أصولنا

بسم الله الرحمن الرحيم

إن الله تعالى قد أنزل الكتاب الذي لا ريب فيه[1] والذي فيه بيان كل شيء وتفصيله[2] على خاتم أنبيائه[3] الذي أرسله تعالى إلى كافة الناس[4]، وأمره أن يتبع هذا الكتاب[5] ويبلغه[6] وأعلمه أنه إن لم يبلغه فلا يكون مبلغا رسالته[7]. وبين تعالى في آية أنزلها أخيرا أنه قد أكمل لنا ديننا في هذا اليوم[8]، وأتم علينا نعمته ورضي لنا الإسلام دينا[9]. فلنا كتاب واحد هو القرآن الكريم، كما أن لنا ربا واحدا هو الله تعالى.

وإن الرسول صلى الله عليه وسلم قال بأمر الله تعالى إياه: "إن أتبع إلا ما يوحى إلي"[10] والموحى إليه القرآن[11]. وقال صلى الله عليه وسلم في يوم نزول آخر الآيات إليه [12] وفي مكان النزول (يوم عرفة و في ساحة عرفات) للناس جميعا: "وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به، كتاب الله"[13] ثم سأل الناس في هذه الخطبة المشهورة قائلا "ألا هل بلغت؟" فأجابوا كلهم أجمعون: "نعم" فقال صلى الله عليه وسلم: "اللهم اشهد! اللهم اشهد! اللهم اشهد!"[14] ثم توفي صلى الله عليه وسلم بعد زمن قليل[15].

فنشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بلغ الرسالة وأدى الأمانة و نصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده، وترك لنا ميراثا واحدا يتوقف نجاتنا الدنيوية والأخروية على الإعتصام به، وإنما هو القرآن الكريم الذي جعله الله تعالى معجزة خالدة له صلى الله عليه و سلم. فلا بد لنا من الإستمساك به كما استمسك به صلى الله عليه و سلم.

وأما العلماء الذين خلوا من قبلنا فنحسب أنهم لم يألوا جهدا في خدمة الإسلام وتركوا لنا مواريث قيمة، نحن نستفيد منها، ولكن نأخذ الأحكام الشرعية من المرجع الوحيد لنا هو كتاب ربنا. حتى إننا ننظر إلى الكتب التي يذكر فيها الأقوال والأفعال المنسوبة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم (كتب الأحاديث) على ضوء القرآن الكريم. لأننا لم ننس ولن ننسى أن هذه الكتب قد كتبها الناس بعد مرورعدة قرون من وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، وأن الناس قد يصيبون وقد يخطئون. وأن القرآن الكريم قد أنزله الله رب العالمين وحفظه من أيدى الحاقدين منذ نزوله إلى الآن، ولا يزال  يحفظه إلى يوم القيامة[16].

فعلى هذا ندعوا المسلمين جميعا إلى الإعتصام بالقرآن معرضين عن غيره ونلتمس منهم لاسيما العلماء أن ينبهونا إلى أخطائنا التي وجدوها تحت ضوء القرآن.


[1] – البقرة 2/2.

[2] – النحل 16/ 89، يوسف 12/111.

[3] – الأحزاب 33/40.

[4] – السبأ 34/28، الأعراف 7/158

[5] – الأنعام6/106، يونس 10/109،الأحزاب 33/2.

[6] – آل عمران 3/144، المائدة 5/99، النور 24/54، العنكبوت 29/18، الرعد 13/40.

[7] – المائدة 5/67.

[8] – يوم نزول هذه الآية.

[9] – المائدة5/3.

[10]– الأنعام 6/50، الأعراف 7/203، يونس 10/15، الأحقاف 46/9.

[11] – الإنسان 75/23.

[12] – "اليوم أكملت لكم دينكم…" المائدة 5/3.

[13] – (صحيح مسلم الحج، باب حجة النبي صلى الله عليه وسلم. أبو داود المناسك، باب صفة حجة النبي صلى الله عليه وسلم ).

[14] – صحيح مسلم الحج، باب حجة النبي صلى الله عليه وسلم. أبو داود المناسك، باب صفة حجة النبي صلى الله عليه وسلم.

[15] –  توفي صلى الله عليه وسلم  في اليوم الثاني من الشهر الثالث (ربيع الأول) سنة الحادية عشرة من الهجرة (الرحيق المختوم، الصحيفة 431 ). و ألقى خطبة الوداع في اليوم التاسع من الشهرالثاني (ذوالحجة) سنة العاشرة من الهجرة (صحيح مسلم الحج، باب حجة النبي صلى الله عليه وسلم). فعلى هذا يكون قد مضى ثلاثة أشهر و يومان بالقمرية بين إلقائه هذه الخطبة و بين وفاته صلى الله عليه و سلم.

[16] – الحجر 15/9.