية الفحول المُستشهَد بكلامهم في العلل والقياس والاستقراء. وإنما غرضي أن استخراجَ معنًى من معاني الألفاظ لم يُعرف عن أحد من هؤلاء الأئمة ولا عمّن بعدهم بناءً على كلام واحد منهم في أصل لفظة واشتقاقها استخراجٌ فيه تعسف كبير.
وهذا النقل نفسُه غير معروفةٍ صحتُه عند صاحب هذه المقالة نفسِه، بل قد يكون أدنى درجة من الروايات التي تُنقل تعليقا أو بلاغا في الحديث، لا يُدرى أصحيحة هي أم سقيمة حتى تَرِدَ من طرق أخرى صحيحةٍ لتثبُتَ بها. وقد ورد في السنة النبوية أثر صحيح يُثبت أنّ "سمعنا وعصينا" التي قالها بنو إسرائيل –ولو بلسان حالهم- هي على المعنى المعروف المستقِرِّ عندنا سأذكره في موضعه إن شاء الله. فمن تَوَقَّف في هذا الأثر الثابت أو رَدَّه فعليه بالأولى أن يتوقف أو يَرُدّ أيضا هذا النقل عن بعض البصريين حتى يجد له طريقا صحيحا يَثبُت به، وإلا كان مناقضا لنفسه، كالذي يَجمع بين المتفرِّقَين ويُفرِّق بين المُجتَمِعَين، يردُّ الشيء أحيانا ويقبل مثلَه أحيانا أُخَرَ دون علة أو وجه مُسَوِّغ.
بل إن أبا عبيدة معمر بن المثنى نفسَه لم يتعرَّض لمعنى العصيان عند الآية الثالثة والتسعين من سورة البقرة في مصنفه: "مجاز القرآن"، ولكن ذكر معنى إشراب العجل ومَرّ. فلو كان يرى معناها مخالفا لما عُرِف عن الأولين والآخرين ما أظنه كان ليَتركَه دون تعقيب. والله أعلم
4. واستدلال صاحب المقالة في تفسير الآية الثالثة والتسعين بقول رجل من أهل العربية مهما كانت سعة علمه فيها كالأصمعي أو معمر أو غيرهما استدلال مخالف لأصوله التي يبني عليها فقهه أو فهمه للقرآن. فهو يرى ما يسميه بعلاقة الثنائية بين الآيات، أي أن لكل آية في القرآن آيةً واحدة أخرى على الأقل تفسرها بحيث يكون المجموع شفعا، أي عددًا زوجيا. وتكون دائما إحدى الآيات محكمة والأخرى الشارحة لها متشابهةً. وهذا بناء على فهم خاص له لمعنى الآيات المتشابهات بأنها التي تشبه الآيات المحكمات.[14]
فكان عليه تبعا لأصوله هذه التي قررها ألا يستدل بكلام لغوي ويتركَ الآيات التي تشرح هذه التي نحن بصددها الآن، إلا أن يفعل هذا استئناسا وزيادة في الإيضاح بحيث يكون وجود ذاك الكلام وعدمه كأنه سواء. وهذا الفعل "عصى" لو كان يدل على ما ادعاه له لوجب عليه أن يستدل بآية أخرى تدل على ذاك المعنى. فهو إذن أول من ينقض نفسه بنفسه.
5. وقولُ هذا البعض من البصريين إنما هو من مادة [عصا يَعصُو]، وليس من مادة [عصا يَعصِي]. وعليه فإن تصريف الفعل عصا يعصو مع الضمير "نحن" يكون: "سمعنا وعَصَونا"، ولا يمكن أن يكون: "سمعنا وعَصَينا". فكان الواجب أن يَرِدَ في الآية إذن: "سمعنا وعَصَونا".
ذلك أن المعاجم لمّا ذَكَرَت الفعل عصا وذكرت معه مضارِعَه يعصو ويَعصِي ويَعصَى -بكسر وفتح الصاد- بَيَّنَت أن معناه: ضَربَ بالعصا أو أخَذ العصا، أو أخَذَ السيف كأخذِه العصا. والموضع الذي احتج به صاحب المقالة لم يجئ فيه إلا عصا يَعصُو، وليس فيه: يَعصي أو يَعصَى. فصاحب اللسان قال: "عَصَوتُ القوم أعصُوهم"، ولم يأت فيه: "عَصَيتُ القومَ أَعصيهم"، فالنقل في غير محله.
ولا يصح أن يقال إن العرب تستبدل الياء واوا، والواو ياءا على لغة قريش اللغةِ الفصحى التي بها نزل القرآن فجاز لنا أن نستبدل هذه الأفعالَ واوَها بيائها، وياءَها بواوها، لأن هذا الاستبدال ليس على إطلاقه. فانظر إلى الفعل "قال" على سبيل المثال، فمضارعُه: يَقُول ويَقِيل. ولكنه لا يصح أن تستبدل الياء موضع الواو ولا العكس لأنّ: "قال يقول" إذا تكلم، في حين أنّ: "قال يقيل" إذا نام عند الظهيرة. وكذلك هو: "باع يبيع" إذا استبدل شيئا بآخر، ولكنّ: "باع يبوع" يختلف عنه إذ هو على معنى: قاس بباعِه. لهذا تجد أهل اللغة والصرف يذكرون الموازين فيقولون: هو واوي أو هو يائي.
بل إن الناظر في هذه المادة من لسان العرب أو غيره من المعاجم العربية القديمة يَجِدُ بعضَها يُدَقِّق في مضارع الفعل "عصى"، فيُبَيِّن متى يُستَعمل واويا ومتى يستعمل يائيا، ويرى هذه المعاجم تقبل ما تراه فصيحا وتَرُدُّ البعضَ الآخر أو تجعلُه قليلَ الاستعمال إلا عند قبيلة بني فلان أو بني فلان. وهذا يدلك على أن المسألة ليست قياسية أو مُطَّردة.
6. واللفظ في العربية مثلما يكون له معناه المستعمَل يكون له في الغالب الأعظم أصل ذاك المعنى، إلا أنه لا يُشترط في معناه ذاك موافقتُه لأصله مِن كل وجه، بل قد يُتوسع فيه حتى إنه قد يغيب معناه الأصل مع كثرة الاستعمال. ومِمَّن رأيته شرح هذا المقامَ اللغويَّ العَدَويُّ[15] حين قال: [قال الأصمعي: "سُمّيت الفضةُ فضةً لانفِضاضها لأنها تَنفَضّ وتنكسر. وسمي الذهب ذهبا لأنه يَذهب من يد صاحبه بالقرب أو لأنه يُذهب عن صاحبه الفقرَ والبؤس". قال في التحقيق[16]: وكأن هذا أقرب، والله أعلم. أقول: ولا يخفى أنّ علة التسمية لا تقتضي التسمية].
فنفهم من هذا النقل أن الرجل إذا قال: "ملكتُ ذهبا" لم يَصِحَّ أن يَفهم السامع أنه ملك شيئا يُذهب عنه فقرَه وبؤسه، كأن يملك قطيعا من الغنم أو دارا مليئة بالسمن ليتاجر فيهما زاعما أن هذا أيضا مِلكٌ يُذهِب عن صاحبه الفقر والبؤس فصح عنده أن يُسَمَّى ذهبا.
وكذلك لو قال: "صَنَعتُ بابا من فضة" لم يصح أن يفهم السامع أنه باب من زجاج بحكم أن الزجاج يَنفَضّ وينكسر فصَحّ أن يسمى فضةً بجامع العلة بينهما. بل يبقى الأصل على أصله ويبقى المسمى على ما استُعمل له. ونحن إذ نتحدث عن آية من كتاب الله تعالى يجب علينا أن نفهما كما كان فهمها الناس حين نزل القرآن لأنه بلسانهم نزل. وما كان يفهمه القوم من تلك العبارات هو الذي يجب أن يفهمه منها من جاء بعدهم. وأَوَدُّ أن أضرب أمثلة لهذا الأصل لأنه أصل إذا غَفَل عنه مَن يَتَصَدَّى لتفسير القرآن أَورَدَه المَهالِك:
· المثال الأول: "طُبَّ، أي سُحِر. يقال منه رجل مَطبوب أي مَسحور كَنَوا بالطب عن السحر تفاؤلا بالبُرء كما كنوا عن اللَّديغ فقالوا سَليم، وعن المَفازة، وهي مَهلَكة، فقالوا مفازة تفاؤلا بالفَوز والسلامة".[17] وهذا مثال فيما خالف أصله.
· المثال الثاني: هذا الفعل ذاته: عَصَوت عَصَيت عَصِيت، يفيد الأخذ والضرب بالعصا أو بالسيف. فها أنت ترى أن معنى الجمع أو الائتلاف قد غاب عنه حين جاء معنى الضرب. فهم قد صاغوا فعلا من العصا نظرا لعملها لا نظرا لأصل اشتقاقها. فإذا قلت: عصاه بالعصا أو بالسيف فلا معنى لأن يخطر ببالك الاجتماع والائتلاف، ولا حتى اجتماع الأصابع، ولكن يجب أن يخطر ببالك عمل العصا الذي هو الضرب.
· المثال الثالث قول الله تعالى: {وإن يأت الأحزاب يودوا لو أنهم بادون في الأعراب يسألون عن أنبائكم} (الأحزاب 33/20) والمعنى: وإن يأت المؤمنين الأحزاب يتمنوا من الخوف والجبن أنهم غُيَّبٌ عنكم في البادية مع الأعراب خوفا من القتل.[18] ويقال لمن خرج إلى البادية بَدَا يَبدُو فهو بادٍ وهم بادون، ومعناه في الأصل الظهور والبُروز، وقيل للبادية بادِيَةٌ لبروزها وظهورها.[19] وعلى هذا لو جاء مَن يفسر أو يترجم الآية إلى لسان آخر قائلا: "يودوا لو أنهم ظاهرون أو بارزون في الأعراب" لم يأت بالمعنى التام على وجهه الصحيح لأن المسألة ليست مسألة ظهور أو خفاء في البدو، بل هي مسألة وجودٍ وإقامةٍ وسطَ الأعراب سواء كان المقيمون فيهم ظاهرين بارزين أو مستخفين.
· المثال الرابع: البيعة، تُسمى صَفقة. وقيل للبيعة صفقة لأَنهم كانوا إِذا تبايَعوا تَصافَقُوا بالأَيدي.[20] ومثلما أن أصلها لا يَلزَمها، فهي صفقة وإن عُقِدَت دون الصفق، فكذلك ليس كل من صَفَق ييده على يدِ غيره كان قد عقد معه بيعا.
· المثال الخامس: الكَثْب، الجمع والاجتماع. يقال: كَثَبَ القومُ إذا اجتمعوا، فهم كاثبون ... وكل ما انصبّ في شيء واجتمع.[21] فلا يلزم من هذا المعنى لا موافقةٌ ولا مخالفة، ولا طاعة ولا عصيان حتى يوجد دليل سماعي على التوسع في الاستعمال.
· المثال السادس: أصل مادة [كتب] يدلُّ على جمع شيء إلى شيء، من ذلك الكتاب والكتابة. والكُتبة ما يُكتب به شُفرا حَياءِ البغلة أو الناقة لئلا يُنزَى عليها، أي يُشَدُّ به طرفا فرجِها حتى لا يقربها الحيوان الذكر. وكَتَبَ السِّقاءَ: خَرَزه بسَيرَين،[22] أي خاطَه بخيطين أو ما شابههما.
ففي المثالين معنى الضمِّ والجمع بين شيئين. ولو أن بني إسرائيل قالوا: "سمعنا وكتبنا"، فهل كنا سنفهم أنهم سطّروا الأمر في ورق ونحوه أم نفهم إعلانهم للطاعة لأن الكتب في أصله مثلُ العصا: الجمعُ والضم والتأليف؟! بل إننا لا نفهم لا طاعة ولا عصيانا، وإنما نعلم أنهم احتفظوا بما قيل لهم مستنسَخا. أما الامتثال أو المخالفة فأمر قد يظهر بالقرائن والأحوال لا من اللفظة.
7. وحاول صاحب المقالة أن يستدل بالآية السادسة والأربعين من سورة النساء على أن بني إسرائيل حرَّفوا ثلاث عباراتٍ: "سمعنا وعصينا" و"اسمع غير مسمع" و"راعنا"[23] بدليل قول الله تعالى قبلها: "يحرفون الكلم عن مواضعه" وقولِه سبحانه: "ليا بألسنتهم وطعنا في الدين"، وبدليل أن عبارتي: "اسمع غير مسمع" و"راعنا" تدلان على ذلك لكون كل منهما تحمل معنيين متضادين أحدُهما حسن والآخر سَيّء، واليهود يقصدون المعنى السيء الذي يتنافى مع مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم والسامعُ يحسب أنهم يعنون المعنى الحسن الذي يعنيه المؤمنون إذا تكلموا بها. وهم يفعلون هذا استهزاءا برسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ونيلا منهم. ومن أجل إثبات ما ادّعاه خَلَص إلى أنّ "سمعنا وعصينا" هي أيضا مثلُ العبارتين الأُخرَيَين تحمل معنيين متضادين أحدهما حسن والآخر سيء، وأن اليهود يستعملونها للغرض نفسه الذي استعملوا له العبارتين الأخريين. هذا ما زعمه، ولنحاول نحن الآن أن نفهم العبارات الثلاث قبل أن نخوض في الردَّ حتى يَتَسَنَّى للقارئ المتابعةُ دون عناء.
أما قولهم: {اسمع غير مسمع} فتحتمل معنيين متضادين الإهانةَ والتعظيم. أما التعظيم فمخرجه: اسمع مني كلاما لا جَعَلَكَ الله مُسمَعا ما تكره، أي أدعو الله ألا يُسمعكَ أحدٌ مكروها! فهذا معنى حسن يدل على المدح والتعظيم. وأما الإهانة فمخرجها: اسمع مني يا هذا، لا سمِع منك أحد ما تقول، أي أدعو الله ألا تكون مسموعا لك فلا يقبل أحد منك ما تقول. وقد يكون معناه: لا جعلك الله تسمع كلاما يُرضيك، بل أدعو الله أن يسمعك ما تكره أو ألا يَستجيب لك أحدٌ ولا يطيعَك فيما تَأمُر به وتنهى عنه. وهذا غاية في الإهانة والاستهزاء وسوء الأدب مع نبي الله صلى الله عليه وسلم.
و{راعنا} هي مثل قولهم: {انظرنا} كلاهما عبارة يقولها المستمع ليجعل مخاطَبَه يَتأنّى في الكلام ولا يسرع فيه حتى يستطيع فهمه على وجهه ويحفظه. فهما وإن كانتا مترادفتين فجمهور المفسرين على أن الله تعالى إنما منع من {راعنا} لاشتمالها على نوعِ مَفسدةٍ. ثم ذكروا فيها وجوها أحدُها أن المسلمين كانوا يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تلا عليهم شيئا من العلم: راعنا يا رسول الله، واليهود كانت لهم كلمة عِبرانية يتسابّون بها تُشبه هذه الكلمةَ هي راعينا، أي اسمع لا سمعت. فلما سمعوا المؤمنين يقولونها شرعوا هم أيضا يخاطبون النبي صلى الله عليه وسلم على هذا النحو وهم يعنون تلك المسبّة، فنُهِي المؤمنون عنها وأُمروا بلفظة أخرى هي {انظرنا}. و{انظرنا} وإن كانت عبارة في أصلها صحيحةَ المعنى إلا أن اليهود يقصدون بها الذم، شأنُهم فيها كشأنهم في غيرها من العبارات الخبيثة أو غير الخبيثة التي يخفون وراءها الطعن والإهانة.[24]
8. ورَدِّي الآن على صاحب المقالة في ادعائه هذا من وجهين اثنين؛ الأول أن ما ذُكر في هذه الآية من تحريف لا يقع على العبارات الثلاث، وإنما هو تحريف للتوراة فقط، من حيث اللفظ أو من حيث المعنى. والثاني أن ما جاء في العبارات الثلاث يسمى إيهاما وليس بتحريف من أساسه.
والمفسرون الذين استخدموا كلمة التحريف في تأويلهم للكلمتين الأخيرتين لعلهم تَجَوَّزوا في كلامهم، لأنهم حين يفسرون التحريف يعنون التغيير الواقع في لفظ التوراة أو معانيها، وحين يفسرون الكلمتين الأخيرتين في هذه الآية فإنما يعنون تحريفا من حيث النية والقصد. فكان بين التعبيرين اختلاف كبير في المعنى. فهم لا يقصدون أن هذه العبارات الثلاث لا تدل في ذاتها على ما يخفيه اليهود في صدورهم، بل إنها تحمل ذاك المعنى السيء، ولكن المؤمنين الصادقين إذا خاطبوا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقصدوه ألتبة، بل هم أخشى لله من أن تنطوي قلوبهم على ما تنطوي عليه قلوب اليهود.
وعلى هذا يكون ما ادعاه صاحب المقالة وأراد أن يستخرجه من الآية غيرَ موجود فيها قطعا لأن "عصينا" تحمل معنى واحدا هو ضد الطاعة وليس معنيين اثنين مختلفين.
ولنذكر الآيتين قبلها حتى تبرز في أذهاننا صورة المسألة واضحة. قال الله تعالى في سورة النساء :
ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يشترون الضلالة ويريدون أن تضلوا السبيل (44)
والله أعلم بأعدائكم وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا (45)
من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في الدين ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا لكان خيرا لهم وأقوم ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا (46)
وأَوَدّ أن أفصِّل في هذه الآيات حتى لا يبقى أيُّ خلل في الشرح أو مدخل لشبهة ما. ولْيكُن التفصيلُ من مسلكين اثنين: أوَّلُهما أن نفهم معنى قوله سبحانه: {يحرفون الكلم عن مواضعهه}. وثانيهما أن نفهم العبارات الثلاث التي نهاهم الله تعالى عنها وأمرهم بتبديلها بالألفاظ الأُخَرِ التي بيَّنها لهم.
تحدثت الآية الرابعة والأربعون والخامسة والأربعون عن قسم من اليهود يستبدلون العمى بالهدى والباطل بالحق، ويريدون أن يفعل المسلمون مثل فعلهم. والله تعالى يحذر المؤمنين أن ينخدعوا بكلامهم وفعلهم أو يثقوا بما يقولون ويفعلون لأنه سبحانه يعلم ما لا يعلمه المسلمون. وأنهم إن أطاعوا ربهم فهو عز وجل يكفيهم كيد أعدائهم وهو قادر على نصرهم عليهم.
ثم بيَّن بعضا من صفاتهم، بأنهم يحرفون الكلم عن مواضعه، أي يبدلونه بغيره مما يخالف معناه الموضوع له، فيخرجونه عن وجهه الصحيح. وإلى جانب هذا الفعل المتناهي في الكفر يزيدون عليه وقاحة أخرى بأن يقولوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن يسمعوا كلامه: سمعنا قولك وعصينا أمرك. وينادونه بكلام يُشبِّهون به على السامع فيَدلُّ على سخرية واحتقار مثلما يدل على جد وتبجيل، ولكنهم ينوون المعنى الخبيث الذي لا يجوز بحال أن يتخاطب به الصالحون فيما بينهم فكيف يُخاطَب به نَبِيٌّ من الأنبياء؟!
ثم أخبر عز وجل بأنهم يقولون ذلك كلَّه إمالة منهم للألفاظ بألسنتهم، أي يميلونها إلى ما في قلوبهم لتقع في أنفسهم على ما يشتهون، وكذا سَبّا لدين الله تعالى ونيلا من النبوة. وفي الوقت نفسه بيَّن ما كان على هؤلاء اليهود أن يفعلوه ليَجِدوا عند ربهم ما يُسعدهم ويُنجيهم من غضبه سبحانه، وهو تركُ تلك العبارات اللاذعة والنوايا السيئة ليتلفظوا بما فيه تعظيم لرسول الله صلى الله عليه وسلم حقا وإظهار لنبوته. ولكنهم لا يفعلون ذلك لأنهم غاصوا في الكفر حتى طبع الله على قلوبهم وصاروا مطرودين من رحمته سبحانه، فما هم بالمؤمنين ليتمكنوا من فعل الخير ومخاطبة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بما يليق بمقامهم.
9. وجاء ذكر التحريف في القرآن أربع مرات كلُّه في بني إسرائيل أو الذين هادوا. وهذا في قول الله تعالى:
· {أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون} (البقرة 2/75).
· وفي قوله سبحانه: {يحرفون الكلم عن مواضعه} (النساء 4/46).
· وفي قوله تعالى: {فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه} (المائدة 5/13).
· وفي قوله عز وجل: {ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك يحرفون الكلم من بعد مواضعه} (المائدة 5/41).
فإذا نظرنا في الآيات الأخيرات عامة وإلى الآية الرابعة من النساء خاصة لم نفهم هل المقصود أنهم يحرفون أيَّ كلام اتَّفَقَ أم هو تحريف لكلام خاص بعينه؟ حتى إذا نظرنا في الآية الأولى، أي الخامسة والسبعين من البقرة، عَلِمنا أن التحريف تحريف للتوراة التي هي كلِم الله تعالى، أي كلماته أو كلامه. وهذا المعنى هو أوضح في الآية الرابعة إذ هو تحريف لحكم الزاني من الرجم إلى الجلد والتحميم وهم يعلمون به. فليس التحريف المعني فيها تحريفا لـ "سمعنا وعصينا" ولا لـ "اسمع غير مسمع"، ولا لـ "راعنا".
بل إنه لا يوجد التحريف المذكور آنفا في هذه العبارات ألبتة، ولكن الوارد فيها إيهام. والإيهام لا يظهر من اللفظة ذاتها، فيكونُ مكنونا في نفس المتكلم. وإن عُلم فإنما يعلم بالقرائن كأن يُخفي تحت شفتيه ضِحكة مستهزئ، أو يكون في سياق الكلام ما لا يحتمل غيره.
وعلى هذا فقوله تعالى: {واسمع غير مسمع} و{راعنا} ليس من هذا التحريف الاصطلاحي الوارد في الشرع وإن تجوزنا في تعبيرنا فسميناه تحريفا، لأن كلا العبارتين عبارة واضحة، إما متكافئة الدلالة على معنيين متضادتين، أي تدل كل منهما بقدر متماثل على معنيين مختلفين، ليس أحدهما بأكثر احتمالا في الدلالة من الآخر مثل لفظة "جَلَل" –على ما أظن- التي هي من الأضداد؛ تحتمل معنَى "عظيمٍ" مثلما تحتمل معنى "حقيرٍ". وإما أنَّ أحد المعنيين أرجح دلالة من الآخر.
ولعل السبب الذي أوقع صاحب المقالة في هذا الظن أن الله تعالى حين ذكر أن الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ثم أتبعه بذكر قولهم: {سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا} ظن أنّ قولهم هذا من تحريف الكلم عن مواضعه مثلِ التحريف الذي يُذكر عن التوراة، وليس هذا بذاك. فقد ذكر الله تعالى في آية لاحقة في السورة نفسها ما يشبه هذه الآية من حيث البِنية يفيد في الاستدلال به على صحة ما أقوله هنا. قال الله تعالى:
{ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا} (النساء 4/51).
ففي هذه الآية يخبر سبحانه وتعالى عن جماعة من اليهود الذين علمهم الله تعالى التوراة بأنهم آمنوا بما هو شرك مناف للتوحيد من جبت وطاغوت سحرا كان أو كهانة أو أصناما أو غيرها من عقائد الكافرين، وهم رغم هذا يصَرِّحون للكفار المشركين من أهل مكة بأن دينهم أفضل من دين محمد صلى الله عليه وسلم.
فترى –أيها القارئ- أن إيمانهم بالجبت والطاغوت لا يعني ولا يقتضي إلزاما أن يقولوا للذين كفروا: {هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا}. وإنما المعنى أنهم يقترفون فعلين قبيحين ثانيهما أشد وقاحة من الأول، مثله مثل فعلهم في التحريف، فهم يحرفون كلام الله تعالى وهم مع هذا يزيدون أن يقولوا لنبينا صلى الله عليه وسلم: {سمعا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا} عن وَقاحةٍ وقلةِ حياء منهم وإمعانا في الكفر.[25] فهذا هو التشابه بين هاتين الآيتين السادسة والأربعين والحادية والخمسين من سورة النساء. والله تعالى أعلم
--------------------------------------------------------------------------------
[1] أنظر صحاح الجوهري، وتاج العروس، ولسان العرب.
[2] العهد القديم، سفر الخروج 24/3-7.
[3] أنظر مثلا سورة البقرة 2/63، 83؛ وآل عمران 3/187؛ والمائدة 5/12، 14، 70؛ والنساء 4/154.
[4] Kur’an Işığında Doğru Bildiğimiz Yanlışlar, Pro. Dr. Abdulaziz Bayındır. S 120. Süleymaniye Vakfı Yayınları, İstanbul–2007.
[5] وهذه الآيات ترد قول الرازي: "إظلال الجبل لاشك أنه من أعظم المُخَوِّفات، ومع ذلك فقد أصروا على كفرهم وصرحوا بقولهم {سمعنا وعصينا} وهذا يدل على أن التخويف وإن عظم لا يوجب الانقياد". ذلك أن بني إسرائيل –كما سيتبين لنا لاحقا إن شاء الله- لم يقولوا هذه الكلمة وهم تحت الطور.
[6] أي على فرض جدلي بأن {سمعنا وعصينا} تحمل معنى: "أخذنا بقوة".
[7] أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم. إبن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخوه من الرضاعة، أرضعتهما حليمة السعدية. أسلم. الإصابة لابن حجر، والطبقات لابن سعد، ومشاهير علماء الأمصار لابن حبان.
[8] رواه الأزرقي في أخبار مكة، فصل: باب إنشاد الشعر والإقران في...؛ وأبو يعلى الموصلي، فصل: نسوة فذكرن حسان...؛ والطحاوي في مشكل الآثار، باب: "لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تصب دلوك..." ثلاثتهم عن عائشة رضي الله عنها؛ وأبو الفرج الأصفهاني في الأغاني، فصل: "استأذن النبيَّ في هجو قريش". وانظر في الشعر والشعراء لابن قتيبة، ترجمة حسان؛ وديوان المعاني لأبي هلال العسكري، الفصل الثاني من الباب الثالث في الهجاء.
[9] خزانة الأدب لعبد القادر البغدادي، فصل الأفعال الناقصة، الشاهدِ الثالث والثلاثين بعد السبع مئة.
[10] رواه البخاري -واللفظ له- كتاب الجهاد والسير، باب ما يكره من التنازع والاختلاف في الحرب وعقوبة من عصى إمامه، وكتاب المغازي، باب غزوة أحد؛ وابن حبان في سننه، كتاب السير، باب ذكر ما يستحب للإمام أن يوصي بعض الجيش إذا سواهم للكمين بما يجب عليهم علمه واستعماله؛ وابن أبي شيبة في مصنفه عن ابن مسعود، المغازي، باب هذا ما حفظ أبو بكر في أحُدٍ وما جاء فيها؛ والطبري في تفسيره عن ابن عباس، لآل عمران 140، وفي تفسير الآية 153 منها عن عبيد بن عمير.
[11] الجامع لأحكام القرآن لأبي عبد الله محمد بن أحمد القرطبي، عند تفسيرِ الآية الثامنة والسبعين من سورة هود. ولعل ما رواه الطبري في جامع البيان في تأويل الآية التاسعة عشرة: {إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح} من الأنفال أن أبا جهل قال يوم بدر: "اللهم انصر أحب الدينين إليك، دينَنا العتيق، أم دينهم الحديث". فإن صحت هذه الرواية فأبو جهل الذي يطعن في الدين الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعني أن في كلا الدينين خيرا، بل لا يرى الخير إلا في دينه العتيق بزعمه. ولكنه يستعمل أسلوبا معروفا عند العرب إذا أرادوا الإساءة إلى شيء ومدح غيره فيستعملون أسماء التفضيل دون قصد معناه. ولعل هذا نوع اختصار في الكلام وجمعٌ بين المتقابلين المراد مدح إحدهما وذم الآخر.
[12] وابن فارس أيضا نقل في "معجم مقاييس اللغة" أصل العصا بأنه "الاجتماع والائتلاف" عن أبي عبيدة نفسه ثم قال: "وهذا يصحِّح ما قلناه في قياس هذا البناء". أما الشواهد فالذي وجدته لابن فارس قوله: "عصوتُ الجُرحَ أعصوه، إذا داويتَه". وكذا ما ذكره ابن منظور من قوله: "عصوت القوم أعصوهم إذا جمعتهم على خير أو شر".
[13] ولعله أبو عبيده معمر بن المثنى نفسه.
[14] Doğru Bildiğimiz Yanlışlar S. 300.
[15] حاشية علي بن أحمد العدوي على كفاية الطالب الرباني لرسالة ابن أبي زيد القيرواني لأبي الحسن علي بن ناصر المتوفى سنة 939، كتاب البيوع، فصل الربا وأنواعه وما يتعلق به.
[16] صاحب تحقيق المباني هو نفسه صاحب الكفاية، وتحقيقه هذا شرح لرسالة القيرواني. والله أعلم
[17] لسان العرب لابن منظور، مادة [طبب].
[18] إقتبست التعبير من تفسير الطبري.
[19] اللسان، مادة [بدا].
[20] اللسان، مادة [صفق، سفق].
[21] اللسان، والقاموس للفيروزآبادي، مادة [كثب].
[22] أنظر في مقاييس ابن فارس؛ وتاج العروس للزبيدي؛ واللسان؛ والقاموس، مادة [كتب].
[23] Doğru Bildiğimiz Yanlışlar S. 118–119.
[24] من تفسيري الطبري والرازي.
[25] وهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم لقول الله تعالى عنهم: {الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون} (الأنعام 6/20).
قول اليهود: "سمعنا وعصينا"..1

![{ipb.vars['home_name']}](style_images/zajil/main.gif)
قول اليهود: "سمعنا وعصينا"..1
