حكم المحكمة بالتفريق بين الزَّوجين دون علم الزوج
السؤال: أقامت زوجتي عليَّ دعوى طلاق وأحضرت شهود زور، وقد حكمت المحكمة لها بالطلاق. وأنا لا أعترف بهذه المحكمة لأنَّها علمانية ولا تحكم بأمر الله. وأنا لم أطلقها شرعا، وقد كانت زوجتي محجَّبة ورمت الحجاب، وتقول أنت لست زوجي، وليس لك عليّ حق، وتمنع ابني أن يتصل بي، ولم أره منذ عامين. ما حكم الشرع بذلك وجزاكم الله خيرا. أريد الجواب من الأستاذ عبد العزيز حفظه الله، أريد جوابا طويلا وشافيا لأني أعرف حقي عليها. أريد أن تعرف الجواب من شخص لا يعرفني.

الجواب: أساس عقد الزَّواج هو الرضا من الطرفين، ولا يُتصوّر الانسجام وتحقيق أهداف الزواج بالإكراه والإجبار. ذلك أنَّ الله تعالى يقول:

{وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} (الروم، 21)

ومقتضى الآية أنه لا يُجبر أحدُ الزَّوجين أو كلاهما على البقاء في النِّكاح، فإن كره الرَّجل زوجتَه فله حقُّ الطَّلاق المبيَّن في كتاب الله تعالى[1].  وإن كرهت المرأةُ زوجَها فلها حقُّ الافتداء المبيَّن في كتاب الله تعالى كذلك[2]، ولا تجبر على مواصلة حياتها مع زوجها بغض النَّظر عن الأسباب الكامنة وراء طلبها الافتداء منه، قال الله تعالى:

{فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} (البقرة، 229)

وبناء على هذه الآية كان نبيُّنا صلى الله عليه وسلم يمضي افتداء النِّساء من أزواجهن إن طلبن ذلك دون أن يتحقَّق من سبب الطلب، لأنَّ ذلك شأن القلوب التي لا يملك أحدٌ الإملاء عليها، كما أنَّه لم يكن ينتظر موافقة الزَّوج على إمضاء الافتداء، فكلُّ حقِّه أن يأخذ المهر أو جزءا منه بحسب الاتفاق.

ومن ذلك ما روي عَنْ حَبِيبَةَ بِنْتِ سَهْلٍ: أَنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ، وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ إِلَى الصُّبْحِ، فَوَجَدَ حَبِيبَةَ بِنْتَ سَهْلٍ عِنْدَ بَابِهِ فِي الْغَلَسِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ هَذِهِ؟» قَالَتْ: أَنَا حَبِيبَةُ بِنْتُ سَهْلٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «مَا شَأْنُكِ؟» قَالَتْ: لَا، أَنَا وَلَا ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ لِزَوْجِهَا، فَلَمَّا جَاءَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ، قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هَذِهِ حَبِيبَةُ بِنْتُ سَهْلٍ قَدْ ذَكَرَتْ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَذْكُرَ» فَقَالَتْ حَبِيبَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كُلُّ مَا أَعْطَانِي عِنْدِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِثَابِتٍ: «خُذْ مِنْهَا»، فَأَخَذَ مِنْهَا وَجَلَسَتْ فِي أَهْلِهَا”[3].

وكما تلاحظ فإنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يسألها عن سبب بغضها لزوجها. وكان على المحكمة أن تطلب منها إعادة ما أعطيتها من مهر أو بعضه _بحسب ما تتفقان_ حتى تكتمل الصورة الشرعيَّة للافتداء، وهذا يقتضي تكونَ حاضرا حتى تستلم المهر أو مرسلا وكيلا عنك، لذلك فإن قرار المحكمة لا يُعدُّ نافذا إلا بردِّها المهر أو بعضه بحسب ما تتفقان، أو أن تعفو عنها.  

أما منعها ابنك من الاتصال والالتقاء بك فلا يجوز لها ذلك، وهذا من باب تقطيع الأرحام الذي حذر الله تعالى منه في كتابه، ولك أن تلجأ إلى القضاء لتأخذ حقَّك في الحديث مع ابنك والالتقاء به.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]  انظر مقالة أ.د عبد العزيز بايندر (الطلاق حقُّ الرجل في إنهاء الحياة الزوجية) على الرابط التالي http://www.hablullah.com/?p=1476

[2]  انظر مقالة أ.د عبد العزيز بايندر (الافتداء حقُّ الزوجة في إنهاء الحياة الزوجية) على الرابط التالي  http://www.hablullah.com/?p=1475

[3]  رواه النسائي، باب ما جاء في الخلع، 3462 وابن حبان في صحيحه، باب ذِكْرُ الْأَمْرِ لِلْمَرْأَةِ بِإِعْطَاءِ مَا طَابَتْ نَفْسُهَا بِهِ عَلَى الْخُلْعِ، 4280

Facebook'ta PaylaşTwitter'da Paylaş


 تعليقات القراء:

  1. يقول هاجر:

    كيف استدللتم من الآيه أن الفديه يتفقان عليها مع أن فعل الافتداء مسنود للزوجة؟

    • يقول جمال نجم:

      هي صاحبة القرار في الافتداء، لكن إعادة المهر كله أو بعضه يتم التوافق عليه بدلالة قوله تعالى: «مما آتيتموهن» فحتى يتم إرجاع الجزء ومقداره أو الكل لا بد من التوافق.

تعليقك على الموضوع  
التعليق *
* ضرورة إدخال هذا الحقل باللغة العربية

الموضوعات ذات الصلة بهذا الموضوع