أصل البشر واحد أم مختلف؟
السؤال: هل كلُّ أفراد البشر من جنسٍ وأصلٍ واحدٍ في الأجساد والأنفس، أم أنَّ الجسد من أصل ومصدر واحد والأنفس التي تتحكم بأعضاء الجسد من مصادر مختلفة، لذلك تحدث الحروب والاختلافات والنزاعات والمنافسات بين أفراد البشر؟.

الجواب: النَّاس كلُّهم لآدم عليه السلام، الذي خلقه الله تعالى من طين الأرض ونفخ فيه من روحه، ثمَّ جعل نسله من سلالة من ماء مهين، يقول الله تعالى:

{الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ (آدم) مِنْ طِينٍ. ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ. ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ} (السجدة 7-9)

وتُنفخ الرُّوح في كلِّ جنينٍ بعد تمام خلقته في بطنِّ أمِّه كما نفخت في آدم بعد تمام خلقه، كما قال تعالى:

{وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ. ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (رحم الأم) . ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ (عند نفخ الروح فيه) فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} (المؤمنون 12-14)

وعلى هذا الأساس فالبشرُ جميعا جنسٌ واحد، لكنَّ الله تعالى خلق النَّاس مختلفين في ألوانهم وأشكالهم وقدراتهم وطرائق تفكيرهم وأمزجتهم وتوجُّهاتهم، كما بيَّنه قولُه تعالى:

{وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ. إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ، وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} (هود 118- 119)

والمقصود أمَّة واحدة مؤمنة، لكنَّ الله تعالى ترك أمر الإيمان والكفر لاختيار البشر تحقيقا لمبدأ الاختبار، فمن اختار الإيمان فقد فاز في الدَّارين ومن اختار الكفر فقد خسر خسرانا مبينا.

إنَّ الاختلاف بين آحاد البشر جزءٌ من طبيعتهم المخالفة، ذلك أنَّ أوَّلَ وصفٍ وصفَه الله تعالى لآدم قبل أن يخلقه كان بالخليفة، بقوله تعالى:

{وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً، قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ، قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} (البقرة 30)

أصل كلمة خليفة (خليف) وإضافة التاء المربوطة إليها يفيد المبالغة. وتأتي كلمة خليف كأسم فاعل، بمعنى الخالف أي من يخلف غيره ويقوم بعده. كما تأتي كاسم مفعول، بمعنى مخلوف؛ وهو الذي جاء من يخلفه من بعده، وتحمل الكلمة في طياتها معنى المخالفة، والخلافة والمخالفة يحتلان حيزا كبيرا في تركيبة البشر النفسية والعملية، فلا يدوم إنسان في مكانه بل يمضى ليقوم آخرُ مقامَه، كما أنَّك لا تجد شخصين متطابقين في كلِّ شيء، بل إن الاختلاف سمة أسياسيَّة بين آحاد البشر وجماعاتهم.

والاختلاف سيفٌ ذو حدَّين، فكما أنَّه سببٌ للتَّكامل وتبادل المنافع والمعارف هو _أيضا_ سبب لوقوع المنازعات بين الناس التي قد تتطوَّر إلى حروب وصراعات عاتية.

تحدث الصِّراعات بين البشر عند تغييب الحكمة وتغليب النَّزعة الأنانيَّة، فبدلا من أن يكون الاختلاف مصدرا للتَّنوع والتَّكامل والتَّعاون يكون حينئذ عاملا في الاقتتال والصِّراع الدَّامي، ألا ترى أنَّ أبناء الرَّجل الواحد مختلفون، إلا أن مجرد الاختلاف بينهم لا يؤدي إلى النزاع والاقتتال إلا  إذا غلبت الأنانيَّة وساد التَّحاسد وغابت الحكمة، فيقتلُ الواحدُ منهم أخاه، كما حصل مع ابني آدم عليه السلام.

فليس الصراع بين البشر نابعا من اختلاف الأصل في الأجساد أو الأرواح؛ فأجسادهم جميعا من طين الأرض الذي استمر بسلالة من مهاء مهين، كما أنَّ أرواحهم نفخة من روح الله ميَّزتهم عن بقيَّة المخلوقات الحيَّة.

Facebook'ta PaylaşTwitter'da Paylaş

تعليقك على الموضوع  
التعليق *
* ضرورة إدخال هذا الحقل باللغة العربية

الموضوعات ذات الصلة بهذا الموضوع