أما الحديث الذي ذكرتَه في سؤالك عن حلق المجوسيين لحيتَيهما وإعفائهما عن شاربيهما فقبل أن أذكر لك مظانه أنبهك إلى أن أصله جاء في الصحيح، أورده البخاري من طريق ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أن عبد الله بن عباس أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بكتابه رجلا وأمره أن يدفعه إلى عظيم البحرين، فدفعه عظيمُ البحرين إلى كسرى فلما قرأه مزقه. فحسِبت أن ابن المسيب قال: فدعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُمَزَّقوا كلَّ مُمَزَّق.[1]
وليس فيها شيء من ذكر الرجلين المجوسيين كما ترى، ولا حتى إرسال كسرى إلى ملك اليمن ليرسل هو بنفسه رجلين جلدين يأتيانه برسول الله صلى الله عليه وسلم. ووردت في مصنفات أخرى هي:
روى البيهقي في دلائل النبوة أصل القصة ثم قال:
قال محمد بن إسحاق: وقد دخلا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد حلقا لحاهما وأعفيا شواربهما فكره النظر إليهما وقال: ويلكما من أمركما بهذا؟ قالا: أمرنا بهذا ربُّنا، يعنيان كسرى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لكن ربي قد أمرني بإعفاء لحيتي وقص شاربي.
ورواها الطبري بإسناده[2] من طريق محمد بن إسحاق عن يزيد بن أبي حبيب مرسلا. ونقل عنه ابن كثير في السيرة النبوية[3] ذاكرا إسناد الطبري بعينه.
وذكر ابن سعد في الطبقات الكبرى[4] بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم الرسل بأسانيده المتعددة، ولكن هذه الزيادة عن الرجلين المجوسيين الحالقين القاصين لم يسندها، ولكن ذكرها بغير إسناد.
ونقل في موضع آخر القصة مختصرة بسند مرسل، وفيها ذكر مجوسي واحد وليس اثنين.[5] وذكر الألباني أنها رواية مرسلة، وقال عنها إن سندها صحيح، وأظنه يعني صحيحا إلى عبيد الله بن عبد الله. وذكر أن ابن بشران وصلها في أماليه، فرجعت إليه فوجدته يرويها مسندة إلى أبي هريرة.
ولكن عدم رواية أيٍّ من المحدثين المتقدمين إياها مما يبعث على الشك الذي يفضي إلى ردها، لأن المحدثين المتقدمين أين كانوا حتى ذُهِلوا عنها فلم يرووها وتركوها فأين كان المحدثون المتقدمون حتى تركوها إلى ابن بشران المتأخر عنهم. إلا أن الألباني –فيما أظن- لا يعد هذا علة قادحة في الحديث لأنه يمشي على طريقة أن زيادة الثقة مقبولة دائما أو مطلقا. والله أعلم.
وبعد هذا أقول سواء صحت أم لم تصح فإن الذي يعنينا في مقامنا هذا الحديثُ عن إعفاء اللحية وقص الشارب. والأمر بإعفاء اللحية وبقص الشارب قد ثبت بطرق صحيحة إليك البعض منها مما يكفيك:
عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بإحفاء الشوارب وإعفاء اللحى.[6] وعند البخاري بلفظ: خالفوا المشركين وَفِّروا اللِّحى وأَحفُوا الشوارب.[7]
وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من الفطرة قص الشارب.
وعن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر من الفطرة قص الشارب وإعفاء اللحية والسواك واستنشاق الماء وقص الأظفار وغسل البراجم ونتف الإبط وحلق العانة وانتقاص الماء قال زكرياء قال مصعب ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة. زاد قتيبة: قال وكيع: انتقاص الماء يعني الاستنجاء.[8]
وأنت سواء رجحت صحة الرواية التي ذكرتها أو ضعفها فلا فرق إذ كل ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم شرع من عند الله تعالى لا يرضى سبحانه بغيره، وما يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما يفعله عن أمر أو إذن ورضا من الله تعالى.
--------------------------------------------------------------------------------
[1] البخاري، كتاب العلم، باب ما يذكر في المناولة وكتاب أهل العلم بالعلم إلى البلدان، وكتاب الجهاد والسير، باب دعوة اليهود والنصارى وعلى ما يقاتَلون عليه وما كتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى كسرى وقيصر والدعوة قبل القتال، وفيه: "حرقه" بدل "مزقه"، وفي كتاب المغازي، باب كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى كسرى وقيصر، وفي كتاب أخبار الآحاد، باب ما كان يبعث النبي صلى الله عليه وسلم من الأمراء والرسل واحدا بعد واحد؛ ورواه أحمد.
[2] في تاريخ الملوك والأمم: 2/296 من المكتبة الشاملة.
[3] 3/509 من المكتبة الشاملة وذكر أنه موافق للمطبوع.
[4] ما كان يبعث النبي صلى الله عليه وسلم من الأمراء والرسل واحدا بعد واحد. 1/259-260. من المكتبة الشاملة.
[5] هذه الرواية لم أهتد إليها بنفسي رأسا، ولكني وجدت الألباني ذكرها في رده على البوطي.
[6] مالك، كتاب الجامع، باب السنة في الشعر؛ ورواه مسلم وأبو داود وغيرهم.
[7] كتاب اللباس، باب تقليم الأظافر.
[8] مسلم، كتاب الطهارة، باب خصال الفطرة؛ وأبو دواد؛ والترمذي؛ وابن ماجه؛ وأحمد.
سؤالي عن إعفاء اللحية، أي عدم حلقها. هل حكمه الوجوب أو الاستحباب؟ وأنا

![{ipb.vars['home_name']}](style_images/zajil/main.gif)
سؤالي عن إعفاء اللحية، أي عدم حلقها. هل حكمه الوجوب أو الاستحباب؟ وأنا ...


سؤال الفتوى :