معنى كلمة الرَّسول في القرآن الكريم
السؤال: قرأت في موقعكم أنَّ كلمة الرَّسول تأتي بمعنى القرآن الكريم، لكنَّ هناك آيات تأتي فيها كلمة الرسول في سياق الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، مثل قوله تعالى (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك) المائدة 67، فكيف يستقيم بعد ذلك أن يقال إن الرسول بمعنى القرآن؟

الجواب: كلمة الرَّسول من (رسل) الراء والسين واللام أصل واحد مطرد منقاس، يدل على الانبعاث والامتداد[1]. وتحمل الكلمة في اللغة معنيين اثنين، كما جاء في لسان العرب: والرَّسول: اسْمٌ مِنْ أَرْسَلْتُ وَكَذَلِكَ الرِّسَالة[2] .

وقد وردت الكلمة في القرآن لتدلَّ على ما يلي: النَّبيّ المرسل، ورسول النَّبيِّ، وجبريل، والملائكة المكلَّفين بمهامَّ محدَّدة، والرسالة (القرآن). وكما ترى فإنَّ الاستعمال القرآني لهذه الكلمة لم يخرج عن معناها اللغوي، ويمكنني توضيح ذلك بالنَّقاط التَّالية:

1_ الرَّسول النَّبيّ: يقول الله تعالى: {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} (الأحزاب 33/ 40) فالنَّبيُّ رسولٌ بالضَّرورة لذلك كان كلُّ نبيٍ رسولا، أي رسول الله إلى الخلق، وهو بهذا الوصف أعظم الرُّسل من البشر. وهناك آيات كثيرة تأتي فيها كلمة الرسول بمعنى النبي الذي نزلت عليه رسالة الله تعالى، والآية التي سقتها في سؤالك واحدة منها.

2_ رسول النَّبيِّ: معلومٌ أنَّ النَّبيَّ لا يمكنه أن يبلِّغ رسالة الله لكلِّ النَّاس بنفسه، فيقتضي منه أن يبعث رسلا يبلِّغون رسالة الله إلى الأماكن البعيدة، كرُسل نبيِّنا إلى ملوك وأمراء زمانه، وهؤلاء الرُّسل ليسو بأنبياء يوحى إليهم، وإنما يحملون الوحي الذي نزل إلى الأنبياء الذين ابتعثوهم.

وقد جاء في سورة يس ذكرٌ لمثل هؤلاء الرُّسل، الذين كانوا رسلا للمسيح عليه السلام.

{وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ. إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ} (يس 13-14)

3_ الرَّسول جبريل: يقول الله تعالى: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ. ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ. مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ} (التكوير 81/  19- 21) والرسول هنا جبريل عليه السلام في أصحِّ الأقوال لانطباق الصِّفات المذكورة عليه، فهو القوي المكين عند العرش، كما أنَّه المطاع فيما يبلِّغ عن الله والأمين في النَّقل، ويصدِّقه قولُه تعالى مخاطبا نبيَّه الخاتم: {وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ. نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ. عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ} (الشعراء 26/ 192- 194) . وجبريل هو رسول الله إلى الأنبياء من البشر، وهو بذلك أعظم الملائكة.

4_ الرَّسول بمعنى الملك المكلَّف بمهمَّة محدَّدة. قال الله تعالى:

{الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (فاطر 35/ 1)

وهناك ملائكة لتسجيل أعمال العباد:

{أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ} (الزخرف 43/ 80).

وهناك ملائكة الموت: {حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُواْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ، قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ} (الأعراف 7/ 37)

5_الرَّسول بمعنى الذي يحمل رسالة من شخص إلى شخص آخر، كرسول ملك مصر إلى يوسف عليه السَّلام:

{وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ} (يوسف 12/ 50)

ومثله قول بلقيس ملكة سبأ: {وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ} (النمل 27/ 35)  

6_ الرسول بمعنى الرِّسالة أو القرآن، يقول الراغب الأصفهاني: “والرسول يقال تارة للقول المتحمل كقول الشاعر: ألا أبلغ أبا حفص رسولا، وتارة لمتحمَّل القول والرِّسالة”[3] وقد جاء في لسان العرب “والرَّسول: اسم من أرسلت وكذلك الرِّسالة”[4].

 وبهذا المعنى فإنَّ رسول الله قائمٌ بيننا حتى الآن، وهو كتاب الله الذي حفظه الله إلى يوم القيامة، نفهم هذا من قوله تعالى: {وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ، وَمَن يَعْتَصِم بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} (آل عمران 3/ 101) ويعني ذلك أنَّ رسول الله بيننا ما دام كتابُه يُتلى فينا، وهو الحُجَّة علينا إلى قيام السَّاعة.

ومن الآيات التي تأتي فيها كلمة الرَّسول بمعنى القرآن ما يلي:

أ_ {لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلا} (الفتح 48/ 9)

الضمير في قوله تعالى {وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا} جاء مفردا، وهذا يعني أن الله ورسوله شيء واحد وليس اثنين، لذلك لم يقل “وتعزروهما وتوقروهما وتسبحوهما بكرة وأصيلا”. والتسبيح لا يكون إلا لله سبحانه وتعالى وحده، ولا فارق بين الله وتعالى وبين كلامه، فالله تعالى أحدٌ في ذاته وفي صفاته: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}.

ب_ {يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ} (التوبة 9/ 62). وقوله تعالى {يرضوه} بضمير المفرد دلَّ على أنَّ الله ورسوله شيء واحد، ولو كان الرَّسول في الآية يعني شخص النَّبيِّ محمد لقال تعالى “أحقُّ أن يرضوهما” ولكنَّ الرَّسول هنا جاء بمعنى الرسالة (القرآن) لذا ناسب أن يكون التعبير بالمفرد الذي يدلُّ على الله تعالى وكلامه.

هذا ما استعطت رصده من معاني كلمة الرسول في القرآن، فمنَّا الجهد ومن الله تعالى التَّوفيق.

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]  مقاييس اللغة، مادة رسل

[2]  لسان العرب، مادة رسل

[3]  مفردات ألفاظ القرآن، مادة رسل

[4]  لسان العرب، فصل الراء، 11/ 284

Facebook'ta PaylaşTwitter'da Paylaş

تعليقك على الموضوع  
التعليق *
* ضرورة إدخال هذا الحقل باللغة العربية

الموضوعات ذات الصلة بهذا الموضوع