عدد الصَّلوات المكتوبة في اليوم والليلة
حبل الله > الصلاة > الفتاوى تاريخ النشر: 20/11/2019 Tavsiye Et Yazdır
السؤال: من المسلَّمات لدينا كمسلمين أنَّ عدد الصلوات المكتوبة هي خمس في اليوم والليلة، ومع ذلك سمعت مؤخَّرا من يقول بأنَّ الصَّلوات المكتوبة ثلاثة وليس خمسة، ويحتجون بالآية 114 من سورة هود. فهل ما ذهبوا إليه يحتملُ الصواب، أم هناك خطأ في فهمهم للآية؟ أرجو بيان المسألة .

الجواب: يقول الله تعالى: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ} (هود 114)

يأمر الله تعالى في الآية بإقامة الصَّلاة طرفي النَّهار وزلفاً من الليل. وقد كان النَّهار في زمن التَّنزيل يُطلق على الوقت ما بين طلوع الشَّمس إلى مغيبها، لكنَّه قد بدأ _بتقدُّم الزمان_ تحميل مصطلح النَّهار معنى جديدا، باعتبار مبدئه بطلوع الفجر وانتهائه بمغيب الشَّمس.

ولأنَّ هذا التَّعريف مخالفٌ لما تعاهده العرب الذين نزل القرآن بلسانهم ابتدعوا توصيفا جديدا للنَّهار، حيث بدؤوا يطلقون عليه “النَّهار الشَّرعيّ”. وما أن انتقل هذا التَّعريف إلى كتب التَّفسير والفقه حتى انهار الأساس الذي بُني عليه فهم الآيات المتعلَّقة بأوقات الصَّلوات، وأصبحت الآيات ذات الصَّلة غير مفهومة.

يقول الطّبريُّ في تفسيره على الآية: “صلاة أحد الطرفين من ذلك صلاة الفجر، وهي تصلى قبل طلُوع الشّمس. وصلاةُ الطرف الآخر المغرب، لأنَّها تُصلى بعد غُروب الشَّمس” انتهى.

وبهذا التفسير الذي زعم الطبري أنَّ العلماء قد أجمعوا عليه وما شذَّ عنه إلا يسيرٌ جعل الآية غير ذات صلة بالنَّهار أصلا، ذلك أنَّ الفجر والمغرب ليسا بجزءين من النَّهار لا في اللغة ولا في المنطق.

كما ترى فإنَّ التَّفسير المشهور للآية قد خرج بها عن المألوف اللغوي والمنطقي ممَّا أدَّى إلى تدحرج الأخطاء حتى ظهر من قال بأنَّ الصَّلوات في اليوم الليلة هي ثلاثة وليس خمسة، وهو كما ترى خطأ أشدُّ من سابقه.

إنَّ مراعاة اللسان العربي في وقت التَّنزيل مهمٌّ للغاية لفهم القرآن والاستفادة من أحكامه وعبره ومواعظه، ذلك أنَّ الله تعالى قال:

{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} (إبراهيم 4)

وبحسب لسان ذلك القوم فإنَّ النَّهار هو الوقت ما بين طلوع الشّمس إلى مغيبها كما أسلفنا. و “طرفي النهار” أي جزأيه، ذلك أنَّ الطَّرف يُطلق على جزء الشيء. فهذا القسم من الآية يأمر بإقامة الصَّلاة في جزأين من النَّهار. والآية 78 من سورة الإسراء تُبين أنَّ الجزء الأول الذي ينبغي أن تقام فيه الصلاة الأولى (الظهر) هو زوال الشمس عن كبد السماء:

{أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ (الزوال) إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} (الإسراء 78)

وتُبيِّن الآية 39 من سورة ق أنَّ الصَّلاة الثَّانية (العصر) تُؤدَّى قبل غروب الشَّمس:

{فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ (الفجر) وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (العصر)} (ق 39)

وهكذا يظهر أنَّ الصَّلاتين المأمور بأداهما في جزأين من النَّهار همَّا الظُّهر والعصر.

وقولُه تعالى {وزلفا من الليل} تدلُّ على مسألتين هامَّتين:

الأولى: كلمة “زلفا” جمع زلفة، والزُّلفة في لسان العرب تعني طائفة الليل القريبة من النَّهار.

الثانية: أنَّ “زلفا” جاءت بصيغة الجمع، ولا يقع الجمع على أقلِّ من ثلاثة، وإذا أطلق الله الأمر بصيغة الجمع فإنَّ ما يقع في ذمَّة المُكلَّف أقلُّ ما يقع عليه الجمع، وهو الثَّلاثة.

نفهم مما سبق أنَّ أوقات الصَّلاة في الليل ثلاثة، وهذه الأوقات يجب أن تكون قريبة من النَّهار، وهي المغرب والعشاء والفجر، فيكون المغرب أوَّل صلاة الليل ويكون الفجر آخرها.

ويُعرف قربُ الوقت من النَّهار بوجود أثر الشَّمس في الليل؛ فيُصلى المغرب من غروب الشَّمس إلى مغيب الشَّفق الأحمر، وهذه هي الزُّلفة الأولى. ويُصلَّى العشاء من مغيب الشّفق الأحمر إلى مغيب الشَّفق الأبيض (غسق الليل)، وهذه هي الزلفة الثانية، وبمغيب الشفق الأبيض ينتهي أثر الشَّمس في الليل.

ثمَّ يعود أثر الشّمس في الليل من جديد بظهور الخيوط البيضاء الأولى للفجر وتمتدُّ إلى الفجر الصّادق، وهذه هي الزُّلفة الثّالثة التي هي وقت السَّحر وتُسمَّى بالفجر الكاذب.

ثمَّ يشتدُّ أثر الشَّمس في الليل ليظهر الفجر الصَّادق، وهو الأحمر المعترض في الأفق الشرقي الذي يعلوه بياضُ الفجر ويظهر سواد البرِّ من تحته، وهذه الزُّلفة الثَّالثة التي يُمسك فيها الصَّائم ويبدأ بها وقت صلاة الفجر، وتنتهي بطلوع الشمس، وعندها ينتهي الليل ويبدأ النهار.

وقد كان جبريل عليه السلام يعلم نبيَّنا الحكمة الموجودة في القرآن[1]، ومن ذلك تعليمه الصَّلاة في أوقاتها،  فعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

“أمَّني جبريل عليه السلام عند البيت مرَّتين، فصلَّى بي الظهر حين زالت الشَّمسُ وكانت قدر الشّراك، وصلّى بي العصر حين كان ظلُّه مثله، وصلَّى بي يعني المغرب حين أفطر الصَّائم، وصلَّى بي العشاء حين غاب الشَّفق، وصلى بي الفجر حين حرم الطَّعام والشَّراب على الصَّائم، فلمَّا كان الغد صلَّى بي الظُّهر حين كان ظلُّه مثله، وصلَّى بي العصر حين كان ظلُّه مثليه، وصلَّى بي المغرب حين أفطر الصَّائم، وصلَّى بي العشاء إلى ثلث الليل، وصلَّى بي الفجر فأسفر” ثمَّ التفت إليَّ فقال: “يا محمد، هذا وقت الأنبياء من قبلك، والوقت ما بين هذين الوقتين”.[2]

كما ترى فإن الحديث يمثل الحكمة المستخرجة من مجموع الآيات ذات الصلة، ويمثل التطبيق العملي لما دعا إليه القرآن فيما يتعلق بأوقات الصلاة.

وللمزيد حول هذا الموضوع ننصح بقراءة مقالة أ.د عبد العزيز بايندر (أوقات الصلاة في القرآن الكريم) على هذا الرابط  http://www.hablullah.com/?p=1591

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]  يدل على ذلك قوله تعالى {عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى} (النجم 5)

[2]  سنن أبي داود، باب الصلاة رقم الحديث: 393؛ سنن الترمذي المواقيت، 1.

Facebook'ta PaylaşTwitter'da Paylaş

تعليقك على الموضوع  
التعليق *
* ضرورة إدخال هذا الحقل باللغة العربية

الموضوعات ذات الصلة بهذا الموضوع