أركان الحجِّ في القرآن، وإلزاميَّة السُّنَّة العمليَّة
حبل الله > أصولنا > الحج > الفتاوى > المناقشة تاريخ النشر: 03/07/2019 Tavsiye Et Yazdır
السؤال: هلا بيَّنتم لنا أركان الحجِّ من القرآن؟ يُقال أن أركان الحج عرفناها من الأحاديث. وهل يحاسب الإنسان على شئ فعله الرَّسول ولم يُذكر في القرآن؟ أقصد السُّنَّة العمليَّة المتواتره؟

الجواب: تناولت الآياتُ الحجَّ وأحكامَه بالتَّفصيل، حتى إنَّها لتذكره على أنَّه معلومٌ من قبل بعثة خاتم النَّبيِّين، ذلك أنَّ أركان الحجِّ معروفة منذ عهد آدم عليه السَّلام؛ لأنَّه أولُّ من حجَّ البيت، وجميع الأنبياء من بعده حتى نوح عليه السلام قد حجُّوا البيت، وعلَّموا النَّاس أركانه وأحكامه.. وقد هُدمت الكعبة وما حولها في طوفان نوح ممَّا أدَّى إلى ضياع الأماكن التي كانت تؤدّى فيها عبادة الحجّ. لكنَّ إبراهيم عليه السَّلام الذي أمره الله تعالى بالذِّهاب إلى مكة وجد أُسُسَ الكعبة وأعاد بناءها. نتعلّم هذا من الآيات التَّالية:

{وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ. رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} (البقرة 2/ 127-128)

بعدما بنى إبراهيم عليه السلام الكعبة من جديد سأل الله تعالى أن يُريَه بقيَّة المناسك، يُفهم هذا من قوله: (وأرنا مناسكنا) كما يُفهم منها أنّ عبادة الحجِّ لم تؤدَّ في الكعبة فقط، بل كان هناك ثلاثة أو أكثر من الأماكن التي تُؤدَّى فيها عبادة الحجّ. لأنّ كلمة “المناسك” جمعٌ، والجمع في اللغة العربيّة يدلّ على ثلاثة على الأقلّ. والمناسك التي خارج الكعبة هي عرفة ومزدلفة ومنى والصَّفا والمروة.

وعندما أرى الله تعالى إبراهيم مناسك العبادة أمره بما يلي: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ. لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِير}  (الحج22/ 27-28) في الآية حرف التَّعريف “ال” الذي في بداية كلمة “بالحج” دليلٌ آخر على أنّه كان معروفاً من قبل. كما أن عدم ذكر زمن الحجّ يدلّ على أنه كان معروفاً أيضاً. ولذلك قال الله تعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} (البقرة 2/ 197) وردت كلمة “أشهر” في الآية بصيغة الجمع، لذا لا يمكن أن تكون أشهر الحج أقلّ من ثلاثة؛ لأن الجمع لا يدلّ على أقلّ من ثلاثة.

وهناك آيات أخرى تدلُّ على أنَّ عبادة الحج كانت معروفة لدى الناس قبل بعثة خاتم النَّبيِّين ومنها:

{فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُواْ اللّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ} (البقرة،200)

تشير الآية إلى وجوب ذكر الله تعالى أثناء قضاء مناسك الحج، والذِّكر الواجب هو المتوارث منذ عهد إبراهيم عليه السلام، وقوله تعالى {كَذِكْرِكُمْ آبَاءكُمْ} أي كما ذكرتم آباءكم يذكرون الله أثناء تأديتهم المناسك، وفيه الأمر بالدوام على الذكر الذي توارثه الآباء عن الأجداد من لدن إبراهيم عليه السلام.

وقد وصف القرآن الكريم الحجَّ بأنَّ أشهرَه معلومةٌ بقوله تعالى {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} (البقرة، 197) كما وصف أيامَه بأنَّها معدودةٌ بقوله تعالى {وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ} (البقرة، 203) مما يدلُّ على أنَّ الناس عرفوها قبل الإسلام.

وكذلك الإفاضة بشكلها الصَّحيح كانت معلومة لديهم قبل الإسلام، لكنَّ أهل مكة بزعمهم أنَّهم أهل البيت وخدُّامه كانوا لا يفيضون كما يفعل بقيَّة النَّاس، ولما جاء الإسلام أراد المسلمون من مكة البقاء على عهد أسلافهم بعدم الإفاضة، لكنَّ الله تعالى أمرهم بالإفاضة من حيث أفاض النَّاس بقوله تعالى {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} (البقرة، 199) يقول الزَّمخشري: “إنَّ الإفاضة من عرفات شرعٌ قديم فلا تخالفوا عنه وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ من مخالفتكم في الموقف ونحو ذلك من جاهليتكم”[1].

وقد ذكر القرآن الطَّواف بالبيت والسَّعي بين الصَّفا والمروة والوقوف بعرفة والإفاضة إلى مزدلفة والمبيت بمنى والتَّضحية يوم النَّحر، وكلُّ ذلك من أحكام الحجِّ التي طبَّقها نبيُّنا فكان القدوة الحسنة في التَّطبيق.

أما فيما يتعلَّق بالشِّقِّ الثَّاني من السُّؤال فإنَّ فعل الرَّسول المتعلِّق بتطبيق الوحي ملزمٌ شرعا، لأنَّه يمثِّل الحكمة الموجودة في القرآن، ولذلك كانت متابعته في أداء الصَّلاة والحجِّ وغير ذلك ممَّا أصَّله القرآن واجبا، وهو معنى قوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} (الأحزاب،21)

أما أفعاله وأقواله _عليه السلام_ فيما لا يتعلَّق بأمور الدِّين فإنها تقع على ضربين:

الأول: الأقوال والأفعال الشَّخصيَّة التي لا تتعلَّق بأمور الدِّين أو الإدارة، فهذا ممَّا لا يلزم متابعته فيه، لأنَّه يفعله بقرار نفسه وبناء على رغبته وليس بأمر الله تعالى له، كما أنَّه ليس في تلك الأقوال والأفعال بعدا سياسيا أو إداريا يلزم إطاعته فيها بالمعروف.

الثاني: الأقوال والأفعال المتعلِّقة بأمور الإدارة والحكم، فقد كان النَّاس مطالبين بإطاعته بالمعروف وليس مطلقا، ومنه قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (الممتحنة 12) يلاحظ قيد المعروف للطاعة، لأنَّ الطاعة هنا متعلَّقة بوصفه رئيسا للجماعة، فاقتضى أن تكون طاعته بالمعروف وليست مطلقة، ذلك أنَّ الطاعة المطلقة لا تكون إلا لله تعالى أو لرسوله فيما يبلغ عن الله.

وقد كان النَّاس في زمانه _عليه السلام_ يفرِّقون بين قوله المتعلِّق بالرِّسالة وبين أوامره المتعلِّقة بأمور الحكم والإدارة، فكان عصيانه في أمر الدِّين محظورا، ومنه قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} (الأحزاب 36)  ذلك أن طاعة الرسول فيما يبلغ عن الله هي في الحقيقة طاعة لله، يقول الله تعالى: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} (النساء80)

ومن الملاحظ استخدام لفظ الرَّسول عند لزوم الطَّاعة المطلقة، واستخدام لفظ النَّبي عند تقييد الطَّاعة بالمعروف[2]، لأنَّه بصفة الرَّسول يبلِّغ عن الله، حيث لا يمكنه أن يزيد أو ينقص من كلام الله شيئا، كما جاء في قوله تعالى {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ. لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ. ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ} (الحاقة 44- 46). أمَّا بصفة النَّبي فيأمر باجتهاده، وهو بشر يجري عليه ما يجري على جملتهم من الخطأ والنَّسيان فاقتضى أن تكون طاعته بالمعروف.

وللمزيد حول هذا الموضوع ننصح بقراءة المقالات التالية:

(الأشهر الحُرُم والكعبة والحجّ والأضحية) على هذا الرابط  http://www.hablullah.com/?p=2910

(الذِّكْر في الحجِّ)  على هذا الرابط http://www.hablullah.com/?p=1860

(الرسول مبلغ عن ربه لذا طاعته واجبة مطلقا) على هذا الرابط http://www.hablullah.com/?p=3077

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]  تفسير الزمخشري على الآية 200 من سورة البقرة

[2]  التفريق بين مصطلح النبي وبين مصطلح الرسول مهمٌّ لفهم هذه المسألة، لذا أحيل القارئ الكريم على مقالة (النبي والرسول وضرورة التفريق بين المصطلحين) على هذا الرابط http://www.hablullah.com/?p=1239

 

Facebook'ta PaylaşTwitter'da Paylaş

تعليقك على الموضوع  
التعليق *
* ضرورة إدخال هذا الحقل باللغة العربية

الموضوعات ذات الصلة بهذا الموضوع