بسم الله الرحمان الرحيم
الحمد لله وأشهد ألا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم. أما بعد:
تبشير العهدين بمحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم
الجزء الثالث
I- من العهد القديم: ويُقصَد بالعهد القديم التوراة.
ونحاول أن نذكر هنا بعض ما وقفنا عليه مما يبدو لنا أنه بشارات عن نبوة خاتم النبيين محمد بن عبد الله بن عبد المطلب صلى الله عليه وسلم من خلال صفحات الإنترنت وكلامِ الباحثين المختصين بمثل هذه المواضيع، وأن نزيد عليه ما أمكننا استخراجه بعد القراءة والتدبر متَحَرِّين الموضوعية في الطرح، والاختصارَ في التعبير، فإن خرجنا عن الجادّة فلْنُنَبَّه إليه من قِبَل القراء. وها هو ما نرمي إلى ذكره موضعا موضعا من التوراة الحالية الموجودة بين أيدي اليهود أو النصارى:
· خبر موسى عليه الصلاة والسلام عن ربه أنه قال له:
18/15 يقيم لك الربُّ إلهُك نبيا من وسطك، من إخوتك مثلي، له تسمعون.
18/16 حسب كل ما طلبتَ من الرب إلهك في حُوريبَ يوم الاجتماع قائلا: لا أعود أسمع صوت الرب إلهي، ولا أرى هذه النار العظيمة أيضا لئلا أموت.
18/17 قال لي الرب: قد أحسنوا فيما تكلموا.
18/18 أقيم لهم نبيا من وسط إخوتهم مثلَك وأجعل كلامي في فمه فيكلمهم بكل ما أوصيه به".
(التثنية 18/15-18)
وبالتركية:
Yas.18:15 Tanrınız RAB size aranızdan, kendi kardeşlerinizden benim gibi bir peygamber çıkaracak. Onu dinleyin.
Yas.18:16 Horev'de toplandığınız gün Tanrınız RAB'den şunu dilemiştiniz: ‘Bir daha ne Tanrımız RAB'bin sesini duyalım, ne de o büyük ateşi görelim, yoksa ölürüz.
Yas.18:17 RAB bana, ‘Söyledikleri doğrudur dedi.
Yas.18:18 ‘Onlara kardeşleri arasından senin gibi bir peygamber çıkaracağım. Sözlerimi onun ağzından işiteceksiniz. Kendisine buyurduklarımın tümünü onlara bildirecek. (Eski Ahit, Tesniye yani Yasa'nın Tekrarı 18/15-18)
وبالإنكليزية:
- - حسب نسخة الملك جيمس KJV أيضا:
15 The LORD thy God will raise up unto thee a Prophet from the midst of thee, of thy brethren, like unto me; unto him ye shall hearken; 16 According to all that thou desiredst of the LORD thy God in Horeb in the day of the assembly, saying, Let me not hear again the voice of the LORD my God, neither let me see this great fire any more, that I die not. 17 And the LORD said unto me, They have well spoken that which they have spoken. 18 I will raise them up a Prophet from among their brethren, like unto thee, and will put my words in his mouth; and he shall speak unto them all that I shall command him. (Old Testament, Deuteronomy 18/15-18)
- - حسب النسخة العالمية الجديدة NIV:
15 The LORD your God will raise up for you a prophet like me from among your own brothers. You must listen to him. 16 For this is what you asked of the LORD your God at Horeb on the day of the assembly when you said, "Let us not hear the voice of the LORD our God nor see this great fire anymore, or we will die." 17 The LORD said to me: "What they say is good. 18 I will raise up for them a prophet like you from among their brothers; I will put my words in his mouth, and he will tell them everything I command him. (Old Testament, Deuteronomy 18/15-18)
إن مِن ضمن ما نفهمه في هذه الفقرة أن الله وعد موسى عليه الصلاة والسلام بأن يُخرج للناس نبيا مثلَه يوجب عليهم طاعته. وأنّ مَن عصاه انتقم الله تعالى منه. ويبدو في الكلمة الأولى رقم خمسة عشر أن الله سيُخرج هذا النبي من وسط موسى عليه السلام، ويفسر معنى هذا الوسط بأنه إخوة موسى عليه الصلاة والسلام. فإن كان وسطُ موسى، أي إخوةُ موسى هم بني إسرائيل الباقين مِن دونه، فالنبي الموعود به حينئذ سيكون منهم، أي من بني إسرائيل. وإن كان إخوةُ موسى هم إخوةَ بني إسرائيل، فالنبي الموعود به حينئذ سيكون من غير بني إسرائيل، كأن يكون من بني عيسو، وعيسو أخو يعقوب عليه الصلاة والسلام بنص التوراة.
والكلمة رقم ثمانية عشر تلقي شيئا من الضوء على هذا النبي الموعود به كأنها تشرح العبارة الأولى فتخبرنا بأن الله تعالى يخرج لبني إسرائيل نبيا من إخوتهم. وواضح أن إخوة بني إسرائيل ليسو بني إسرائيل، فيكون حينئذ من العِناد أن يدعي اليهود بأن النبي الموعود به منهم لا من غيرهم.
وها هو موسى عليه الصلاة والسلام يخبرهم في أواخر تِيههم أربعين سنة في الأرض بمن سيعبرون بهم فيقول لهم حسب ما أمره ربُه سبحانه: "أنتم مارّون بتُخوم إخوتكم بني عيسو الساكنين في سعير".[1] فهذه العبارة تدل على أن إخوة بني إسرائيل ليسوا هم بني إسرائيل أنفسَهم، بل لا يعقل في أي لسان في الدنيا أن يقال لإنسان ما: خذ هذا المال وأَعطه أخاك ثم يأخذه لنفسه محتجا بأن أخاه هو نفسُه، وعينُه بذاته، بل إن أخا الإنسان هو غيرُه ولا يمكن أن يكون هو نفسَه.
فتحتّم إذن أن يكون النبي الموعود به من غير بني إسرائيل، بل لابد أن يكون من إخوة بني إسرائيل.
وقبل أن ننظر في التوراة لنعرف من هم إخوة بني إسرائيل المذكورون، نحاول أن نكمل باقيَ الإشارات والصفات المتعلِّقة بالنبي الموعود بظهوره.
فهو نبي مثلُ موسى عليه السلام. ولابد من تحديد هذه المِثليّة، هل هي مثلية من حيث الجسم أو النسب أو النبوة أو المُلك أم ماذا؟
نبحث في التوراة فنجدها تتحدث عن وفاة موسى عليه الصلاة والسلام فتقول: ولم يقم بعدُ نبيٌّ في إسرائيل مثلُ موسى الذي عرفه الرب وجها لوجه.[2] فهذه صريحة في أنه لم يقم بعده نبي مثله فيهم. فدلت هذه الفقرة على أن من قام بعده من الأنبياء كيوشع بن نون وداود وصموئيل ودانيال وغيرهم من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لم يشاركوه في تلك المثلية، بل ولو شاركوه فيها لم يكن أحد منهم مقصودا بتلك النبوة لأنهم جميعا من لَدُن يوشع إلى عيسى ابن مريم عليهم الصلاة والسلام من بني إسرائيل، وقد تبين لنا آنفا أنه لابد من أن يكون من غيرهم.
ولو نظرنا في بني عيسو فإننا لا نعرف نبيا ظهر فيهم على وجه اليقين، إلا بشرط أن يكون الروم من بني عيسو حقا، وأن يكون أيوب عليه الصلاة والسلام من الروم، ولكنه كان قبل موسى فلا يجوز أن يكون هو الذي بشرت به التوراة، فلم يبق إلا بنو إسماعيل وهم إخوة بني إسرائيل.[3]
وإليك باقيَ القرائن التي تؤيد كونَه من بني إسماعيل عليه الصلاة والسلام:
· البركة التي بارك بها موسى رجلُ الله بني إسرائيل قبل موته فقال: جاء الربُّ من سَيناءَ،[4] وأشرق لهم من سَعير، وتلألأ من جبل فاران.[5]
إنه معروف أن سيناءَ طُورٌ، أي جبل عظيم، وهو الجبل الذي كلم الله تعالى منه موسى. فيفهم السامع على الفور من هذه الكلمة الأخيرة التي نطق بها موسى مخاطبا بني إسرائيل بأنها آخر وصيّة يُذَكِّرهم بها ميثاقَ الله تعالى الذي أخذه عليهم، ويَعظهم حتى يثبتوا على الدين الصحيح وعلى الشريعة اللتين أتاهم بهما، فيَذكُر بأن الله تعالى جاء من سيناء، وذلك حين أوحى إلى موسى ما أراده. ثم بعد المجيء أشرق، وإشراق المجيء بعد مجيئه أعظم وأبلغ في ظهوره من مجرد المجيء وحده. وإن كان الفعل "أشرق" ماضيا إلا أنه يدل على المستقبل كما يدل على الماضي، ولا مشاحّاة في هذا. فتكون كلمة موسى على هذا دالّة على أن الله تعالى كان سيوحي إلى غيره من الأنبياء، وأن ساعير كانت ستكون مَهبِطَ الوحي.
وقد جاء عند ياقوتَ: "سعير أو ساعير قريةٌ من الناصرة بين طَبَريّةَ وعَكّا".[6] وسواء أكان ما ذكره ياقوت صحيحا أو خطأ، متفقا عليه أو مختلفا فيه، فإن سعير نجدها من خلال العهد القديم لا تخرج عن منطقة بلاد الشام. وأعظم حادث وقع في بلاد الشام بعد نزول الوحي على موسى عليه الصلاة والسلام في طور سيناء هو خروج المسيح عليه الصلاة والسلام نبيا مرسلا من الله تعالى. فيكون هو الأليق أن يذكره موسى في آخر حياته حتى يكون موضوعَ الوصية الأخيرة التي يجب اتباعها والعمل بما فيها بعد وفاته. وقد ذكر من علماء المسلمين ابنُ القَيِّمِ أن ساعير قرية معروفة هناك إلى يومه ذاك. وأن لها جبالا تسمى ساعير.[7]
ومن القرائن التي تقوي كونَ المقصود بأن الله أشرق من سعير بمعنى مجيء المسيح أنه ذكر في البداية مجيء الله ثم ذكر إشراقه ثم ذكر تلألؤه. وهذا الترتيب المذكور في هذا الكلام المنسوب إلى موسى ترتيب وقع في التاريخ كما جاء في العهد القديم.
وكون مكان موسى جبلا، وكون فاران كذلك جبلا قرينة تدل على أن المقصود من سعير الجبل أيضا، إذ هو مذكور جبلاً في العهد القديم في الكلام المنسوب إلى الله تعالى بأنه قال لبني إسرائيل: لا أعطيكم من أرضهم ولا وطأةَ قدمٍ لأني لعيسو قد أعطيت جبل سعير ميراثا.[8]
ولم يبق بعد هذا إلا جبل فاران.[9] وفاران مذكور في العهد القديم على أنه برية في سيناء، وعلى أنه البرية التي نشأ فيها إسماعيل عليه الصلاة والسلام.
أما فارانُ سيناءَ فلم يرد في التوارة ولا في الإنجيل ولم نقرأ ولم نسمع في التاريخ البشري أن حدثا عظيما كإنزال وحي ورد فيها.
وأما البرية التي أسكنها إبراهيمُ -عليه الصلاة والسلام- إسماعيلَ وهاجرَ فهي مذكورة نصا في التوراة بقولهم: "وفتح الله عينيها فأبصرت بئر ماء. فذهبت وملأت القِربة ماءً وسقت الغلام. وكان الله مع الغلام فكبر. وسكن في البرية وكان ينمو راميَ قوس. وسكن في برِّيّة فاران. وأخذت له أمه زوجة من أرض مصر".[10]
ومعروف بالتواتر التاريخي أن إسماعيل سكن في مكة حَوالَيِ المكان الذي توجد فيه الكعبة الآن، فتكون فاران المذكورة هنا هي مكةَ، ويكون رسول الله محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم هو الرسولَ المبشر به في بشارة موسى عليه السلام أيضا مثلما كرَّر عيسى عليه السلام البشارة به بعد ذلك.
وهذه البشارة المنسوبة إلى موسى عليه السلام تشبه ما ذكره الله تعالى مقسِما: (والتين والزيتون وطور سينين وهذا البلد الأمين) (التين 95/1-3). فالتين والزيتون مَنبَتهما وأرضهما القدس التي ظهر فيها المسيح عليه السلام. وطور سيناء مكانُ تَلَقي موسى الوحيَ. وأما البلد الأمين فهو مكة وفيها الكعبة التي بناها إبراهيم وإسماعيل كما تَلَقَّى ذلك العربُ في الجاهلية والإسلام كابرا عن كابر، وقرنا بعد قرن.
· ومن القرائن التي تقوي ما ذكرناه عن جبل فاران وأن الوحي نزل فيها ما جاء عن حَبَقُّوق: جاء الله من تِيمانَ والقُدّوسُ من جبل فاران.[11]
وتِيمان اسم عبري يعني "جهة اليد اليمنى أو إلى جهة الجنوب"[12] باعتبار أن الواقف في أرض كنعان وينظر جهة الشرق يكون الجنوب إلى جهة اليمنى. وهي لفظة تقابل اليمن في العربية لأن اليَمَن يمينُ الواقف إذا نظر إلى الشرق لأَنها تلي يَمينَ الكعبة كما قيل لناحية الشأْم شأْمٌ لأَنها عن شِمال الكعبة. وقال النبي صلى الله عليه وسلم -وهو مُقْبِلٌ من تَبُوكَ-: الإيمانُ يَمانٍ والحكمة يَمانِيَة. وقال أَبو عبيد: إنما قال ذلك لأَن الإيمان بدا من مكة لأَنها مولد النبي صلى الله عليه وسلم ومَبعَثه ثم هاجر إلى المدينة. ويقال: إن مكة من أَرض تِهامَةَ، وتِهامَةُ من أَرض اليَمن، ومن هذا يقال للكعبة يَمَانية. ولهذا سُمِّيَ ما وَلِيَ مكةَ من أَرض اليمن واتصل بها التَّهائمَ فمكة على هذا التفسير يَمَانية فقال الإيمانُ يَمَانٍ على هذا. وفيه وجه آخر أَن النبي صلى الله عليه وسلم قال هذا القول وهو يومئذ بتَبُوك، ومكّةُ والمدينةُ بينه وبين اليَمن، فأَشار إلى ناحية اليَمن وهو يريد مكة والمدينة، أَي هو من هذه الناحية. ومثلُ هذا قولُ النابغة يذُمُّ يزيد بن الصَّعِق -وهو رجل من قيس-:
وكنتَ أَمِينَه لو لم تَخُنْهُ، ولكن لا أَمانَةَ لليمَانِي.
وذلك أَنه كان مما يلي اليمن.[13]
فترى من هذا التعريف أن ما جاء في سفر حبقوق ينطبق تماما على النبي صلى الله عليه وسلم، فإن الله تعالى إذا تلألأ من جبال فاران فقد جاء من اليمن بعد أن كان الوحي يأتي من الشام وهي شأمٌ أي شِمالٌ تقابل اليمين، واليمنُ ومكة على هذا الاعتبار يمين. ويكون مجيء القدوس من فاران هو ظهور النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إذن. والقدوس عبارة وردت في التوراة في حق هارون عليه السلام في سفر المزامير: "وحسدوا موسى في المحلة، وهارون قدوسَ الرب".[14]
· ومن القرائن أيضا ما جاء في بشارة إشعياء: 1 هو ذا عبدي الذي أَعضُده، مختاري الذي سُرَّتْ به نفسي. وضعتُ روحي عليه فيُخرج الحق للأمم. 2 لا يصيح ولا يرفع صوته ولا يُسمِع في الشارع صوتَه. 3 قصبةً مرضوضةً لا يقصف، وفتيلة خامدةً لا يطفئ. إلى الأمان يخرج الحق. لا يَكِلّ ولا يَنكسِر حتى يضع الحق في الأرض، وتنتظرُ الجزائر شريعته. هكذا يقول الله الرب ... 6 أنا الرب قد دعوتُكَ بالبِرِّ فأمسك بيدك وأحفظك وأجعلك عهدا للشعب ونورا للأمم. 7 لتفتحَ عيونَ العُمي، لتخرج من الحبس المأسورين، من بيت السجن الجالسين في الظلمة. أنا الرب ... والحديثات أنا أخبركم بها، قبل أن تنبُتَ أعلمُكم بها. لتََرفعِ البرِّيّةُ ومدنُها صوتها، الديار التي سكنها قِيدارُ. ليتَرَنَّمْ سكانُ سالعَ، من رؤوس الجبال لِيهتِفوا.[15]
هذه نبوءة من إشعياء عما كان سيحدث فيما بعد من عظائمَ تُغَيِّر العالم. فهو يتحدث عن عبد لله تعالى يُظهره الله سبحانه ليقيم به الحق والعدل ويغيث الملهوفين ويرحم الضعفاء، فينير للناس كلِّهم الطريق الذي ارتضاه الله عز وجل لهم. ويذكر من صفاته أنه دَمِث هادئ لا يصيح في الأسواق كما يفعل كثير من البدو وأهلِ القفار حين ينزلون بالمدن. ويبشر على وجه الخصوص من دون سائر الأمم الديارَ التي سكنها قيدار، وسكانَ سالع كأنه يشير إلى أنه سيظهر فيهم، أو يرحل إليهم أو يرحلون إليه فيجتمع بعضهم ببعض، أو أنهم أكثر الناس استفادة من دعوته واستجابة له، أو أكثرُ الناس انتظارا له، أو لمِيزة أخرى جعلتهم مخصوصين بالذكر. وإلا فما الداعي للتخصيص وهو نبي منتظَر يَخرج لكل الأمم؟! فلننظر مَن هو "قيدار" وما هي "سالع"؟ ولْنحاول أن نربط بما مر سابقا لننظر مدى مطابقة هذه البشرى على محمد بن عبد الله رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أما قيدار فإنه مذكور في العهد القديم حيث قيل: "13 وَهَذِهِ أَسمَاءُ بني إِسْمَاعِيلَ حَسَبَ مواليدهمْ: نَبَايُوتُ بِكْرُ إِسْمَاعِيلَ، وَقِيدَارُ وَأَدَبْئِيلُ وَمِبْسَامُ، 14 وَمِشْمَاعُ وَدُومَةُ وَمَسَّا، 15 وَحَدَارُ وَتَيْمَا وَيَطُورُ وَنَافِيشُ وَقِدْمَةُ. 16 هَؤُلاَءِ هُمْ بَنُو إِسْمَاعِيلَ، وَهَذِهِ هِيَ أَسْمَاؤُهُمْ حَسَبَ دِيَارِهِمْ وَحُصُونِهِمْ، وَقَدْ صَارُوا اثْنَي عَشَرَ رَئِيساً لاثْنَتَيْ عَشْرَةَ قَبِيلَةً. 17 وَمَاتَ إِسْمَاعِيلُ وَلَهُ مِنَ الْعُمْرِ مِئَةٌ وَسَبْعٌ وَثَلاَثُونَ سَنَةً، وَلَحِقَ بِقَوْمِهِ. 18 أَمَّا ذُرِّيَّتُهُ فَقَدِ انْتَشَرَتْ مِنْ حَوِيلَةَ إِلَى شُورَ الْمُتَاخِمَةِ لِمِصْرَ فِي اتِّجَاهِ أَشُّورَ، وَكَانَتْ عَلَى عَدَاءٍ مَعَ بَقِيَّةِ إِخْوَتِهَا".[16]
فيكون قيدار إذن من أبناء إسماعيل عليه السلام، والمعروف بالتواتر التاريخي -كما أسلفنا- أنه عاش في مكة وقد مر علينا آنفا أن برية فاران هي مكة. ولم يَطرُق الدنيا كلَّها عامة ومكةَ خاصة حادث أعظم -كما قال ابن القيم- من مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم[17] لا قبل نبوءة إشعياء ولا بعدها. فبمن تُبَشِّر نبوءتُه إذن إن لم تبشر بخاتم النبيين؟! وأبناء قيدار كذلك عاشوا في مكة وما حواليها وفي المدينة وبقية الحجاز.
وأما سالع فإننا لم نجد في المعاجم موضعا بهذا الاسم. لكن المؤرخين العرب وأصحاب المعاجم العربية ٍيذكرون سَلْعا على أنه جبل أو موضع بالقرب من المدينة، وعلى أنه حصن بوادي موسى بالقرب من بيت المقدس.[18]
أما الحصن الذي بالقرب من بيت المقدس، فإن بيت المقدس وإن كان مكانا طاهرا ومقدسا فإنه لا ينبغي أن يكون مقصودا بالذكر هنا لأننا بيّنّا آنفا أن البشرى تتحدث عن نبي يظهر في الحجاز، في مكة وما حولها. وهذا النبي الموعود به يُخرَج للناس جميعا، بخلاف ما جاء عن المسيح عليه السلام أنه قال حين جاءته المرأة الكنعانية مستنجدة به ليَشفي لها ابنتها -والله أعلم بصحته-: "لم أُرسَل إلا إلى خراف بيت إسرائيل الضالة".[19] كما أنه لم يكن له حكم معروف على الناس. وحين سأله بيلاطس الوالي: أأنت ملك اليهود؟ أجاب -حسب ما جاء في أناجيل النصارى- أنت تقول![20] فهو لم يثبت لنفسه مُلكا ولم يكن مَلِكا، ولم يكن له حكم قاهر.
أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو كما جاء عنه في كتب الحديث والسِيَر والتاريخ لم يَكِلَّ ولم ييأس حتى نصب موازين الحق في الأرض ودق حصون الجبابرة، وعروش الشرك، وتوسعت أرض المسلمين في الجزيرة العربية وخارجَها، فكان نبيا حاكما، جاهد باللسان والسيف. وأما المسيح عليه الصلاة والسلام فلم يرفع سيفا ليقاتل به فيما نعلم. وكيف كان سيفعل ذلك وهو وسط أمة قاسية القلب، تحرف أوامر الله تعالى ونواهيه لتوافق أهواءها، ثم بعد ذلك تسعى لتقتل الأنبياء كما شهد بذلك المسيح نفسُه؟!
والنبي صلى الله عليه وسلم هاجر بعد خروجه من مكة إلى المدينة، وسلع جبل قريب من المدينة كما ذكرنا. ولا نعرف في التاريخ حادثا مر عليه أكبَر من مجيء النبي صلى الله عليه وسلم إليه وقتالِه الأحزابَ المجتمعين ضدَّه في غزوة الخندق من يهودٍ ومن مشركي العرب.[21]
وعلى هذا كله يكون معنى "لِيَتَرَنَّمْ سكان سالِعَ" لِيُسبح اللهَ سكانُ سَلعِ لأن نبيا في آخر الزمان سيجيء إليهم ويعسكر في ذاك المكان ليُعليَ كلمة الله، فما أعظم حظَهم لفوزهم بلقائه ورؤيته.
ولْنذكر مما بقي لدينا من قرائن تقوي تفسيرنا هذا: فقد وردت نبوءة عن النبي الموعود به في آخر الزمان وما كان سيلاقيه من اضطهاد من الذين يردون دعوته ففيها:
· 13 نُبوءةٌ بشأن شِبه الجزيرة العربية: سَتَبَيتينَ في صَحارَى بلاد العرب يا قوافلَ الدَدانيّين، 14 فاحملوا يا أهل تَيماءَ الماء للعطشان، واستقبلوا الهاربين بالخبز 15 لأنهم قد فروا من السيف المسلول، والقوس المتوَتِّر، ومن وَطيس المعركة. 16 لأنه هذا ما قاله ليَ الرب: في غُضون سنة مماثلة لسنة الأجير يَفنى كلُّ مجد قيدار، 17 وتكون بقيةُ الرُماة الأبطالُ من أبناء قيدار قلةً لأن الرب إلهَ إسرائيل قد تكلم.[22]
والددانيون هم ذرّيّة دَدانَ من نسل إبراهيم الخليل عليه السلام من قَطورةَ.[23] وقطورة غيرُ سارة وغيرُ هاجر، فلا يكونون لا إسرائيليين ولا إسماعليين لأن بني إسرائيل من نسل سارة، وبنو إسماعيل من نسل هاجر رحمهما الله تعالى. وإنما الذي يعنينا في مقالتنا هذه ذكرُه أهلَ تَيماءَ وأمرُه إياهم بحمل الماء للعطشان الهارب من السيف المسلول، وذكرُه فناء مجد قيدار. فما هي تَيماء ومن هم أهل تيماء؟
وتَيماءُ بلد صغير بين الشام ووادي القرى، يُشرف عليها الأَبلَقُ الفَرد، وهو حِصنُ السَّمَوأَلِ بن عادِياء اليهودي، فلذلك كان يقال لها تيماءُ اليهوديِّ.[24] ولما كان عمر أخرج يهود خيبرَ وفَدَكَ ولم يُخرج أهل تيماء ووادي القرى لأنهما داخلتان في أرض الشام ويُرى أن ما دون وادي القرى إلى المدينة حجاز و ما وراء ذلك من الشام.[25]
ونستطيع أن نفهم الآن أن أهل تيماء قد يكونون هم اليهودَ الذين كانوا ينتظرون مقدَم نبي آخر الزمان صلى الله عليه وسلم، فلذلك يأمرهم هذا النص بملاقاة العطشى الذي فروا من السيف. وإذا استعرضنا التاريخ وجدنا هؤلاء الفارين من السيف هم المسلمين الفارّين بدينهم من بغي مشركي قريش وعدوانهم، فليس هؤلاء الفارون سوى المهاجرين ومن كان مثلَهم.
ولكننا إذا فكرنا فيمن مَدَّ يدَ النصر لهؤلاء المهاجرين وجدناهم سكان المدينة الذين عُرفوا في القرآن بالأنصار. أما اليهودُ، سكانُ تيماء المأمورون بنصرهم فلم يكن منهم استجابةٌ للرسول الجديد المنتظَر صلى الله عليه وسلم، بل كان الغالبُ عليهم معاداته.
وهؤلاء الأنصار -وهم سكان المدينة- كانوا مشركين قبل الإسلام، فلم يكونوا على شيء حينئذ، بخلاف اليهود المنزل عليهم كتاب من السماء. ولعل السبب في ذكر أهل تيماء دون سكان المدينة في هذا النبوءة أنهم أقرب إلى المسلمين من المشركين عَبَدة الأوثان فيكونون أولى بنصر المسلمين واتباع النبي الجديد لمعرفتهم به أكثرَ من غيرهم.
بل إن هؤلاء اليهود لم يتجمعوا حوالي المدينة في تيماء وغيرها إلا لانتظاهرم نبيا يظهر من تلك النواحي. والشعراء اليهود الفصحاء الذين استوطنوا المدينة وأطرافها منهم أهلُ تيماء وشاعرُهم المشهور السَمَوْأل بن عادِياءَ تواترت أخبارهم وأشعارهم عند الأخباريين العرب بما يشهد بصريح العبارة لترقبهم موعد خروج نبي جديد، إلا أنه لما ظهر من بني إسماعيل حسدوه وكفروا به إذ كانوا يطمعون أن يكون من بني إسرائيل.
والله أعلم أن لو كان من بني إسرائيل لردوا عليه دينه لأنه كان سيتبع الحق الذي يوحى إليه من ربه ولكان هذا مخالفا لأهوائهم.
وقد جاء ذكرُ قيدار في هذه النبوءة، وعرفنا من هو. ولو طبقناها على محمد بن عبد الله رسول الله صلى الله عليه وسلم لوجدنا أن المسلمين المهاجرين حين فروا من سيوف قريش إلى المدينة استقبلهم الأنصار بما يملكون وواسَوهم بالمال والديار حتى آثروهم على أنفسهم. وبعد سنة من تلك الهجرة الكبيرة المباركة التقى الجمعان جمع المسلمين من أهل المدينة من مهاجرين وأنصار، وجمع المشركين من قريش في موضع بدر فهزم المسلمون الكفار وهم قليلو العدد وحتى العُدة، فكان هذا النصر متلوا بنصر بعده نصر إلى أن فتحت مكة. وذلك أن القرشيين المشركين كانوا قد ذلوا بعد تلك الهزيمة مِن طرف مَن كانوا يحتقرونهم ولا يتوقعون منهم مثل تلك الغلبة، ولم يبق منهم بعد فتح مكة إلا من بين مذعن مهادن أو مؤمن بالحق أو فار إلى مكان بعيد عن عيون المسلمين. وهذا من أعظم النصر الذي يظهر كون من جاء بهذا الدين مؤيَّدا من قِبَل رب العالمين الذي أرسل من قبل إبراهيم وموسى وعيسى وسائر الرسل عليهم الصلاة والسلام.
هذا كله إن لم يكن المقصود بأهل تيماء سكانَ المدينة أنفسَهم دون غيرهم من اليهود. والله أعلم.
· وجاء أيضا في العهد القديم: 1 ما أحلى مساكنَك يا رب الجنود! 2 تشتاق، بل تتوق نفسي إلى ديار الرب. قلبي ولحمي يهتفان بالإله الحي. 3 العصفور أيضا وجد بيتا والسُنونة عُشا لنفسها حيث تضع أفراخها، مذابحَك يا رب الجنود، مَلِكي وإلهي. 4 طوبى للساكنين في بيتك أبدا يسبحونك. سِلاه. 5 طوبى لأناس عزُّهم بك. طرق بيتك في قلوبهم. 6 عابرين في وادي البكاء يصيِّرونه يَنبوعا. أيضا ببركاتٍ يُغَطُّون مُورة. 7 يذهبون من قوة إلى قوة. يُرَون قُدّامَ صِهيَون.[26]
هذه نبوءة تتحدث عن بيتٍ لله تعالى يُعبَد فيه، ويَشتاق إليه بنو قُورَحَ الذين يَترنَّمون. وسنحاول أن نستخرج المقصود من هذه النبوءة على ضوء النبوءات الأخرى.
تمر في هذه الكلمة القصيرة بعض الألفاظ التي قد تلقي الضوء على المقصود من الإصحاح هي: مساكن، وديار الرب، وبيتك، ووادي البكاء، وصهيون. والعبارات الأخرى التي قد تكون من الأهمية بمثل هذه لعلها تظهر في حينها تبعا للمعنى المستخرج.
ولعل أبين عبارة نراها هنا هي: وادي البكاء. وتَرِد بالعبرية المشكولة، أعني التي تُحَدَّد بالحركات، هكذا: בְּעֵמֶק הַבָּכָא. وتُقرأ: بعيمق هبَكّا. وتعني: وادي بَكا. وتُتَرجِمها بعضُ الألسنةِ اللاتينيةِ الأصلِ كالإنكليزية والفرنسية إلى: Valley of Baca أو Vallée de Baca. فنرى أن الوادي المذكور ورد اسمه "Baca" مكتوبا بحرف كبير، وهم يكتبون الحرف الأول من جميع أسماء الأعلام كالأماكن حرفا كبيرا ليدل على كونه علما.
ولا نجد لفظة: "Baca" أو “Baka” واردة في الكتاب المقدس بكلا عهديه إلا مرة واحدة في هذا الإصحاح، ولا نجدها في غيره.[27] ونحن نعلم أن الله تعالى ذكر بكة في كتابه الكريم فقال: (إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين) (آل عمران 3/96). ونعلم أن اللسان العبري الذي كتبت به التوراة مشابه للسان العربي حتى كأنهما لسان واحد. فالفرق التركيبي في الاسم بين بكا وبكة لا يغير من المسمى. فها هو موسى بالعربية يُنطَق موشى عند العبريين، وعيسى المذكور في القرآن بهذا الاسم يُعرف عند الآراميين أو العبريين بيشوع، وهكذا ... وبكة هي موضع الكعبة، وما حول الكعبة كله باقي مكة البلدِ الحرام.[28] وفي مكة تقام شعائر الحج الذي يأتيه الناس من كل أنحاء العالم على اختلاف ألسنتهم وألوانهم مشتاقين لرؤية الكعبة كما يشتاق إليها المتحدث عنها في هذا الإصحاح.
وبنو قورح أصحاب هذه الابتهالات هم الذين يشتاقون هنا إلى مساكن الرب. وبنو قورح على أغلب الظن عاشوا بعد وفاة موسى عليه الصلاة والسلام وبعد دخول بني إسرائيل القدس أو الأرض المقدسة، أي أورشليم. فإن كان الأمر هكذا فإنه لا داعي لأن يشتاقوا إليها وهم فيها. فلا بد أن يكون شوقهم إلى ديار هم بعيدون عنها. وهذه الديار التي نعنيها لا تكون إلا مكة في هذه الحال.
وقوله: "طرق بيتك في قلوبهم" هو في بعض الترجمات كترجمة WEB: "طرق حجك في قلوبهم". ولهذا قالت بعض المعاجم عن بعض المواضع بأنها لا تُعرف، وبأنه يُظن بها أنها أماكن يمر بها الحجاج في طرقهم إلى الحج، ولكنهم يقصدون الحج إلى بيت المقدس، وليس إلى مكة.
ومن القرائن الدالة على ما نقول ما جاء في الإصحاح أنهم يُصَيِّرون وادي بكة يَنبوعا، وليس في وادي بكة إلا بئر زمزم. والحجاج إذ حضروا الحج بعشرات الآلاف ليشربوا لم يتركوها عينا صغيرة، بل صيروها كالينبوع مثلما ذكر هنا.
وأما مورة المذكورة هنا فقد جاء ذكرها في مواضع أخرى مع ذكر إبراهيم عليه الصلاة والسلام. وأما في هذا الموضع فذكرها غيرُ أكيد إذ يمكن أن يقرأ النص بحسب قواعد اللغة العبرية كما يلي: (أيضاً ببركات يكسبه المطر المبكر) فالنص العبري ينطق هكذا:
Gam berachoth yaateh moreh [29]
حيث أن كلمة مورة في اللغة العبرية تعني المطر أو رامي السهم أو المعلم أو التعاليم، فلو نظرنا في ترجمة الآباء اليسوعيين نجد أنهم ذكروا النص هكذا (فيجعلونه ينابيع ماء لأن المشترع يغمرهم ببركاته)، أما الترجمة العربية المشتركة فترجمتها هكذا: (فيجعلون عيون ماء بل بركاً يغمرها المطر)، أما كتاب الحياة فقد ترجمها هكذا: (ويغمرهم المطر الخريفي بالبركات). والرأي الجازم في هذه المسألة تورده دائرة المعارف الكتابية في حرف الميم، مادة [مورة]، يذكر أن تل مورة لم يذكر بالاسم إلا في سفر القضاة 7/1، ولم يذكر بالاسم مرة أخرى في الكتاب المقدس بأكمله، وبالتالي فإن ما ذكر في النص محلِّ الخلاف لا يتكلم لا من قريب أو من بعيد عن تَلِّ مُورة.[30]
وترد في النص لفظة: صِهيون. وتكتب بالعبرية الحديثة: צִיּוֹן، وتقرؤ: تْسِيون. وتفسرها بعض معاجم الكتاب المقدس بأن من معانيها:
An Arabic root s-w-n (under 1910), to protect, defend, which may give Zion the meaning of fortress. Others (says TWOTOT: Theological Wordbook of the Old Testament) suggest derivation from a root saha, be bald.[31]
أنها مشتقة من أصل عربي، من مادة: [صون] التي تعني الصيانة والمحافظة والمدافعة. فهي على هذا تعطي صهيون معنى حصن. ويقترح آخرون (TWOTOT) اشتقاقها من مادة:: [حصص] التي ترد بمعنى الصَلَع.
والظاهر أنهم أخطؤوا حين كتبوا: saha وهم لعلهم يقصدون: hasa لأن الصواب أن الأصلع يقال له: أَحَصّ وليس أَصَحّ. ويقال للصحراء التي لا تُنبت شيئاً مثلَ الرأس الأَصْلَعِ حَصَّاءُ مثل الرأس الأَحَصّ.[32]
وكلا المعنيين يناسب مكة أو الكعبة فالمعنى الأول –وهو معنى الحصانة- فهو يصدق على مكة، فإنها مُعتصَم للناس وملجأٌ وأمنٌ كالحصن الحصين مثلما ذكر الله تعالى عنها بقوله: (وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا) (البقرة 2/125). وفي دعاء إبراهيم: (وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا) (البقرة 2/125). وقال الله تعالى عن مكة رادا على كفار قريش ادعاءهم الباطل بأنهم يخافون غيرهم ممن حولهم إن هم اتبعوا الإسلام: (وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا أو لم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء) (القصص 28/57). بل لقد كان الخائف الفار ممن يطارده يلجؤ إلى مكة ويعتصم بالبيت، بل كان طالبو الثأر يرون مطلوبهم ماثلا أمام أعينهم ولا يتعرضون له بسوء حتى يخرج منها أو يجدوا حلا آخر لأنفسهم. وسيأتي بعد قليل ما فعل الله بأصحاب الفيل حين جاؤوا بجيش عرمرمٍ ليهدِموا الكعبة.
وانظر -أيها القارئ- إلى ما يؤكد معنى الحصانة في هذه اللفظة أنه قد سُمِّي باسم صهيونَ حصنٌ حصين من أعمال سواحل بحر الشام من أعمال حمص لكنه ليس بمشرف على البحر وهي قلعة حصينة مكينة في طرف جبل.[33]
أما المعنى الثاني: الأَحَصّ، أي الذي لا زَرع فيه من الأرض كالرأس الأصلع، فهو أيضا مناسب لمكة لأنها واد غير ذي زرع كما ذكرها إبراهيم عليه الصلاة والسلام فيما قص الله تعالى علينا خبره بأنه قال: (ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة) (إبراهيم 14/37).
وهؤلاء الذين يُرَون قُدّام صهيون إنما يُرون قدام الكعبة يطوفون بها، فهي صهيون بهذا المعنى مثلما أن بيت المقدس أو العين التي فيه تسمى أيضا صهيون.[34]
ولعله مما يصلح أن يبين أن المقصود بصهيون هنا غيرُ بيت القدس ما جاء عند ميخا:
· "ويكون في آخر الأيام أن جبل الرب يكون ثابتا في رأس الجبال ويرتفع فوق التلال وتجري إليه شعوب وتسير أمم كثيرة ويقولون هَلُمَّ نصعدْ إلى جبل الرب وإلى بيت إله يعقوب فيُعَلمَنا من طرقه ونَسلُكَ سبلَه لأنه من صهيون تخرج الشريعة ومن أورشليم كلمةُ الرب".[35]
فها هو يذكر أن في آخر الأيام، أي في آخر الزمان، -وقد جاء رسولنا صلى الله عليه وسلم في آخر الزمان- سيكون جبل الرب ثابتا. ويذكر صهيون ويصفها بأنه منها تخرج الشريعة وبأن من القدس تذاع كلمة الرب. ولعل المقصود بهذا الجبل جبل عرفات الذي يقف عنده الحجاج في موسم الحج.
ولعل المسيحَ عيسى ابنَ مريم عليه الصلاة والسلام يُصَدِّق هذا بقوله: "يا امرأةُ صدقيني! إنه تأتي ساعة لا في هذا الجبل ولا في أورشليم تسجدون للأب".
والظاهر أن المقصود باليَنبوع بئر زمزم، لا نرى غيرَه. فهو البئر الذي رزقه الله تعالى هاجر لتشرب منه مع وابنِها إسماعيلَ صلى الله عليه وسلم. وهي التي استأذنتها قبيلة جُرهمَ الثانية للاستفادة منه فأذنت لهم رحمها الله.
وقد ذُكِر لصهيون معنًى آخرُ قيل عنه إنه من معانيه الأصلية، وهو أنها المكان المقدس أو المجتمع الديني الخالص، كما ورد في القاموس الإنجليزي للكتاب المقدس.[36] وعليه قد يكون المعنى أيضا: يُرون قدام الله في الأرض المقدسة لأن مكة أقدس أرض عند المسلمين، وفيها تُؤدَّى مناسكُ الحج. وهذا أيضا معنى موافق كل الموافقة لمكة والكعبة. وقد يكون المعنى أيضا: يُرَون قدّام الله في المجتمع الديني الخالص أو في مجتمع ديني خالص. وعلى هذا فالإصحاح يتحدث عن الحجاج الوافدين إلى مكة المجتمعين كلُّهم ليدخلوا في مجتمع ديني خالص لا يقصدون سوى أداء عبادة الحج.
ونزيد الآن من العهد الجديد ما قد يكون قرينة تقوي كون المقصود بصهيون هنا الكعبة أو مكة وليس بيت المقدس وإن كان كل منهما مكانا مقدسا للعبادة. وهذه القرينة ما قاله بطرس لأهل غلاطية:
· قولوا لي أنتم الذين تريدون أن تكونوا تحت الناموس. ألستم تسمعون الناموس؟ فإنه مكتوب أنه كان لإبراهيم ابنان: واحد من الجارية والآخر من الحرة. لكن الذي من الجارية ولد حسب الجسد. وأما الذي من الحرة فبالموعد. وكل ذلك رمز لأن هاتين هما العهدان، أحدهما من جبل سيناء الوالد للعبودية الذي هو هاجر لأن هاجر جبل سيناء في العربية. ولكنه يقابل أورشليم الحاضرة، فإنها مستعبدة مع بنيها. وأما أورشليم العليا التي هي أمنا جميعا فهي حرة. لأنه مكتوب: افرحي أيتها العاقر التي لم تلد. إهتفي واصرخي أيتها التي لم تتمخض، فإن أولاد الموحشة أكثر من التي لها زوج.[37]
يشير بطرس هنا إلى ما ورد في سفر إشعياء:
"ترنمي أيتها العاقر التي لم تلد. أشيدي بالترنم أيتها التي تَمخض لأن بني المستوحشة أكثر من بني ذات البعل قال الرب. أوسعي مكان خيمتك ولْتُبسَط شقق مساكنك لا تمسكي. أطيلي أطنابك وشددي أوتادك لأنك تمتدين إلى اليمين وإلى اليسار، ويرث نسلُك أمما ويُعمِر مدنا خربة. لا تخافي لأنك لا تَخزين. ولا تخجلي لأنك لا تستحين. فإنك تنسين خزيَ صَباك، وعارُ ترملك لا تذكرينه بعد لأن بعلك هو صانعك ربُّ الجنود ..." إلى أن يقول: "بالبر تثبتين بعيدة عن الظلم، فلا تخافين، وعن الارتعاب فلا يدنو منك. ها إنهم مجتمعون اجتماعا ليس من عندي. من اجتمع عليك فإليك يسقط. هاأنذا قد خلقت الحداد الذي ينفخ الفحم في النار ويُخرج آلة لعمله، وأنا خلقت المهلِك ليَخرِب. كلُّ آلة صُوِّرت ضدك لا تنجح، وكل لسان لا يقوم عليك في القضاء تحكمين عليه".[38]
والمأمورة بالترنم هنا هي سارة رحمها الله زوجةُ إبراهيم الخليل صلى الله عليه وسلم لأن المستوحشة، أي هاجر التي هي جاريته وليست زوجتَه، سيكون لها أبناء أكثر من الزوجة. وهاجر كانت تعيش كما هو معروف في التاريخ المتواتر في برية فاران، أي في مكة مع ابنها إسماعيل عليه الصلاة والسلام، ومن نسله جاء قريش الذي سميت به القبيلة جارة البيت الحرام أو الكعبة. وعليه يكون المخاطب في هذا الإصحاح هو مكة وسكانها بنو إسماعيل من العرب المستعربة من قبيلة جرهم الثانية التي سكنت هناك منذ أن أذنت لهم هاجر بمجاورتها حول بئر زمزم.
ومعلوم أن مكة كانت منذ أقدم الأزمان مكانا مَحمِيّا وآمنا إلا ما تعرضت له في أحيان نادرة فإنه شاذ لا يصح أن يطعن في القاعدة التي تقضي بأنها كانت ملجأ لمن يطلب السلام. وقوله: "كل آلة صُوِّرَت ضدَّك لا تنجح" يعبر عن هذا، وأبرهة الحبشي الذي قصدها ليدمرها أهلكه الله تعالى، فكان شاهدا على وعد الله بحمايته لها كما سنرى بعد سطور.
هذا، وإنه ليمكن استخراج الكثير من النبوءات المتعلقة برسالة رسولنا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم إذ لم يأت الدنيا كلها خبر أعظم من ظهوره ومن الكتاب الذي جاء به ومن تعاليمه ومن انتصاره على أعدائه نصرا بعد نصر. ولكن لعلنا نزيد واحدة، وإن كنا لا نجزم بكونها تدل فعلا على ما يمكن أن نستخرجه، وإنما نذكرها استئناسا بها وزيادة على ما مضى تبيينه. هذه النبوءة هي:
· حلقه حلاوة وكله مشتهيات. هذا حبيبي، وهذا خليلي يا بنات أورشليم.[39]
ويكتب هذ النص بالعبرية الحديثة هكذا:
חִכּוֹ, מַמְתַקִּים, וְכֻלּוֹ, מַחֲמַדִּים; זֶה דוֹדִי וְזֶה רֵעִי, בְּנוֹת יְרוּשָׁלִָם.
ويقرؤ هكذا: حيكُّو مَمتَكيم، ويخُلُّو مَحَمَديم، زي دودي وزي رعي بنوت ياروشالييم.[40]
وهكذا يكتب في العبرية القديمة غير المشكولة:
חכו ממתקים וכלו מחמדים זה דודי וזה רעי בנות ירושלם.
والعبرية إذا شُكِلت، أي أضيفت إلى حروفها الحركات قرئت لفظةُ מַחֲמַדִּ هكذا: مَحمَد. وإذا لم تضف إليها الحركات صارت تكتب هكذا: מחמד وقرئت: "م ح م د" دون أن يتحدد لها نطقٌ يدل على شيء، فيمكنك حينئذ أن تقرأها: مَحمَد وتعني: مَحمَدة، أي صفة حميدة أو محمودة، فهي إذن صفة. وإذا قرأتها: مُحَمَّد كانت اسم عَلَم تعني الإنسان الذي يكثره الناس من حمده وحمد صفاته، وتكون حينئذ اسما ينطبق على رسولنا صلى الله عليه وسلم.
أما لفظة: ים التي تقرأ: ايم فلها معنيان في العبرية: فهي علامة على الجمع كقولهم مِصراييم أي مصريون أو شِعريم، أي الأشعار جمع شِعر ... كما تكون صفة تعني: عظيما. وعلى هذا إذا جعلناها علامة على الجمع صار المعنى: وكله محامد، أي كله صفات حميدة. وإذا جعلناها صفة كان المعنى: وكل صاحب هذه الصفات هو محمد العظيم.
ونشيد الأنشاد سفر يتحدث عن امرأة تذكر محاسن رجل تحبه وتنعته صفةً صفةً بكل ما فيه، ثم تنهي مدحها له بقولها: وكلُّه، أي كل ما مر من صفات هي لمحمد العظيم.
ولكن بعض الباحثين ينازع في كون نشيد الأنشاد من أسفار التوراة إذ ليس فيه عبارات تدل على عبادة أو تحث على خلق قويم يرضي الله وينفع في الدنيا والآخرة أو موعظة ترقق القلوب كالذي نجده في بعض الأسفار وفي مواعظ المسيح عليه الصلاة والسلام. وسوءا أكان الأمر إثباتا أو نفيا فإن ما مضى من بشارات كاف جدا لكل من تدبر وفكّر وكان منصفا يطلب الحق وينشد طريق الله القويم. من أجل هذا فإننا لا نريد أن نخرج بنتيجة في هذه المسألة الآن فلا نزيد على ما ذكرناه.
--------------------------------------------------------------------------------
[1] العهد القديم، التثنية 2/4.
[2] التثنية 34/10.
[3] هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى لابن قيم الجوزية 1/88.
[4] شبه جزيرة صحراوية تابعة لمصر تقع بين السعودية ومصر من الغرب وتطل على البحر الأحمر من الجنوب. وفيها جبل الطور.
[5] العهد القديم، سفر التثنية 33/1.
[6] معجم البلدان لياقوت الحموي، مادة [ساعير].
[7] هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى 1/53، 67.
[8] العهد القديم، سفر التثنية 2/5.
[9] ويقال لجبل فاران بالعبرية: هار باران. وتنطق باران بإخراج نفَس مع الباء مثل حرف الـ P اللاتيني تماما.
[10] العهد القديم، سفر التكوين 21/21.
[11] العهد القديم، حبقوق 3/3.
[12] القاموس الموجز للكتاب المقدس. ط 2، 1992. مكتبة كنيسة الأخوة. ص 94.
[13] لسان العرب لابن منظور، مادة [ي م ن].
[14] العهد القديم، سفر المزامير 106/16.
[15] العهد القديم، سفر إشعياء 42/1-11. هذه النبوءة تشبه ما جاء في صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب 3 (إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا) قال: حدثنا عبد الله بن مسلمة قال حدثنا عبد العزيز بن أبي سلمة عن هلال بن أبي هلال عن عطاء بن يسار عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن هذه الآية التي في القرآن: (يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا). قال في التوراة: يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا وحرزا للأميين. أنت عبدي ورسولي. سَمَّيتُك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب [بمعنى صخاب] بالأسواق، ولا يدفع السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويصفح. ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء، بأن يقولوا لا إله إلا الله فيفتح الله بها أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا.
[16] العهد القديم، سفر التكوين 25/13-18.
[17] هداية الحيارى لابن القيم 1/52.
[18] لسان العرب، مادة [سلع] ؛ معجم البلدان لياقوت، مادة [سلع].
[19] العهد الجديد، متى 15/24.
[20] العهد الجديد، متى 27/11.
[21] سيرة ابن كثير 3/197؛ تاريخ الطبري 2/93؛ البداية والنهاية لابن كثير 4/102؛ تاريخ ابن خلدون 2/440؛ سيرة ابن حبان 1/254؛ عيون الأثر في المغازي والسير لابن سيد الناس 2/84؛ تاريخ الإسلام للذهبي 1/239.
[22] العهد القديم، إشعياء 21/13-17.
[23] القاموس الموجز للكتاب المقدس. ط 2، 1992. مكتبة كنيسة الأخوة. ص 94.
[24] معجم البلدان لياقوت، مادة [تيماء].
[25] سيرة ابن كثير 3/412 ؛ تاريخ الإسلام.
[26] العهد القديم، المزمور الرابع والثمانون، 1-7.
[27] Kutsal Kitap Dizini (Geniş Kapsamlı). Kitabı Mukaddes Şirketi, İstanbul, 2004.
[28] أنظر إن شئت في تفسير الطبري للآية.
[29] والنص بالعبرية الحديثة، أي مشكولا بالحركات: גַּם-בְּרָכוֹת, יַעְטֶה מוֹרֶה. ويقرؤ تقريبا هكذا: كام بيراخوت يَعتي مُوري.
http://www.mechon-mamre.org/p/pt/pt2684.htm
[30] في مقال لناصح أمين يرد على القس رفعت فكرت سعيد الذي كان رد على سعد زغلول في جريدة الأهرام. وكننا نظن أن الموقع قد تم توقيفه:
http://www.algame3.com/vb/showthread.php?t=1210&page=1
[31] http://www.abarim-publications.com/Arie/Names/Zion.html
[32] لسان العرب، مادة [صلع].
[33] معجم البلدان، مادة [صهيون].
[34] تاج العروس، مادة [صهو].
[35] العهد القديم، ميخا 4/1-2.
[36] http://www.55a.net/firas/arabic/index.php?page=show_det&id=723&select_page=1
[37] العهد الجديد، رسالة بولس إلى أهل غلاطية 4/21-27. وفي نسخة أخرى من الإنترنت: 25 ولفظةُ هاجرَ تُطلَق على جبل سَيناء في بلاد العرب، وتمثل أورشليم الحالية، فإنها مع بنيها في العبودية، وهذه الترجمة تتوافق مع ترجمة تركية منزلة من الإنترنت وتتوافق مع أخرى مطبوعة من طرف شركة الكتاب المقدس المذكورة آنفا هي:
Hacer, Arabistan'daki Sina Dağı'nı simgeler. Şimdiki Yeruşalim'in karşılığıdır. Çünkü çocuklarıyla birlikte kölelik etmektedir.
وعندنا ترجمة أخرى فرنسية منزلة من الإنترنت أيضا معناها هو: لأن هاجر جبل سيناء في بلاد العرب، وهي تقابل أورشليم الحالية الواقعة في العبودية مع بنيها.
Car Agar, c'est le mont Sinaï en Arabie, -et elle correspond à la Jérusalem actuelle, qui est dans la servitude avec ses enfants.
[38] العهد القديم، سفر إشعياء 54/ ما بين 1 و 17.
[39] العهد القديم، نشيد الأنشاد 5/16.
[40] هذه الكتابة هي التي نراها أقرب إلى عبرية ذاك الزمن قبل أن تتغير بسبب احتكاكها بالألسنة اللاتينية المختلفة عنها اختلافا كبيرا.
تبشير العهدين برسول الله صلى الله عليه وسلم 3

![{ipb.vars['home_name']}](style_images/zajil/main.gif)
تبشير العهدين برسول الله صلى الله عليه وسلم 3
