حقُّ المُطَلَّقة في حضانةِ أطفالِها

حقُّ المُطَلَّقة في حضانةِ أطفالِها

مقدمَّة:

يقبل الفقهاء أحقيّة الأمِّ المطلّقة في حضانة أبنائها ما لم تتزوَّج. ويتفقُ عامَّتُهم على بطلان هذا الحقِّ عند زواجها من رجلٍ آخر، لتكون أمُّ المطلَّقة البديل الأول الذي يقوم مقامها. وفي هذه المقالة القصيرة أحاول الوقوف على الموضوع انطلاقا من آيات القرآن ذات الصِّلة، وتوجيهات نبيِّنا التي تمثل الحكمة المركوزة في الكتاب التي حرص على تعليمها لأصحابه نظريَّا وعمليَّا.

1_ تعريف الحضانة

الحضانة في اللغة: من الحَضْنِ بمعنى الضّمّ، ومنه: الحِضْنُ ما دون الإبط إلى الكشح[1]، أو الصدر والعضدان وما بينهما. وحِضْنا الشيءِ: جانباه وناحيتاه، وجمعه أحضان[2]، وحَضَنَ الطائر بيضه يحضنه: إذا ضمّه إلى نفسه تحت جناحيه،  والحَضانةُ: مصدر الحاضِنة والحاضِن وهما اللذان يُربِّيان الصَبيِّ[3].

فالحضانة هي الضم الحاني، وهي كناية عن مباشرة أمر الصَّغير في الحِجْر والاعتناء به وتوفير سبل العيش الكريم له.

2_ الحضانة في القرآن

لم ترد كلمة الحضانة أو مشتقاتها في القرآن، وإنما ورد ما يدلُّ عليها وينوِّه إلى أهمِّيتها والحقوق المترتَّبة عليها. ومن ذلك قوله تعالى:

{وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا. وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} (الإسراء 23-24)

فكلمة (رَبَّيَانِي) من ربّى يربِّي تربية، وهي تشير إلى الحضانة. وفي هاتين الآيتين تذكيرٌ للولد بما قدَّمه والداه من رعاية وتربية في مرحلة الطُّفولة، فالإنسان يولد ضعيفا، لا يقدر على شيء ولا يعلم شيئا: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا} (النحل، 78) فيتحتّم على والديه رعايتُه وتوفيرُ العيش الكريم له، وقد جاءت آيات كثيرة في هذا الباب منها قوله تعالى:

{وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ، وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} (البقرة، 233) وهذا في حال كون الوالدين في النِّكاح، حيث ترشد الآية إلى أتمِّ الرَّضاعة وأحسنها، المتمثِّل بإرضاع الطفل حولين كاملين[4]، حيث يكون الطفل في أشدِّ الحاجة إلى الرّضاعة الطبيعيّة التي لا يماثلها شيء من حيث التّغذية البدنيَّة والنَّفسيَّة[5].

وفي حقِّ المطلَّقة الحامل أو المرضع قال تعالى: {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ، وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ، فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ، وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ، وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى. لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ، وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ، لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا، سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا} (الطلاق 6- 7)

3_ حضانة الأم لأولادها من الفطرة

تقتضي الفطرة التي فطر الله الناس عليها أن تكون الأمُّ هي صاحبة الحقِّ في احتضان الأطفال وتربيتهم، فهي الأجدر في ذلك والأقدر على توفير حاجات الأطفال المادية والمعنوية، والحضانة بقدر ما هي مهمَّة للطفل فهي لأمِّه مهمَّة أيضا، يقول الله تعالى ممتنَّا على موسى وأمِّه:

{فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} (القصص، 13).

ويبقى الأطفال في حضانة أمِّهم حتى التمييز، فيُخيَّرون عندئذ بين البقاء في كنف أمِّهم أو الانتقال إلى كنف أبيهم. ولا فرق بين أن يكون الولد ذكرا أو أنثى، ولا يُنتزع منها هذا الحقّ تحت أيّ ذريعة، وقد جاء في الأحاديث ما يدلُّ على ذلك.

فعن أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال: سَمِعْتُ أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا عِنْدَهُ فَقَالَتْ: فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي إِنَّ زَوْجِي يُرِيدُ أَنْ يَذْهَبَ بِابْنِي وَهُوَ يَسْقِيَنِي مِنْ بِئْرِ أَبِي عُتْبَةَ وَقَدْ نَفَعَنِي فَقَالَ: «اسْتَهِمَا عَلَيْهِ» فَقَالَ زَوْجُهَا: مَنْ يُجَافِنِي[6] فِي وَلَدِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا غُلَامُ هَذَا أَبُوكَ وَهَذِهِ أُمُّكَ فَخُذْ بِيَدِ أَيِّهِمَا شِئْتَ» فَأَخَذَ الْغُلَامُ بِيَدِ أُمِّهِ فَانْطَلَقَتْ بِهِ[7].

وعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنَمٍ قَالَ: اخْتُصِمَ إِلَى عُمَرَ فِي صَبِيٍّ فَقَالَ: «هُوَ مَعَ أُمِّهِ حَتَّى يُعْرِبَ عَنْهُ لِسَانُهُ فَيَخْتَارَ»[8]

وعَنْ عُمَارَةَ بْنِ رَبِيعَةَ الْجَرْمِيِّ قَالَ: خَاصَمَتْ فِيَّ أُمِّي عَمِّي مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ إِلَى عَلِيٍّ قَالَ: فَجَاءَ عَمِّي وَأُمِّي فَأَرْسَلُونِي إِلَى عَلِيٍّ فَدَعَوْتُهُ فَجَاءَ فَقَصَوْا عَلَيْهِ، فَقَالَ: «أُمُّكَ أَحَبُّ إِلَيْكَ أَمْ عَمُّكَ؟» قَالَ: قُلْتُ: بَلْ أُمِّي ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. قَالَ: وَكَانُوا يَسْتَحِبُّونَ الثَّلَاثَ فِي كُلِّ شَيْءٍ. فَقَالَ لِي: «أَنْتَ مَعَ أُمِّكِ وَأَخُوكَ هَذَا إِذَا بَلَغَ مَا بَلَغْتَ خَيْرٌ كَمَا خُيِّرْتَ» قَالَ: وَأَنَا غُلَامٌ[9].

تبين من خلال الآيات والأحاديث أن الأمُّ هي الأَوْلى بحضانة الطفل، لأنَّ الأمومة علة الحضانة. فإن توفيت تنتقل الحضانة إلى من تتوفر فيهن صفة الأمومة، فالجدة لأم مقدَّمة على الجدَّة لأب، لقربها من الأم، والخالة مقدمة على العمَّة، وهكذا.

فعن علي، قال: لما خرجنا من مكة اتبعتنا ابنة حمزة تنادي: يا عم، يا عم. قال: فتناولتها بيدها، فدفعتها إلى فاطمة، فقلت: دونك ابنة عمك. قال: فلما قدمنا المدينة اختصمنا فيها أنا وجعفر وزيد بن حارثة، فقال جعفر: ابنة عمي وخالتها عندي – يعني أسماء بنت عميس – وقال زيد: ابنة أخي. وقلت: أنا أخذتها وهي ابنة عمي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” أما أنت يا جعفر، فأشبهت خلقي وخلقي، وأما أنت يا علي، فمني وأنا منك، وأما أنت يا زيد، فأخونا ومولانا، والجارية عند خالتها، فإن الخالة والدة “[10]

4_ تأمين النفقة وظيفة الأب

نفقات الطفل كلُّها تقع على عاتق أبيه، فإن كانت المرأة مطلَّقة وجب على والد الطفل الإنفاق على مطلَّقته لتقدر على إرضاع الطفل، وقد عبَّرت الآية عن ذلك بأجرة الإرضاع. وإذا لم يتَّفق الرَّجل مع مطلَّقته على أجرة إرضاع الطفل فيتوجَّب عليه أن يجد مرضعة لولده.

والإرضاع جزء من الحضانة وليس كلُّ شيء فيها، وكون الطِّفل مرضَعا من امرأة أخرى لا يعني إسقاط حقِّ أمِّه في الحضانة، فيمكنها مداومة احتضانه حتى لو لم تكن ترضعه.

نفقة الأولاد ذكورا كانوا أم إناثا هي من حقِّ الولد على أبيه، ولا تسقط بحال من الأحوال سواء في ظلِّ دوام الحياة الزَّوجيَّة أم بعد طلاق الأبوين. وليس للأم أيُّ مسؤوليَّة مُلزمة في توفير النَّفقة. وقد قال الله تعالى في حقِّ نفقة الزوجة وولدها:

{وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا} (البقرة، 233)

فإن كان الأب ميتا فينتقل حقُّ النفقة على أقاربه أيهم أقرب، لعموم قوله تعالى:

{وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ}[11] (البقرة، 233)

وحقُّ النَّفقة على الوالد مقيَّد بالمعروف كما بيَّنه قولُه تعالى:

{وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ} (الطلاق، 6)

ويبقى الولد مستحقا للنَّفقة من أبيه حتى يكبر ويقدر على الكسب، أمَّا البنت فتبقى مستحقَّة للنَّفقة حتى زواجها، فإن طُلِّقت وأتمَّت العدة يعود واجب الإنفاق على أبيها إن لم تستطع الإنفاق على نفسها.

أمّا إنفاق الأخ على أخته فيجب إذا اجتمعت الشُّروط التالية:

أ- أن يكون غنيا وهي فقيرة، فلو كان لها مال فلا تجب نفقتها عليه، لاستقلال الذمة المالية لكليهما ابتداء، وإن كان فقيرا مثلها فلا تجب نفقتها عليه كذلك، لأنَّه لا تكلَّف نفسٌ إلا وسعها.

ب_ أن يكون أقرب الأحياء إليها بحيث إذا ماتت يرثها، لقول الله تعالى بعد أن ذكر واجب الوالد تجاه الولد: {وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ} (البقرة، 233) أي وارث الوالد[12]. “ولأنَّ بين المتوارثين قرابةً تقتضي كون الوارث أحقَّ بمال الموروث من سائر الناس، فينبغي أن يختص بوجوب صلته بالنَّفقة دونهم، فإن لم يكن وارثا لم تجب عليه النفقة”[13] ، فإن كان لا يرثها لوجود الولد أو الأب، لم تلزمه نفقتها، ويجوز أن يعطيها زكاة ماله حينئذ.

في حال كون الوالدين مطلَّقين فإنّ النَّفقة التي يتمُّ تقديرها للأولاد تُسلَّم إلى أمِّهم حتَّى تؤمِّن لهم ما يحتاجونه إن كان الأب لا يستطيع ذلك بنفسه، وإن كانت الأمُّ لا تحسن التَّصرف بمال الأولاد فيمكن أن تُسلَّم الأموال إلى طرف ثالثٍ يتَّفقان عليه.

وتستطيع المطلَّقة أن تطلب أجرة حضانتها للأطفال من أبيهم، كما يُكلَّف الأب بأجرة البيت الذي تسكن فيه وأطفالها، لكنْ إن كان لها بيت تملكه فلا يصحُّ لها أن تطلب أجرة البيت من مُطلِّقها.

ونفقة التَّعليم كذلك من حقِّ الأولاد على أبيهم. وكلُّ ذلك مقيَّد بالمعروف، ومن المعروف النَّظر في قدرة الرّجل المادّية. وعند عدم وجود الأب فيتكفل أقارُبه بواجباته الأقرب فالأقرب.

5_ تخيير الطفل بين أبيه المسلم وأمِّه غير المسلمة

عندما أمر القرآن ببرِّ الوالدين لم يفرِّق بين كونهما مسلمين أو مشركين: فقد جاء في الآيتين 23 و 24 من سورة الإسراء الأمر بالإحسان للوالدين دون تقييد بكونهما مسلمين، وقوله تعالى {كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} بيان لعلة الأمر بالإحسان إليهما.

لكنَّهما إن أمراه بمعصية فلا يطعْهما فيها، ويلتزمُ صحبتهما بالمعروف، قال الله تعالى:

{وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} (لقمان، 15)

يُفهم من الآيات السابقة أن كون الأمِّ مشركة لا يُسقط حقَّها في الحضانة، ويؤيِّد هذا الفهم الرِّواية التَّالية:

فقد روي عن رافع بن سنان أنَّه أسلم وأبت امرأته أن تسلم، فأتت النبي -صلى الله عليه وسلم- فقالت: ابنتي وهي فطيمٌ أو شبهه. وقال رافع: ابنتي، فقال له النبي-صلى الله عليه وسلم-: ((اقعد ناحية))، وقال لها: ((اقعدي ناحية))، قال: وأقْعَدَ الصبيّة بينهما، ثم قال: ادعواها، فمالت الصبية إلى أمِّها فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((اللهم اهدها فمالت الصبيَّة إلى أبيها فأخذها))”[14]

وقد فضَّل النّبيُّ صلى الله عليه وسلم أن تختار أباها المسلم، ولو كانت حضانة المشركة غير صحيحة لـمَّا خيَّر النبي الطفلة بين أبيها المسلم وأمِّها المشركة، ولأمر أن تكون ابتداء مع أبيها المسلم، ولأنَّه لم يفعل دلَّ على جواز أن يكون الأولاد المسلمين في حضانة أمِّهم غير المسلمة، وهي أحقُّ بهم إذا ما اختاروها.

6_ رفض الزَّوج الجديد حضانة زوجته لأبنائها

إذا سلَّمنا بأنَّ الحضانة حقٌّ فطريٌّ للأم، فهل يحقُّ للزَّوج الجديد منع زوجته من هذا الحقِّ؟ أم أنَّه غير ملزمٍ بتربية أطفال ليسوا بأطفاله؟ الظَّاهر أنَّ هناك تعارضا بين حقّ الأمِّ بحضانة أطفالها وبين حقِّ الزَّوج الجديد برفض تربية أطفال غيره. ولدفع هذا التَّعارض يلزمنا تأصيل المسألة كما يلي:

أ_ في حال حضانة الأمِّ لصغارها فإنَّ الزوج الجديد لا يكلَّف بالإنفاق عليهم، بل إنَّ هذا مسؤوليَّة أبيهم.

ب_ وجود الأطفال في حياة أمِّهم أقدم من وجود الزَّوج الجديد، فقبول الزَّوج بزوجةٍ ذات أطفال يضعه أمام اختبار قبولها مع احتمال بقائهم معها، لكنَّه لا يمكن وضع احتمال يلغي وجود الأطفال.

ت_ الأذى الذي يلحق الأطفال وأمَّهم في حال الحؤول بينها وبينهم أعظم من المشقَّة التي يتحمَّلها الزوج الجديد في حالة حضانة الأمِّ لصغارها، وهنا يمكن العمل بأخفِّ الضَّررين.

ث_ أغلق القرآن كلَّ بابٍ للحرج في حضانة الأمِّ لأطفالها إن تزوجت بغير أبيهم، وتمثَّل ذلك بتحريم بنات الزَّوجة على زوج أمِّهنَّ بعد انتقالها إلى بيت الزَّوجيَّة (الدُّخول)، وجاء ذلك في سياق ذكر المحرمات على الرَّجل من النِّساء بقوله تعالى:

{وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ} (النساء، 23)

والرَّبيبة هي بنت زوجة الرَّجل، حيث عدَّها القرآن من محارمه؛ وذلك لفسح المجال لأن تكون في حضانة أمِّها، ولتكون على تواصل دائم معها حتى بعد أن تكبر وتتزوَّج.

ولعل ثبوت تحريم الرَّبيية عند الدُّخول بأمِّها يؤكِّد حقَّ المتزوجة بحضانة أطفالها، لأنَّه لا ضرورة للتَّحريم قبل انتقالها لبيت الزَّوجيَّة، لذا ورد قيد الدُّخول بالأمَّهات لتحريم البنات:{وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ} (النساء، 23)

7_ هل يعتبر فسق المرأة المطلَّقة مسقطا لحقِّها في حضانة أولادها الصِّغار؟

تقتضي الفطرة التي فطر الله الناس عليها أن تكون الأمُّ هي صاحبة الحقِّ في حضانة الأطفال وتربيتهم، فهي الأجدر في ذلك والأقدر على توفير حاجات الأطفال المادِّيَّة والمعنويَّة، لذا تستحقّ المرأة حضانة أولادها الصّغار إلا في حالة عدم قدرتها على حضانتهم باعترافها أو بالقضاء، لأنَّ الأمومة هي علَّة الحضانة وهي موجودة في كلِّ امرأة مؤمنة أو كافرة.

والقرآن الكريم يقرُّ بحضانة الأم لصغارها دون تفريقه بين صالحة وفاسقة، لأن اشتراط عدالة الحاضنة يؤدي إلى العنت والمشقَّة للمجتمع وللصّغار على وجه التّحديد، فإنَّه لا يحضن الصّغير مثل أمّه.

قال الله تعالى: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا، وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} (العنكبوت، 8) {وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} (الإسراء، 24)

فقد أوصى الله تعالى بالإحسان للوالدين حتى لو كانا مشركين وفاء لهما على ما قدّماه له، وحضانته صغيرا من أجلِّ ذلك، وفي الآية 8 من سورة العنكبوت إشارة إلى احتضان أمّه المشركة له. والشرك أعظم من الفسق من كلّ وجه. ولو كانت حضانة الفاسقة أو المشركة محرمَّة لنصَّ الله تعالى على ذلك، أو لم يرتِّب عليه حقَّا، ولأنَّه _سبحانه_ أمر الولد بالإحسان لمن ربياه صغيرا حتى لو كانا مشركين فهذا يدلُّ على أنَّ أصل فعلهما (احتضانهما لطفلهما) صحيح، ولو كان فاسدا لما رتَّب عليه وجوب الإحسان إليهما.

فيمكننا القول أنّ العدالة مطلوبة فيما طلبه فيها الشرع كالشهادة على الحقوق، أما المسائل الفطرية فلا يُنظر فيها إلى العدالة، بل ينظر إلى القدرة على الأداء بالمعروف.

ومن أوجب عدالة الأم لحضانة الصغير فقد جانب الصَّواب وفاته الدَّليل، فلا ينظر إلى قوله.

8_ حديث “أنت أحق به ما لم تنكحي”

عن عمرو بنُ شعيب، عن أبيه عن جده عبدِ الله بنِ عمرو: أن امرأةً قالت: يا رسولَ الله، إن ابني هذا كان بطني له وعاءً، وثدي له سِقاءً، وحجري له حِواءً، وإنَّ أباه طلَّقني، وأراد أن ينتزعه مني، فقال لها رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم-: “أنتِ أحقُّ به ما لم تنكحي”[15]

الآيات ذاتُ الصِّلة وكذلك الأحاديث المتعلِّقة تدلُّ جميعها على أنَّ الحضانة حقُّ الأمِّ سواء تزوِّجت بعد الطلاق أم لم تتزوج. ومع ذلك نصَّ عامَّة الفقهاء على نزع هذا الحقِّ من المطلقة إن تزوجت برجلٍ آخر، احتجاجا بهذا الحديث المختلَف في صحَّته، والذي لا يوافق الحكمة من أيِّ وجه.

قال الخطابي في معالم السنن: “ولم يختلفوا _أي الفقهاء_ أنَّ الأم (المطلقة) أحقُّ بالولد الطفل من الأب ما لم تتزوج، فإذا تزوجت فلا حقَّ لها في حضانة، فإن كانت لها أمٌّ فأمُّها تقوم مقامها ثمَّ الجدات من قِبَل الأمِّ أحقُّ به ما بقيت منهنَّ واحدة”[16].

والغريب أنَّهم يقبلون بجدِّته حاضنة له دون التَّحقُّق من كونها متزوجة من غير جدِّه، وهذا يسلط الضَّوء على ضعف مبنى المسألة عندهم.

يقول ابنُ القيم مبررا أخذ الفقهاء بهذا الحديث رغم مخالفته الأصحَّ منه : “هو حديث احتاج الناس فيه إلى عمرو بن شعيب، ولم يجدوا بدَّاً من الاحتجاج هنا به، ومدارُ الحديث عليه، وليس عن النبي -صلَّى الله عليه وسلم- حديث في سقوط الحضانة بالتزويج غير هذا، وقد ذهب إليه الأئمة الأربعة وغيرهم”[17].

والحق أنه لا يمكن قبول هذه الرواية، لأنَّها تخالف عموم الآيات والأحاديث الصحيحة التي تمثل الحكمة المستخرجة من الكتاب، ولا عبرة بتوافق كثير من الفقهاء على رأي يخالف الكتاب والأحاديث الصحيحة الواضحة.

وقف السليمانية/ مركز بحوث الدين والفطرة

الموقع: حبل الله www.hablullah.com

الكاتب: جمال نجم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]  لسان العرب، مادة (حضن) 13/ 122

[2]  القاموس المحيط، مادة (حضن) ص 1536

[3]  العين، باب الحاء والضاد والنون، 3/105

[4]  أولى عمر بن الخطاب رضي الله عنه أهمية كبيرة لمسألة إرضاع الأطفال حولين كاملين، ومن ذلك ما روي عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ عُمَرُ لَا يَفْرِضُ لِلْمَوْلُودِ حَتَّى يُفْطَمَ، قَالَ: ثُمَّ أَمَرَ مُنَادِيًا فَنَادَى أَلَّا تُعْجِلُوا أَوْلَادَكُمْ عَنِ الْفِطَامِ، فَإِنَّا نَفْرِضُ لِكُلِّ مَوْلُودٍ فِي الْإِسْلَامِ، قَالَ: وَكَتَبَ بِذَلِكَ إِلَى الْآفَاقِ، بِالْفَرْضِ لِكُلِّ مَوْلُودٍ فِي الْإِسْلَامِ ” الأموال لابن زنجويه، ص 852

[5]  من حق الطفل على أمه أن ترضعه، وهذا الحق فطري طبيعي يترتب عليه أن ينشأ الطفل سليما معافى بدنيا وعاطفيا، كما يترتب عليه سلامة الأم من أمراض متعلقة بإهمال هذا القانون الفطري الطبيعي كالإصابة بسرطان الثدي والمبيض، حيث أثبتت الدراسات العلمية المحققة أن هناك علاقة بين ترك الارضاع والإصابة بمثل هذه الأمراض. ولم يكن من المقبول في عصر التنزيل أن يُستعاض عن الرضاع الطبيعي بحليب الماشية بالرغم من كثرته وتعلُّقهم به، لأنَّ أنواع الحليب المختلفة لا يمكن أن تقوم مقام الرضاع الطبيعي.

وفي هذا العصر بالرغم من تحضير الحليب للأطفال وغنى هذا الحليب المستحضر بالعديد من العناصر الغذائية المهمة إلا أنه دون المستوى المطلوب، لذا توصي منظمة الصحة العالمية والجهات المختصة بالإرضاع الطبيعي وأن لا يلجأ الناس إلى الحليب المستحضر إلا للضرورة أو كمكمِّل غذائي ليس أكثر.

للمزيد حول هذا الموضوع ننصح بقراءة (فوائد الرضاعة الطبيعية: للأم والطفل معاً) على الرابط التالي https://baby.webteb.com/articles

[6]  “من يجافيني في ولدي” تساؤل من الرجل يقصد من يستطيع أن يبعد ولدي عني.

[7]  رواه الحاكم برقم (7039) ، وصححه الذهبي برقم (7039) . ورواه غيره بألفاظ مختلفة لكن بمعنى واحد.

[8]  مسند عبد الرزاق، رقم (12606)

[9]  المرجع السابق، رقم (12609)

[10]  أخرجه أبو داود برقم (2280) من طريق إسماعيل بن جعفر. وأخرجه أبو يعلي برقم (405) ، والبيهقي 6/8 وأبو يعلى أورده مختصرا بلفظ: “الخالة بمنزلة الأم” وأخرجه بنحوه الحاكم 3/211 والبخاري برقم (2699) ، والترمذي برقم (3765)

[11]  الألفُ واللامُ في «الوارث» بدلٌ من الضميرِ، فكأنه قال: وعلى وارِثِه، أي: وارِثِ المولودِ له، وقرأ يحيى بن يعمر: «الوَرَثَة» بلفظ الجمعِ. (انظر الدر المصون، دمشق، تحقيق أحمد محمد الخراط 2/471

[12]  الألفُ واللامُ في «الوارث» بدلٌ من الضميرِ، فكأنه قال: وعلى وارِثِه، أي: وارِثِ المولودِ له، وقرأ يحيى بن يعمر: «الوَرَثَة» بلفظ الجمعِ. (انظر الدر المصون، دمشق، تحقيق أحمد محمد الخراط 2/471

[13]  المغني لابن قدامة، طبعة مكتبة القاهرة، 8/213

[14]  رواه أبو داود، كتاب الطلاق، باب إذا أسلم أحد الأبوين مع من يكون الولد؟، برقم (2244)، وأحمد في المسند، برقم (23757)، وقال محققوه: إسناده صحيح، وقال الشيخ الألباني: “إسناده صحيح على شرط مسلم، وصححه الحاكم والذهبي وابن القطان”، في صحيح أبي داود، برقم (1941).

[15]  رواه أبو داود في سننه، باب من أحق بالولد، برقم (2276) ، وأخرجه الحاكم فىِ “المستدرك” 2/ 207، والبيهقي في “الكبرى” 8/ 4 – 5 من طريق محمود بن خالد السُّلمي، بهذا الإسناد. وصححه الحاكم، وسكت عنه الذهبي. وأخرجه عبد الرزاق في “مصنفه” (12597)، وأحمد في “مسنده” (6707)، والدارقطني في “سننه” (3810) من طريق ابن جريج، وعبد الرزاق (12596)، وإسحاق بن راهويه في “مسنده” كما في “نصب الراية” 3/ 265، والدارقطني (3808) و (3809) من طريق المثنى بن الصباح، كلاهما عن عمرو بن شعيب، به.

[16]  انظر حاشية الأرناؤط على سنن أبي داود 3/ 588

[17]  زاد المعاد، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط 27،  5/ 389

Facebook'ta PaylaşTwitter'da Paylaş

تعليقك على الموضوع  
التعليق *
* ضرورة إدخال هذا الحقل باللغة العربية

الموضوعات ذات الصلة بهذا الموضوع