بسم الله الرحمان الرحيم
الحمد لله وأشهد ألا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم. أما بعد:
تبشير العهدين بمحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم
الجزء الرابع الأخير
I- من حوادث التاريخ:
ومن الأحداث التاريخية التي ينبغي للعاقل التوقف عندها حتى يعرف مغزاها:
· ما تحدث عنه ابن تيمية بأنه قُبَيل ميلاد رسول الله صلى الله عليه وسلم بلحظات جاء الحبشةُ الذين كانوا قد ملكوا اليمنَ، وسار ملكهم إلى مكة بالفيل ليُخر ب البيت، وكانوا نصارى، فأرسل الله عليهم مِن ناحية البحر طيرا أبابيلَ، أي جماعات متفرقة، تحمل حجارة من طين فألقتها على الحبشة النصارى فأهلكتهم، وكان هذا آية عظيمة خضعت بها الأمم للبيت وجيران البيت.
وعلم العقلاء أن هذا لم يكن نصرا من الله لمشركي العرب فإن دين النصارى خير من دينهم، وإنما كان نصرا للبيت وللأمة المسلمة التي تعظمه وللنبي المبعوث من البيت وكان ذلك عامَ مولد النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله في ذلك سورة الفيل.[1]
· ومن قرائن التاريخ أيضا التي تشهد لنبوة نبينا صلى الله عليه وسلم وعلى أن تفسيرنا صحيح متفِق مع أبرز وأشد أخبار التاريخ أنه كان في المدينة وأكنافها يهودٌ لهم شعر جيد منهم:
- - السَمَوْأل بن عادِياءَ.[2]
- - الرَبِيع بن أبى الحُقَيق من بنى النضير.[3]
- - كعب بن الأشرف وهو من طيئ وأمه من بني النضير
- - شُرَيح بنُ عِمران
- - سِعية بن غَريض أو عريض.[4]
- - أبو قَيسِ بن رِفاعة
- - أبو الذيال
- - درهم بن زيد.[5]
ولم يحضر هؤلاء اليهود مجتمعين في المدينة وأطرافها تاركين أراضيَ كانت أخصب ترابا، وأوفر خضرا وفواكهَ، وأطيبَ هواءً كبلاد الشام، إلا انتظارا منهم لقدوم النبي الجديد الموعود به الذي كانوا يعرفونه حق المعرفة، ويقصدون اتباعه وطَرد العرب المشركين من المدينة وغيرها باعترافهم أنفسهم بذلك من قبل.
والله تعالى قد أخبرنا بحال هؤلاء اليهود وهم ينتظرون فتحا من الله على الذين كانوا كافرين من قبل، أي مشركي العرب من أهل المدينة ومَن حواليها، وذلك في قوله سبحانه: (ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين) (البقرة 2/89).
· ومن التاريخ أيضا ما جاء مذكورا على لسان ابن عباس رضي الله عنهما فيما أخبره به أبو سفيان رضي الله عنه أن هِرَقْلَ سأله عن الرسول الجديد صلى الله عليه وسلم حتى قال له: سألتُك عن نَسَبه فذكرتَ أنه فيكم ذو نسب، فكذلك الرسل تُبعَث في نَسَب قومها. وسألتك: هل قال أحد منكم هذا القول؟ فذكرتَ أن لا. فقلتُ: لو كان أحد قال هذا القول قبلَه لقلتُ رجل يأتيني بقول قيل قبله. وسألتك: هل كان من آبائه مِن ملِكٍ؟ فذكرتَ أن لا، قلتُ: فلو كان من آبائه من ملك قلتُ رجل يطلب مُلك أبيه. وسألتك: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فذكرت أن لا، فقد أعرف أنه لم يكن ليَذَرَ الكذب على الناسَ ويكذبَ على الله. وسألتك: أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ فذكرتَ أن ضعفاءهم اتبعوه، وهم أتباع الرسل. وسألتك: أيزيدون أم ينقصون؟ فذكرتَ أنهم يزيدون، وكذلك أمر الإيمان حتى يتمَّ. وسألتك: أيَرتَدُّ أحد سَخطةً لدينه بعد أن يدخل فيه، فذكرتَ أن لا، وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشتُه القلوبَ. وسألتك: هل يغدِر؟ فذكرت أن لا، وكذلك الرسل لا تغدر. وسألتك: بم يأمركم؟ فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وينهاكم عن عبادة الأوثان، ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف، فإن كان ما تقول حقا فسيملك موضِع قدميَّ هاتين. وقد كنت أعلم أنه خارج، لم أكن أعلم أنه منكم. فلو أني أعلم أني أخلُص إليه لتجَشَّمت لقاءَه، ولو كنتُ عنده لغسلتُ عن قدميه.[6]
· · ومن التاريخ أيضا أنه ادَّعى مونتانوس Montanus في القرن الثاني الميلادي أنه المنتظَر الذي بشر به عيسى ابن مريم صلى الله عليه وسلم.[7] وزعمُه هذا –وإن كان باطلا- يُستفاد منه أن النصارى في ذاك الزمان كانوا ينتظرونه ويترقبون مجيئه، فجاءهم وظهر لهم بمظهر النبي الموعود. ولو لم يكونوا ينتظرون نبيا لادعى أمرا آخر يعرفونه وبنى عليه. والمُبطِل إنّما يُشَبِّه على غيره الباطلَ بالحق، وليس الباطلَ بالباطل، وإلا لم يكن عنده إلا الباطل المَحض، ومن الذي يتبعه على الباطل المحض حينئذٍ ؟!
· ومن دروس التاريخ أنه حدث عند المشركين في الجاهلية ما يشبه هذا، فقد خرج البعض منهم كحُمرانَ بنِ رَبِيعةَ وسفيان بنِ مُجاشِعٍ أحدِ أجداد الفَرَزدقِ وأُحَيحةَ بن الجُلاَحِ، سمعوا مِمَّن كان له علم بالكتب الأولى بمبعَث نبيِّ سيكون اسمُه محمدا، وخلَّف كلُّ واحد منهم امرأتَه حاملا فسمى كلٌّ منهم ابنه محمدا على تفصيل أو اختلاف يسير جدا تجده عند المؤرخين والمحدثين.[8]
· وأما ما جاء عن تَيماء المذكورة في العهد القديم فإنه قد تواتر عند المسلمين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقام بوادي القرى أربعة أيام فقسم ما أصاب على أصحابه وترك الأرض والنخيل في أيدي اليهود وعاملهم عليها فلما بلغ يهودَ تيماء ما وطىء به رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبرَ وفَدَكَ وواديَ القرى صالحوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجزية وأقاموا بأيديهم أموالهم. فلما كان عمر أخرج يهود خيبر وفدك ولم يخرج أهل تيماء ووادي القرى لأنهما داخلتان في أرض الشام ويُرى أن ما دون وادي القرى إلى المدينة حجاز وما وراء ذلك من الشام.[9]
هذا، وبقي في الأخير أن ننبه إلى أمرين: الأول أن ما ذكرناه هنا من بشارات ليس استنتاجا جديدا توصلنا إليه بمقدرة فكرية أو اجتهاد لم نُسبق إليه، وإنما هو غالبه إما نقل عن غيرنا وإما استفادة من فهم ما، ونحن نزيد في بعض الأحيان ما نراه لم يُذكَر أو لم نجده نحن بعد بحثنا. وأما الباقي فهو معروف عند الكثير من المسلمين، بل لعل اليهود والنصارى أعرف بما نحاول الاستدلال به على ما نقصده، ولكن الهداية من الله تعالى ولا يملك القلوب إلا خالقها سبحانه. والتنبيه الثاني: هو أنه وصل اعتراض في شكل سؤال يتعلق بما سماه صاحبه آية الوسادة، سنجيب عليه إن شاء الله بما يتبين لنا دون تعسف أو تعصب إلا للحق. والله الموفق للخير.
--------------------------------------------------------------------------------
[1] "الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح" لابن تيمية 1/318، نقلا عن المكتبة الشاملة.
[2] تاج العروس للزَبِيدي، مادة [سمل].
[3] تاج العروس للزَبِيدي، مادة [زغف].
[4] الإصابة في تمييز الصحابة ٍلابن حجر العسقلاني ٍ3/259.
[5] طبقات فحول الشعراء لمحمد بن سلام الجمحي 1/279-294.
[6] البخاري، كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي، حديث أبي سفيان عند هرقل. مسلم، الجهاد والسير، باب كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى هِرقلَ يدعوه إلى الإسلام.
[7] http://www.earlychurch.org.uk/montanism.php
[8] أنظر على سبيل المثال: الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر، في ترجمة محمد بن سفيان بن مجاشع 6/337 ؛ الشفا بتعريف حقوق المصطفى للقاضي عياض، فصل في أسماء النبي صلى الله عليه وسلم 1/176 ؛ الروض الأُنُف للسُهَيلي 1/75 ؛ لسان العرب، مادة [حمد]. وانظر إن شئت في: سيرة ابن كثير، والوافي بالوفيات للصَفَدي، وكتاب الحيوان للدَمِيري وغيرَها.
[9] سيرة ابن كثير 3/412.
تبشير العهدين برسول الله صلى الله عليه وسلم 4

![{ipb.vars['home_name']}](style_images/zajil/main.gif)
تبشير العهدين برسول الله صلى الله عليه وسلم 4
