الاعتداء على حدود الله تعالى.. ومثاله من الصوم

الاعتداء على حدود الله تعالى

ومثاله من الصوم

أ.د عبد العزيز بايندر

نبحث في هذه المقالة في مفاهيم التصديق والنسخ والتحريف، وسنُبيِّنُ كيف تمَّ تعدِّي الحدود فيها، وسنضرب في تعدِّيها مثلا، وهو الصوم، حيث سنتَّبع في فهم الموضوع منهج تفسير الآيات بالآيات الذي لخَّصه الله تعالى بقوله:

{الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ. أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ} [هود: 1، 2]

الحدُّ في اللغة: الحاجز بين الشيئين الذي يمنع اختلاط أحدهما بالآخر[1]. وقد حدَّ الله تعالى في الصوم حدودا متعلقة بكيفيَّته ووقته، ومن رُخِّص له الصومُ في غير وقته، وما أُحلَّ لهذه الأمة في ليالي رمضان، وقد بيَّن الله تعالى ذلك في أربع آيات، حيث قال في نهاية الرابعة: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا، كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} [البقرة : 187]

لقد نهى الله تعالى عن الاقتراب من حدوده، لكنَّ المسلمين مع الأسف لم يُبْقُوا حدَّاً لم يتعدُّوه!

أ – تعدِّي الحدود في التَّصديق والنَّسخ والتَّحريف

التصديق والنسخ والتحريف مصطلحاتٌ في غاية الأهمية لفهم القرآن وتبليغه وبيان علاقته بالذين أوتوا الكتاب من قبل كما سيُرى.  ولكنَّ إساءةَ فهم تلك المصطلحات جعل النَّاس بعيدين عن فهم القرآن وحلِّ مشكلاتهم على ضوئه.

1-  تعدِّي الحدود في التَّصديق

التصديق من الصِّدْق، والصِّدْق نقيض الكذب، وصَدَّقه: قَبِل قولَه[2]. والله سبحانه وتعالى قد آتى كلَّ نبيٍّ كتابا وحكمة وأخذ منهم ميثاقا، كما يُبيِّنُه قولُه تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ، قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي؟، قَالُوا أَقْرَرْنَا، قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ} [آل عمران: 81]

والله تعالى يقول في هذه الآية وفي كثير من الآيات إنه قد أنزل على أنبيائه كلِّهم كتابا وحكمة، وجعل التصديق شرطا للإيمان بالكتاب الجديد الذي أنزله على النبي الأخير محمد صلى الله عليه وسلم فقال:

{مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} [الأحزاب: 40] وجعل القرآن مصدقا لما بين يديه فقال سبحانه: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا} [الأنعام: 92]

وقوله {مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ} أي كلّ كتاب وجده أمامه، لأنَّ ما بين يدي الإِنسان كأنَّه حاضر أمامه. والذي بين يدي القرآن الكتب الموروثة من الأنبياء والموجودة بأيدي النَّاس لأن الله قال: {وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ} [فاطر: 24] فلذلك لم يذكر الله اسم أي كتاب معيِّن صدَّقه القرآن، وذلك ليشمل تصديقُه جميعَ ما أنزل من قبل، يقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ} [النساء: 47]

والذي معهم هو الموجود في حوزتهم، لذلك خاطب الله تعالى بني إسرائيل قائلا: {وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ} [البقرة: 41]

ولما كفر بنو إسرائيل وكذبوا بالقرآن أنزل سبحانه هذه الآيات:

{وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا، فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ، فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ . بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ، وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ. وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ، قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}  [البقرة: 89 – 91]

ولما أنزل الله تعالى سورة الأنعام في مكة المكرمة وعدَّد في الآيات 83-86 أسماء 18 نبيَّا أولهم بعثا نوح وآخرهم عيسى عليهم السلام قال بعد ذلك: {وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الأنعام: 87]

ويدخل في آبائهم آدم وفي ذرياتهم محمد عليهم السلام، وبذلك لم يترك نبيا من الأنبياء إلا قد أشار إليه، ثمَّ قال: {أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ} [الأنعام: 89] ثم أمر نبيِّنَا بالاقتداء بهداهم بقوله: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ” [الأنعام : 90]

ولم يجد النبيُّ محمدٌ عليه السلام بين يديه كتبا غير التوراة والإنجيل فاتَّبَعهما فيما لم ينزل إليه بعد، فتوجه _مثلا_ في صلاته شطر بيت المقدس، ولكنَّا لا نجد الآن هذا الحكم فيهما، فهو من الأحكام المخفيَّة عنَّا. ونجد في القرآن ما يبين هذه الحالة وهو قوله تعالى:

{وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ} [البقرة : 143]

ولا يمكن أن يتوجَّه النَّبيُّ إلى بيت المقدس في صلاته إلا بأمر من الله تعالى لقوله: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا. وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} [الأحزاب/1، 2]

والله تعالى يقول في كثير من الآيات إنه قد أنزل على أنبيائه كلهم كتابا وحكمة، لكن المسلمين حددوا الكتب بأربعة فقط، أمَّا الحكمة التي آتاها الله لكلِّ أنبيائه فلا يعرفون شيئا منها[3]، تلك الحكمة التي اجتهد خاتم الأنبياء محمد في تعليمها لأمته[4].

كون القرآن مصدقا لما بين يديه شرطٌ جوهري لإيمان الذين أوتوا الكتاب، لأنَّ الاحتكام للكتاب الجديد قد يُتصوَّرُ منه ضرورة ترك كتبهم التي يؤمنون أنها منزلة من الله تعالى إليهم، ومعلوم أنَّه لا يفعل ذلك مؤمنٌ بكتابه، أمَّا تصديق القرآن للكتب السابقة فهو يرفع الحرج عنهم في قبوله والاحتكام إليه، لأنَّه نسخة مصدقة لما معهم. لكنَّ المسلمين الآن يؤمنون بأنَّ الكتب الموجودة محرَّفة، ثمَّ حرَّفوا معنى التَّحريف واستعملوه بمعنى التبديل كما سيأتي. وهذا قد جعل الذين أوتوا الكتاب مُبعَدين عن الإيمان بالقرآن.

2-   تعدِّي الحدود في النَّسخ

النَّسْخُ في اللغة اكتتابك كتاباً عن كتابٍ حرفاً بحرف. تقول: نَسَخْته وانتْسَخَتْه، فالأصل نُسْخة، والمكتوب منه نسخة لأنَّه قام مقامه، والكاتب ناسخٌ ومُنْتَسِخٌ. وقال الليث: النَّسْخ أن تُزايل أمراً كان من قبل يُعمل به ثم تنسخه بحادثٍ غيره[5]. وهذا مثل اكتتابك كتابا عن كتابك القديم وتبديلك بعض المعلومات الموجودة فيه بمعلومات جديدة وإقامتك النسخة الأخيرة مقام الأولى. وهذا المعنى اللغوي قد تحقق بإقامة الله القرآن مقام كتبه كلها بقوله: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ} [المائدة /48]

وقوله: {وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ} أي رقيباً على مَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ يحفظه من التغيير ويشهد له بالصَّحة والثَّبات. وقوله: {فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ} أمر من الله تعالى لنبيِّه محمد أن يحكم بين المحتكمين إليه من أهل الكتاب وسائر أهلِ الملل بالقرآن لأنَّ الله أقامه مقام كتبه القديمة كلِّها.

وأمَّا ما قاله الليث من معنى النَّسْخ “إنه أن تُزايل أمراً كان من قبل يُعمل به ثم تنسخه بحادثٍ غيره” فهذا قد تحقَّق في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ} [الأنفال: 65] ثمَّ نسخ الله تعالى حكمَ هذه الآية وبيَّن السبب بقوله: {الْآَنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ، وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ، وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال: 66]

وقد لخَّص الله سنَّتَه في النَّسخ بقوله: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آَيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 106]

والقدير: هو الفاعل لما يشاء على قدر ما تقتضيه الحكمة، لا زائدا عليه ولا ناقصا عنه[6]، وقد بيَّن هذا بقوله: {قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا} [الطلاق: 3] فآيات القرآن كلُّها ناسخة، ومعظمها ناسخة بالمثل، وبعض آياته ناسخة بالخير، ولهذا جعله الله تعالى مهيمنا على كلِّ الكتب التي أنزلها من قبل ومصدقا لها. وقد بيَّن الله سبب نسخه بخير من الأول بأنَّه ابتلى الأمم القديمة فيما آتاهم بقوله:

{لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا، وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً، وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ، فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ، إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} [المائدة: 48]

والذي يُؤيد هذا المعنى قوله تعالى في جعله بيت المقدس قبلة:

{وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ، وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ، وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ، إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ} [البقرة: 143]

وقوله: {وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا} يُبيِّن أنَّ بيت المقدس لم يكن قبلةً من قبل. إنما جعله قبلة ليبتلي الذين أوتوا الكتاب بتحويلها إلى المسجد الحرام، لذلك قال لنبيِّنا بعد تحويلها:

{فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ، وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ، وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ. وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ، وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ، وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ، وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ}  [البقرة: 144- 145]

فكون القرآن ناسخا اقتضى أن يكون النسخة الأخيرة من كتب الله. وهذا شرط في كونه مصدقا لما بين يديه، ولكنَّ معنى النسخ قد حُرِّف أيضا كما حُرِّف الكثير من المصطلحات، فالمسلمون الآن لا يعرفون النَّسخ بالمثل ولا بخيرٍ منه. وهذا جعل النَّاس مُبعَدين عن فهم القرآن.

3-  تعدِّي الحدود في التَّحريف

التَّحريف أصله من حرف. والحرف من كل شيء طرفُه وشَفِيرُه وحَدُّه[7]. وتحريف الكلام أن تجعله على حرف من الاحتمال يمكن حَملُه على الوجهين[8]. وقد بين الله تعالى التحريف في قوله:

{مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ، وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ، وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا} (النساء: 46).

وفي هذه الآية ثلاث جمل، لكل واحدة منها معنيان متضادان يمكن حمل كل واحدة منها على الوجهين.

الجملة الأولى قولهم “سمعنا وعصينا” فمعناها الأول “سمعنا وأخذناه بقوة” والثاني “سمعنا وخالفنا أمرك” لأنَّ العصا في اللغة: العود، وعصي بالسيف: أخذه أخذ العصا[9]، روى الأصمعي عن بعض البصريين قال سُمِّيت العَصا عَصاً لأن اليَدَ والأَصابعَ تَجْتَمعُ عليها، وقال أَبو عبيد: وأَصْلُ العَصا الاجْتِماعُ والائْتِلافُ، وعَصاه بالعَصا فهو يَعْصُوه عَصْواً إذا ضَرَبَه بالعصا[10] وهو المخالفة.

والذي يؤيد معنى الأخذ بقوة قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [البقرة: 93] ولما اتخذ الله قولهم :”سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا” إجابة صحيحة على أمره قال: {خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا} فقد أعطى كلمة عصى معنى الأخذ بقوة. وقول الله: {وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ} يفيد المخالفة ما بين قولهم وما في قلوبهم من محبة العجل فلذلك قال: {قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} فمعنى {سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا} في هذه الآية: (سمعنا وأخذناه بقوة).

والذي يؤيد المعنى الثاني لعصى وهو العِصيانُ خِلافُ الطَّاعَة قولُه تعالى: {وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى} [طه: 121].

ولإمكانية التحريف في قولهم {سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا} عن معنى الأخذ بقوة إلى العصيان قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا … لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ} (النساء: 46). لأنَّه في هذه الحالة لا يمكن تحريفها، فكلمة {وَأَطَعْنَا} لا تحتمل إلا معنى واحدا.

والجملة الثانية من قول اليهود هي: “واسمع غير مسمع”. وقولهم “غير مسمع” كلام ذو وجهين . أحدهما المدح بأن يُحمل على معنى “اسمع ولا يليق أن تخاطَبَ بهذا الكلام”. والثاني الذمّ بأن يُحمل على معنى “اسمع حال كونك غيرَ مُسْمَع” كما في قوله تعالى: {إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ} [النمل: 80] ‏.ولو أنهم قالوا: “اسمع” لكان خيرا لهم؛ لأنه لا يمكن تحريفها.

والجملة الثالثة والأخيرة قولهم: “راعنا” وهو مفاعلة من الرعي بين اثنين والمراعاة: المناظرة والمراقبة[11] فيُوهِم المساواة بينهم وبين الرسول، ولو أنَّهم قالوا “انظرنا” لكان خيرًا لهم وأقوم؛ لأنَّها لا تحتمل التحريف. فلذلك نهى الله المؤمنين عن هذا القول فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [البقرة: 104]

ولأنه ليس على الرسول إلا البلاغ فعلى المؤمن السمع والطاعة. وليس في “انظرنا” إلا سؤال الانتظار، بعكس “راعنا” التي تحتمل المفاعلة وبالتالي المساواة في الحال، وقد ورد في الكتاب ما يدلُّ على وجوب تعامل الناس مع الرسول باحترام يزيد عن تعاملهم مع بعضهم بعضا كما جاء في قوله تعالى: {لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا، قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا، فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (النور 24/ 63) . كما جاء الأمر بخفض أصواتهم في حضرته بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ. إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ} [الحجرات/2، 3]

ولا يمكن أن يكون القرآن حاكما على الكتب السابقة بالتحريف بالمعنى المتداول بين العلماء، والذي هو بمعنى التبديل والتغيير، حيث أصبح التحريف بهذا المعنى مخالفا لمفهوم التصديق كما أنَّه أضحى مانعا من رؤية ما يقومون به من تحريف في كتبهم التفسيرية والفقهية. فالتحريف بمعناه الحقيقي هو حرف المعاني لما تشتهيه النفوس. وأمثلته كثيرة، كتلك التي تزخر بها كتب تفسير القرآن وترجماته إلى اللغات الأخرى، والذي يريد أن يطَّلع على مثال على التَّحريف فيكفيه أن يبحث عن تفسير الآيتين السابقتين وهما 93 من سورة البقرة  و46 من سورة النساء وترجمتهما إلى لغة غير العربية، وهذا التحريف هو تعدٍّ للحدود.

ب – الصوم كمثال في تعدِّي الحدود

والصوم في الأصل: الإمساك عن الفعل مطعما كان، أو كان كلاما، أو مشيا، ولذلك قيل للفرس الممسك عن السير، أو العلف: صائم.[12] وهذه الكلمة استعملت فى الآيات الأربعة في الصوم بمعنى الإمساك عن الأكل والشرب والجماع. وقد حدَّ الله في تلك الآيات حدودا فقال: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا} [البقرة: 187] كي لا نستحق العقوبة التي بيَّنها الله تعالى في قوله: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ} [النساء: 14] ولكنا نجد المذاهب قد اعتدوا في الصوم على كثير من الحدود في التصديق والنسخ والتحريف والتبديل والزيادة.

1- تعدِّي الحدود في التصديق في الصوم

التصديق في القرآن يعني قَبوله ما بين يديه من الكتب الإلهية. قال الله تعالى في الصَّوم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183] وقد بيَّن الله في الآية أنَّ الصوم قد فرضه على أمَّة محمد كما فرضه على الأمم من قبلهم. ثمَّ زاد في البيان وقال: {أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ} [البقرة: 184] أي صوموا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ. والعدُّ ضمُّ الأعداد بعضها إلى بعض[13]، فأيامٌ معدودات: أيامٌ مضمومات بعضها إلى بعض. والجمع في العربية أقلُّه ثلاث وليس لأعظمه حدّ،  ولكن المعدود يفيد القلَّة كقوله : {دراهمَ مَعْدُودَةٍ} [يوسف: 20]، وهذا يبين لنا أنَّ الصَّوم ليس في السَّنة كلِّها، بل في أيامٍ قليلة بالنَّسبة إلى السنَّة. ثم بين هذه الأيام بقوله: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185] وأيام الشَّهر الواحد بالنَّسبة إلى أيام السَّنة الكاملة قليلةٌ جدا.

فتبيَّن أنَّ الصَّوم الذي كتبه الله علينا وعلى الذين من قبلنا كان صوم شهر رمضان. وذلك بأن الله أنزل القرآن على خاتم النبيين وقال: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} [الشورى/13]

وقوله: “أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ” قد بيَّنه بقوله: {قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّون مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ. وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران : 84 ، 85]

وقوله تعالى في سياق أمره: “وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ” هو أمره بأن نسلم وجوهنا له غير مفرقين بينه وبين كتبه، كما بيَّنه في قوله: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا. أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا} [النساء: 150 – 151]

والرُّسل هنا الكتب؛ لأنَّ الرَّسول يأتي بمعنى الرِّسالةِ[14]، وتارة يُقال لمتحمل القول والرسالة[15]. وخلاصة هذه الأحكام كلّها جاء في قوله تعالى: {نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} [آل عمران: 3]

فتبيَّن أنَّ صوم رمضان قد كتبه الله على أنبيائه من لدن آدم إلى محمد عليهم السلام، وهذا هو النَّسخ بالمثل.

وشهر رمضان هو الشهر التاسع من شهور السَّنة القمرية. والعبارة الموجودة في التوراة في سفر إرميا 36/9 تنصُّ على أنه يجب على الذين يؤمنون بالتوراة من اليهود والنصارى أن يصوموا في شهر رمضان: “وَكَانَ فِي السَّنَةِ الْخَامِسَةِ لِيَهُويَاقِيمَ بْنِ يُوشِيَّا مَلِكِ يَهُوذَا، فِي الشَّهْرِ التَّاسِعِ، أَنَّهُمْ نَادَوْا لِصَوْمٍ أَمَامَ الرَّبِّ، كُلَّ الشَّعْبِ فِي أُورُشَلِيمَ، وَكُلَّ الشَّعْبِ الْقَادِمِينَ مِنْ مُدُنِ يَهُوذَا إِلَى أُورُشَلِيمَ[16].”

ولكنَّا لا نجد في التَّوراة التفاصيل المتعلقة في الصوم؛ لأنَّهم يخفون كثيرا ممَّا في كتابهم. قال تعالى: {قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا}  [الأنعام: 91] وقال: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ} [المائدة/15]

2- تعدّي الحدود في النسخ في الصوم

قال الله تعالى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آَيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا، أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 106]

ومثال النَّسخ بالمثل قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة : 183]

وأمَّا الآية النَّاسخة بالخير في تفاصيل الصوم فهي قوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ، عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ، فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ، وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ، ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة: 187]

وهذه الآية نسخت حكمين بالخير. الأول منهما ما في قوله تعالى: “أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصيام الرفث إِلَى نِسَائِكُمْ” والرفث هو الجماع بدلالة سياق الآية: “فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ”.

فقوله: “أُحِلَّ لَكُمْ” يُبيِّن حرمة الجماع ليلة الصيام على الأمم القديمة. وذلك بأنَّ المسلمين كانوا مأمورين بالصَّوم مثل الذين من قبلهم، وكَانُوا لَا يَقْرَبُونَ النِّسَاءَ رَمَضَانَ كُلَّهُ، وَكَانَ رِجَالٌ يَخُونُونَ أَنْفُسَهُمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ:

“عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ”[17].

والحكم الناسخ الثاني ما في قوله تعالى : “وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ” فبيَّن الله تعالى أنَّ الصوم كان يبدأ قبل هذا الوقت فنسخه الله بخير منه.

وليلة الصيام قبل النَّسخ كانت تبدأ بالغروب وتنتهي بالنَّوم . عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ أَنَّ أَحَدَهُمْ كَانَ إِذَا نَامَ قَبْلَ أَنْ يَتَعَشَّى لَمْ يَحِلَّ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ شَيْئًا وَلَا يَشْرَبَ لَيْلَتَهُ وَيَوْمَهُ مِنْ الْغَدِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ[18] فنزلت هذه الآية “أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم” ففرحوا فرحا شديدا ، ونزلت “وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر “[19].

والتَعَشِّى أكل طعام العَشاء. والعَشاء بالفتح والمدِّ الطعامُ الذي يؤكَلُ عند العِشاء.[20]

3- تعدِّي الحدود بالتحريف في الصوم

التحريف في الكلام أن تجعله على حرف من الاحتمال يمكن حَملُه على الوجهين[21]. وهو في الصوم قد أُحدث في قوله تعالى: {أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ}  [البقرة: 184]

ولإحداث التَّحريف في هذه الآية أخذوا جزءا منها وهو قوله تعالى: “وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ” [البقرة/184] ثمَّ قطعوا علاقة هذا الجزء مع أجزاء الآية الأخرى.

وقوله “يُطِيقُونَهُ” من الإطاقة، وهو في اللغة القدرة على الشيء[22]، لكنَّهم أحدثوا للكلمة معنى ثانيا؛ وهو التَّكلُّف على جهد وعسر. يقول الراغب: “والطاقة اسم لمقدار ما يمكن للإِنسان أن يفعله بمشقة، وذلك تشبيه بالطوق المحيط بالشيء”. ثم ذكر هذه الآية دليلا على دعواه: “رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ” وفسرها بقوله: “أي ما يصعب علينا مزاولته”[23].  ولو كان صادقا في دعواه لوضع موضع الطاقة “المشقة” ليكون تفسيره هكذا: “رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لا مشقة لَنَا بِهِ” ولكنَّه ترك لا النَّافية للجنس وجعل الآية هكذا: “رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ” وفسرها بقوله: “أي ما يصعب علينا مزاولته” ولو قال “ما لا يصعب علينا مزاولته”[24] لصدق في دعواه.

وقد قبل المفسرون هذا التحريف حيث يقول صاحب الكشاف في تفسير الآية: “وفيه وجهان أحدهما نحو معنى يطيقونه”. وقال: “وَعَلَى الذين يُطِيقُونَهُ ” وعلى المطيقين للصيام الذين لا عذر بهم إن أفطروا “فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ” … وكان ذلك في بدء الإسلام: فرض عليهم الصوم ولم يتعوّدوه فاشتدّ عليهم، فرخص لهم في الإفطار والفدية. والثاني يكلفونه أو يتكلفونه على جهد منهم وعسر وهم الشيوخ والعجائز، وحكم هؤلاء الإفطار والفدية وهو على هذا الوجه ثابت غير منسوخ[25].”

لا شك أن الذي جعلهم يسلكون هذا الطريق هذه الرواية: “نَزَلَ رَمَضَانُ فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فَكَانَ مَنْ أَطْعَمَ كُلَّ يَوْمٍ مِسْكِينًا تَرَكَ الصَّوْمَ مِمَّنْ يُطِيقُهُ وَرُخِّصَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ فَنَسَخَتْهَا “وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ” فَأُمِرُوا بِالصَّوْمِ[26].

وقد عدَّ العلماء كلَّ ما صحَّ سنده إلى النّبي من حديثه سنَّة، بالرغم من عدم وجود علاقة ما بين معنى السنة في كتاب الله وبين ما حملوه للكلمة من معنى، ولم يكتفوا بجعل السنة بمفهومها الجديد مصدرا للتَّشريع إلى جانب القرآن بل جعلوا “السنة قاضية على الكتاب” متناسين قول الله تعالى لنبيِّه: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ} [المائدة: 49-50]

تقسيم آية إلى أقسام شتى، وجعل بعضها ناسخ لبعضها، وتحريف معنى الطاقة، أليس بفتنة، أي ضلال عن بعض ما أنزله الله؟ ويقولون إن القسم المنسوخ هو قوله تعالى:  “وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ” [البقرة: 184] وهذا القسم يأتي بعد قوله: “فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ”. ولو أنهم لم يقسموا الآية لوجدوا أن الله تعالى لم يرخص بالإفطار في رمضان لغير المريض والمسافر وأنه _تعالى_ فرض عليهما قضاءه في أيام أُخر، حيث قال فيهما في آخر الآية :”وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ”. أما الفدية فسيأتي الكلام فيها.

هل يمكن أن يخيِّر الله المطيقين (القادرين على الصوم) بين الصوم وتركه ثم يأمر المريض والمسافر الذين أخذوا برخصة الإفطار في رمضان بقضائه في أيام أخر في نفس الآية، ثم ينسخ تخيير المطيقين بقول يفيد التخيير أيضا وهو قوله تعالى: “وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ”؟! هذا يوجب تفكيك نظم الآية وفساد تركيبها، وذلك لا يليق بالكلام الحسن فضلاً عن كلام رب العالمين .

3 – تعدِّي الحدود في الفدية

والفدية ما يُقدَّم من مال ونحوه لتخليص النَّفس من المكروه. ومعنى قوله تعالى: “وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ” أي على الذين يطيقون صوم رمضان فدية واحدة بعد تمام الشَّهر، وهي طعام مسكين في بداية شهر شوال في عيد الفطر، وكذلك الذين يستطيعون قضاء عدة من أيام أخر من المرضى والمسافرين، فالفدية المذكورة في الآية هي صدقة الفطر.

فعن عكرمة عن ابن عباس قال: “فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَكَاةَ الْفِطْرِ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنْ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ[27] “. وقول النبي “طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنْ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ” يُبيِّن سبب تسمية هذه الصَّدقة بالفدية. وليس على الذين لا يكلَّفون بالصَّوم من الذين لم يبلغوا الحلم شيءٌ منها.

وعن ابن عمر رضي اللَّه عنهما قال: “فَرَضَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَدَقَةَ الْفِطْرِ أَوْ قَالَ رَمَضَانَ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَالْحُرِّ وَالْمَمْلُوكِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ”[28]. وذلك بأن الصوم فرض على كل مسلم سواء أكان ذكرا أو أنثى، حرا أو مملوكا. وكذلك صدقة الفطر.

والذي فرض صدقة الفطر هو الله تعالى بنص الآية، أمَّا النبي فقد بلَّغ ذلك الفرض لأصحابه، لأن قوله تعالى: “وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين” جملة اسمية. والجملة الاسمية تفيد الثُّبوت والدَّوام، وهو يفيد فرضية صدقة الفطر كما قال الله تعالى في الرضاع: “وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف” (البقرة، 2/233).

ولم يأخذ مذهب من مذاهب أهل السنة والشيعة قوله تعالى: “وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ” دليلا في صدقة الفطر بل أضافوا إليها “لكل يوم” ليخرجوا بحكم جديد لا يمكن توصلهم إليه بدون تلك الإضافة، فأصبحت الآية على رأي الجميع: “وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ لكل يوم” واحتجوا بروايات لا توافق الآية والأحاديث الصحيحة المطابقة لها في صدقة الفطر.

وقالوا: إنما تأويل ذلك: وعلى الذين يطيقونه- في حال شبابهم وَحداثتهم، وفي حال صحتهم وقوتهم – إذا مَرضوا وكبروا فعجزوا من الكبر عن الصوم، فدية طعام مسكين[29] وبذلك جعلوا ما روي عن عبد الله بنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه قاضيا على الكتاب، وهو قوله لما قرأ قوله تعالى: “وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ” [البقرة: 184]، قال رضي الله عنه: ” لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ، هُوَ الشَّيْخُ الْكَبِيرُ وَالْمَرْأَةُ الْكَبِيرَةُ لَا يَسْتَطِيعَانِ أَنْ يَصُومَا فَيُطْعِمَانِ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا”[30]

وقد جعل الله تعالى الفدية على الذين يطيقون الصيام، لكن الفقهاء خالفوه وجعلوها على الذين لا يطيقونه. وهم بذلك قد خالفوا _أيضا_ قوله تعالى:  {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة/286] وهذا تعدٍّ للحدود في فدية الصوم.

4- تعدِّي الحدود في قضاء الصوم والكفارة

خص الله قضاء صوم رمضان للمريض والمسافر اللذَيْن رخص لهما في الإفطار فيه حيث قال:

{وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ [البقرة: 185]

وقوله : “وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ” بيان من الله تعالى أنَّ ترخيصه في الصوم للمريض والمسافر بعد رمضان إكرامٌ من الله ليكملا عدة الصوم، فلا رخصة لغيرهما . فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: “مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ رُخْصَةٍ رَخَّصَهَا اللَّهُ لَهُ لَمْ يَقْضِ عَنْهُ صِيَامُ الدَّهْر[31]‏”‏

ولكنا نجد الفقهاء متفقين على وُجُوبِ القضاء على من أفطر بشيء في رمضان[32] دون أي دليل. ويوجبون الْكَفَّارَةِ عَلَى مَنْ جَامَعَ فِي الْفَرْجِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ أَنْزَل أَمْ لَمْ يُنْزِل[33]، ويستدلون بدليل لا يوافق دعواهم. وهو ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : “جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال هلكت، فقال (وما ذاك) . قال وقعت بأهلي في رمضان. قال (تجد رقبة) . قال لا، قال (فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين). قال لا، قال (فتستطيع أن تطعم ستين مسكينا) . قال لا، قال فجاء رجل من الأنصار بعرق[34] – والعرق المكتل – فيه تمر فقال (اذهب بهذا فتصدق به) . قال أعلى أحوج منَّا يا رسول الله ؟ والذي بعثك بالحقِّ ما بين لابتيها[35] أهل بيت أحوج منا، ثم قال (اذهب فأطعمه أهلك)[36].

وفي هذه الرواية لم يُلزِم النبي السائل ولا امرأته بشيء بل متَّعَهما، ولكن العلماء جعلوها قاضية على الكتاب وهادمة لحدود الله في الصوم. لأن المذاهب كلها جعلوا النبي شارعا وتركوا ما أمره الله به في قوله: {قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ} [الأحقاف: 9]

ولو اتبعت المذاهب ما أمر اللهُ لوجدوا في الكتاب ما يوافق حكم النبي من الآيات، وهو قول الله في كفارة الظهار:

{وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ. فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [المجادلة: 3-4]

ولو كان العلماء قد أخذوا بتمام الرِّواية التي استدلوا بها في كفارة الصَّوم لرأوا أنَّها ليست في كفَّارة الصَّوم بل في كفَّارة الظِّهار. وتمام الرِّواية هكذا:

عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ – قَالَ ابْنُ الْعَلاَءِ الْبَيَاضِىِّ – قَالَ كُنْتُ امْرَأً أُصِيبُ مِنَ النِّسَاءِ مَا لاَ يُصِيبُ غَيْرِى فَلَمَّا دَخَلَ شَهْرُ رَمَضَانَ خِفْتُ أَنْ أُصِيبَ مِنَ امْرَأَتِى شَيْئًا يُتَابَعُ بِى حَتَّى أُصْبِحَ فَظَاهَرْتُ مِنْهَا حَتَّى يَنْسَلِخَ شَهْرُ رَمَضَانَ فَبَيْنَمَا هِىَ تَخْدُمُنِى ذَاتَ لَيْلَةٍ إِذْ تَكَشَّفَ لِى مِنْهَا شَىْءٌ فَلَمْ أَلْبَثْ أَنْ نَزَوْتُ عَلَيْهَا فَلَمَّا أَصْبَحْتُ خَرَجْتُ إِلَى قَوْمِى فَأَخْبَرْتُهُمُ الْخَبَرَ وَقُلْتُ امْشُوا مَعِى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-. قَالُوا لاَ وَاللَّهِ. فَانْطَلَقْتُ إِلَى النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ “أَنْتَ بِذَاكَ يَا سَلَمَةُ”. قُلْتُ أَنَا بِذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَرَّتَيْنِ وَأَنَا صَابِرٌ لأَمْرِ اللَّهِ فَاحْكُمْ فِىَّ مَا أَرَاكَ اللَّهُ قَالَ “حَرِّرْ رَقَبَةً”. قُلْتُ وَالَّذِى بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أَمْلِكُ رَقَبَةً غَيْرَهَا وَضَرَبْتُ صَفْحَةَ رَقَبَتِى. قَالَ “فَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ”. قَالَ وَهَلْ أُصِبْتُ الَّذِى أُصِبْتُ إِلاَّ مِنَ الصِّيَامِ. قَالَ “فَأَطْعِمْ وَسْقًا مِنْ تَمْرٍ بَيْنَ سِتِّينَ مِسْكِينًا”. قُلْتُ وَالَّذِى بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَقَدْ بِتْنَا وَحْشَيْنِ مَا لَنَا طَعَامٌ. قَالَ “فَانْطَلِقْ إِلَى صَاحِبِ صَدَقَةِ بَنِى زُرَيْقٍ فَلْيَدْفَعْهَا إِلَيْكَ، فَأَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا وَسْقًا مِنْ تَمْرٍ، وَكُلْ أَنْتَ وَعِيَالُكَ بَقِيَّتَهَا”. فَرَجَعْتُ إِلَى قَوْمِى فَقُلْتُ وَجَدْتُ عِنْدَكُمُ الضِّيقَ وَسُوءَ الرَّأْىِ وَوَجَدْتُ عِنْدَ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- السَّعَةَ وَحُسْنَ الرَّأْىِ وَقَدْ أَمَرَنِى – أَوْ أَمَرَ لِى – بِصَدَقَتِكُمْ”[37]

لقد أوجب الفقهاء القضاء على من أفطر متعمِّدا في نهار رمضان بالرُّغم من فقدانهم الدَّليلَ على ذلك، بل بوجود حديث النبي الذي ينص على أن من أفطر متعمَّدا فلن يجزيه صيام الدَّهر كلِّه، هذا الحديث هو حكمة نطق بها النبي على ضوء أمره سبحانه بأداء العبادات في وقتها الذي يُفهم منه عدم جوازها في غير تلك الأوقات المحددة إلا ما نصَّت الآيات عليه كالرُّخصة للمريض والمسافر، ولم يكتف الفقهاء بتقرير مبدأ القضاء على من أفطر متعمِّدا، بل رتَّبوا له كفارة شرعها الله للظهار وليس للإفطار عمدا في رمضان، وهذا تعدٍّ للحدود في قضاء الصَّوم والكفَّارة.

5- تعدِّي الحدود بمنع الحائض والنفساء من الصوم

أمر الله تعالى المؤمنين بالصَّوم في رمضان، ولم يُرخِّص لغير المريض والمسافر الذي قال فيهما: {وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة : 184] والصَّوم في الآيات هو الإمساك عن الأكل والشُّرب والجماع من طلوع الفجر الثاني[38] إلى الليل. ولكنا نرى علماء المذاهب قد أَجْمَعَوا عَلَى أَنَّ الْحَائِضَ وَالنُّفَسَاءَ لَا يَحِلُّ لَهُمَا الصَّوْمُ[39] وحرموا ما فرضه الله عليهن وقالوا: إنَّ الْحَائِضَ وَالنُّفَسَاءَ يُفْطِرَانِ رَمَضَانَ وَيَقْضِيَانِ، وَإنَّهُمَا إذَا صَامَتَا لَمْ يُجْزِئْهُمَا الصَّوْمُ. وبهذا قد منعوا الصَّوم في وقته، وأوجبوه في غير وقته، وجعلوا الحائض والنُّفساء في عسر؛ لأنَّ الصَّوم مع النَّاس أيسر، والله سبحانه وتعالى قد قال في الصوم: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185]

ولم ينه الله الحائض ولا النفساء عن غير الجماع في قوله: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ. نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ، وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ، وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ، وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [البقرة: 222- 223]

وقال النبي في بيان حكم هاتين الآيتين: “اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا النِّكَاحَ”[40] وفي رواية ابن ماجة: “اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا الْجِمَاعَ”[41]، ولكن العلماء تركوا الآيات والحديث وتمسكوا بحديث لا يوافق الحكمة في الكتاب، وهو ما نقله مسلم عن معاذة قالت سألْتُ عائشة فقلت: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فقالت: أحرورية أنت؟ قلت: لست بحرورية ولكني أسأل. قالت: كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصَّوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة[42].

وكلمة القضاء تمنع قبول هذه الرِّواية؛ لأنَّها تدلُّ على إحكام أمرٍ وإتقانهِ وإنفاذه لجهته، قال الله تعالى: “فقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ في يَوْمَيْنِ” [فصلت: 12] أي أحكَمَ خَلْقَهنّ[43]. وهي في العبادات تدلُّ أدائها في أوقاتها المحدَّدة. “فإذا قضيتم مناسككم” (البقرة، 2/200) “فإذا قضيتم الصلاة” (النساء، 4/103) أي إذا أديتم[44]. قال الفيومي: “اسْتَعْمَلَ الْعُلَمَاءُ الْقَضَاءَ فِي الْعِبَادَةِ الَّتِي تُفْعَلُ خَارِجَ وَقْتِهَا الْمَحْدُودِ شَرْعًا، وَالْأَدَاءَ إذَا فُعِلَتْ فِي الْوَقْت الْمَحْدُودِ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْوَضْعِ اللُّغَوِيِّ، لَكِنَّهُ اصْطِلَاحٌ لِلتَّمْيِيزِ بَيْنَ الْوَقْتَيْنِ”[45]. وقال ابن تيمية في لفظ القضاء: “إنَّه في كلام الله وكلام الرَّسول المراد به إتمام العبادة وإن كان ذلك في وقتها كما قال تعالى “فإذا قضيت الصلاة فانتشروا فى الأرض وابتغوا من فضل الله” وقوله “فإذا قضيتم مناسككم” (البقرة، 2/200) ثم اصطلح طائفة من الفقهاء فجعلوا لفظ القضاء مختصَّا بفعلها في غير وقتها ولفظ الأداء مختصَّا بما يُفعل في الوقت، وهذا التَّفريق لا يُعرف قط في كلام الرَّسول”[46]

وعلى هذا فكان معنى المرويِّ عن عائشة كما يلي: “كان يصيبنا ذلك فنؤمر بأداء الصَّوم ولا نؤمر بأداء الصَّلاة” وهكذا أصبح الحديث يخالف دعوى المذاهب.

فظهر أنَّ القول بعدم جواز الصَّوم من الحائض والنُّفساء قولٌ بدون دليل، والصَّحيحُ أنَّه يلزمهما الصَّوم في رمضان. وكذلك الحكم في الصلاة لأنَّ الله تعالى لم يمنع أحدا من الصلاة، بل أمر الكلَّ بالمحافظة عليها وإقامتها بقوله: {إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا. إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا. وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا. إِلَّا الْمُصَلِّينَ. الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ} [المعارج: 19 – 23] وقال: {وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ}  [المؤمنون: 9]

النتيجة

المسلمون يظنون أن شأن القرآن الكريم يختلف عن شأن جميع الكتب السماوية بأنَّه سالم من كلِّ تحريف، ولكنا نجد فيه بأنَّ اليهود قد بدأوا بتحريفه في عهد النبي عليه السلام، كما في قوله تعالى بعد ما بين أحوال بني إسرائيل تجاه أوامر الله ونواهيه:

{أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ. وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا، وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ. أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ} [البقرة: 75-77]

وهؤلاء منافقو اليهود الذين يظهرون إسلامهم ويخفون كفرهم أخبرنا الله تعالى بأنهم ينقسمون إلى قسمين بقوله:

{وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ. فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ} [البقرة: 78-79]

إنَّ منافقي اليهود متخصِّصون في التَّحريف والعوج وتلبيس الحق بالباطل، وقد بيَّن الله أهدافهم بقوله:

{وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ. يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ. يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [آل عمران: 69، 71]

وكان في هدفهم القرآنُ ونبيُّنا محمد صلى الله عليه وسلم. وتلخيص ما فعلوه بحقِّ القرآن مذكور في الآيات التالية:

{وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ، وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران: 78]

{قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ. قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ، وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ}  [آل عمران: 98-99]

وقد كان نبينا محمد هدفا لمنافقي اليهود كذلك، فأرادوا أن يجعلوا منه إلها كما جعلوا عيسى إلها من دون الله. وتلخيص نشاطاتهم في هذه الآية:

{مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ} [آل عمران: 79]

وقد قال الله لنبيِّه: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا. وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا. وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا}  [الأحزاب: 1 – 3]

وانطلاقا من هذه الآيات منع النبي الناس من كتابة أحاديثه فقال: “لَا تَكْتُبُوا عَنِّي، وَمَنْ كَتَبَ عَنِّي غَيْرَ الْقُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ، وَحَدِّثُوا عَنِّي وَلَا حَرَجَ”[47]. قال ذلك لئلا يدخل المنافقون ما كتبوه في أحاديثه . وكذلك منع أبو بكر وعمر كتابة الحديث، ثمَّ فُتِح الأمر أمامهم بعد ذلك، وفعلوا ما فعلوه. ونسبوا خرافاتهم التي زيَّنوها إلى علماء المسلمين المحترمين وقتلوا نبوة محمد وجعلوه إلها بهذا القول: “السُّنَّةُ قاضيةٌ على الكتاب، وليس الكتابُ قاضيا على السُّنة” ونسبوا هذا القول إلى يحيى بن أبي كثير.[48]

وقد أنذر الله تعالى أمَّة محمَّد بقوله: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ. أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ} [آل عمران: 21-22]

وعلى المؤمنين أن يتفكَّروا في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}  [آل عمران: 100-101]

بحسب الآيتين السابقتين فإنَّه يتوجَّب علينا أن نتبع ما أنزل الله إلينا من الكتاب والحكمة وأن نترك غيره.

وقف السليمانية/ مركز بحوث الدين والفطرة

الموقع: حبل الله www.hablullah.com

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] مفردات ألفاظ القرآن ـ نسخة محققة – (ج 1 / ص 215)

[2] لسان العرب – (10 / 193)

[3] آل عمران  48، 79، النساء 54، المائدة 110، الأنعام 89، الجاثية 16.

[4] البقرة 129 ، 151 ، 231، آل عمران 164، النساء 113، الجمعة 2.

[5] أبو منصور محمد بن أحمد الأزهري (282 هـ – 370 هـ) , تهذيب اللغة ج. 7 ص. 181-182, تحقيق المجلد د. عبد السلام سرحان, مراجعة الأستاذ محمد علي النجار, مطابع سجل العرب, القاهرة.

[6] المفردات، مادة قدر

[7] تاج العروس مادة: حرف

[8] مفردات ألفاظ القرآن مادة: حرف

[9] كتاب العين – (2 / 197)

[10] لسان العرب – (15 / 63)

[11] تهذيب اللغة – (ج 1 / ص 363)

[12] مفردات ألفاظ القرآن ـ نسخة محققة – (ج 2 / ص 2)

[13] مفردات ألفاظ القرآن ـ نسخة محققة – (ج 2 / ص 70)

[14] العين – (2 / 60)

[15] مفردات ألفاظ القرآن ـ نسخة محققة – (ج 1 / ص 399)

[16] https://www.enjeel.com/bible.php?ch=36&bk=24

https://st-takla.org/pub_Bible-Interpretations/Holy-Bible-Tafsir-01-Old-Testament/Father-Antonious-Fekry/28-Sefr-Armia/Tafseer-Sefr-Armya__01-Chapter-36.html

[17] صحيح البخاري – (13 / 449)4148

[18] سنن النسائي الشاملة 1 – (4 / 147)

[19] صحيح البخاري – (6 / 491)

[20] التعشي أكل العَشاء أي الطعام بعد المغرب ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم إذا حَضَر العَشاءُ والعِشاءُ فابْدَؤوا بالعَشاءِ العَشاء بالفتح والمدِّ الطعامُ الذي يؤكَلُ عند العِشاء وهو خِلاف الغَداءِ وأَراد بالعِشاءِ صلاةَ المغرب وإنما قدَّم العَشاء لئلاَّ يَشْتَغِل قلْبُه به في الصلاة وإنما قيل انها المغرب لأنها وقتُ الإفطارِ.  لسان العرب – (15 / 56)

[21] مفردات ألفاظ القرآن مادة: حرف

[22] لسان العرب – (ج 10 / ص 231)

[23] مفردات ألفاظ القرآن ـ نسخة محققة – (ج 2 / ص 46)

[24] مفردات ألفاظ القرآن ـ نسخة محققة – (ج 2 / ص 46)

[25] الكشاف – (ج 1 / ص 162)

[26] صحيح البخاري – (7 / 44) وفيه روايات كثيرة والذي يريد الإطلاع عليها فليراجع تفسير الطبري (ج 3 / ص 418 – 426)

[27] سنن أبي داود، باب الزكاة 18.

[28] البخاري، كتاب الزكاة، 77.

[29] تفسير الطبري – (ج 3 / ص 427)

[30] صحيح البخاري، باب قوله تعالى “أياما معدودات” برقم 4505

[31] سنن أبى داود – (2 / 288) 2398 – المغني – (3 / 58)

[32] المغني – (ج 6 / ص 88)

[33] المغني – (ج 6 / ص 100)

[34] العرق وعاء يوضع فيه التمر وغيره

[35] (ما بين لابتيها) يقصد المدينة كلها، حيث إن المدينة المنورة تقع بين جبلين اصطلح المدنيون على تسميتهما باللابتين. ويريد أن يقول أنه لا يوجد في المدينة من هو أحوج منه.

[36] صحيح البخاري الشاملة 1 – (6 / 2468)

[37]سنن أبى داود – (2 / 233)

[38] الفجر فجران؛ الأول: هو الفجر الكاذب، سمي كاذبا لأنه يوهم بدخول وقت الفجر، والحقيقة أنَّه الأضواء البيضاء الأولى للفجر حيث يختلط بخيوط حمراء، وهو وقت السحر. والثاني: الفجر الصادق حيث تتكاثف الأضواء الحمراء وتتجمع مشكلة مستطيلا أحمر معترضا في الأفق الشرقي يعلوه بياض الفجر، ويكون سواد البر أسفل منه، وهذا هو وقت إمساك الصائم ودخول وقت صلاة الفجر. للمزيد من التفاصيل حول هذا الموضوع انظر مقالتنا (وقت الإمساك/صلاة الفجر) على الرابط التالي http://www.hablullah.com/?p=1323

[39] المغني – (6 / 140)

[40] صحيح مسلم 69- (355) / (2 / 167)

[41] سنن ابن ماجه – (2 / 310)

[42] صحيح مسلم – عبد الباقي – (1 / 265)

[43]مقاييس اللغة – (ج 5 / ص 82)

[44]كتاب العين؛ تاج العروس؛ لسان العرب؛ المصباح المنير، مادة: قضى.

[45]أحمد محمد الفيومي، المصباح المنير، لبنان 2001، ص. 519.

[46]مجموع الفتاوى – (ج 12 / ص 106)

[47]صحيح مسلم – (14 / 291) – 5326

[48]الكفاية في علم الرواية – ج 1 / ص 14, لأحمد بن علي بن ثابت أبو بكر الخطيب البغدادي الناشر : المكتبة العلمية – المدينة المنورة تحقيق : أبو عبدالله السورقي , إبراهيم حمدي المدني.

 

Facebook'ta PaylaşTwitter'da Paylaş

تعليقك على الموضوع  
التعليق *
* ضرورة إدخال هذا الحقل باللغة العربية

الموضوعات ذات الصلة بهذا الموضوع