السُّفهاء واللُّصوص والرَّاشدون

السُّفهاء واللُّصوص والرَّاشدون

الأستاذ الشيخ: جودت سعيد

يحكى أن الأصمعي وهو من كبار أدباء وشعراء العصر العباسي رأى غلاماً فظن فيه النجابة، فسأله: يا غلام هل يعجبك أن يكون لك مئة ألف دينار وأنت أحمق؟ فأجابه الغلام: لا والله، إن حُمقي سيُضيِّعُ عليَّ المئة ألف دينار وأبقى أحمقا!

في أول سورة النساء تتحدث الآيات عن السفيه الذي يبذر ماله: {وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا} (النساء، 5) ، ثم يتحدث في الآية التي تليها عن اليتامى فيأمرنا بأن نوكل إليهم المهام التي تصقل خبراتهم، (وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ)، أي وصلوا إلى مرحلة البلوغ والنضج الجسدي؛ (فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا)، إذا شعرتهم بأنهم يمتلكون قدرة على تمييز الأمور فلا يبيعون سلعة غالية بثمن رخيص ولا يشترون شيئاً رخيصاً بثمن غالٍ (فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ)، ثم يضيف (وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ)، أي أن يقوم بالوصاية والرعاية دون أجر أما (مَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ) بالأجر المناسب.

ومثل الوصاية على اليتيم والسفيه، يجب على المجتمعات الراشدة أن تساعد المجتمعات القاصرة والسفيهة على بلوغ الرشد والخروج من حالة الهدر وإدراك كيف تجري الأمور في هذا العالم الذي نعيش فيه.

لكن، وكما تقع المخالفات من قبل الأفراد فيتركون السفهاء يبذرون، أو يأكلون أموال الأيتام بالباطل، أو يحرمونهم من ميراثهم؛ فإن المجتمعات والدول تمارس هذا السلوك ضد بعضها، فتنهب الأمم بعضها البعض ويستعجل الناهبون لاستغلال الحكومات السفيهة، وسرقة ثروات الشعوب الأخرى قبل أن يبلغوا الرشد ويعرفوا حقوقهم.

وأحيانا يتعاون الطغاة المحليون مع الطغاة العالميين في نهب الشعوب الجاهلة نهبا مزدوجا، فيتم نهب الشعب مرتين، مرة من قبل الأوصياء المحليين، ومرة من قبل الأوصياء العالميين.

ويحدث هذا النهب بسرقة المواد الخام والكفاءات والثروات، وإغراق بعض المجتمعات بآفة التبذير… التبذير في المال والزمن وطاقات الإنسان… التبذير الذي يحول الأفراد إلى فقراء رغم وفرة الموارد، أما المجتمعات التي لا موارد لها، فإنها تغرق بالديون إلى درجة تعجز فيها عن دفع الفوائد، فضلاً عن رد الديون نفسها.

ومثل ما قال الغلام للأصمعي، (الحمق يُضيِّع عليَّ المال وأبقى أحمقا)، فإن المجتمع الجاهل الغائب عن العالم يعيش مشاكل متراكمة، وفوق مشكلة النهب المزدوج وبيع السلع الغالية بثمن رخيص ثم شراء السلع الرخيصة بثمن غال..

وفوق كارثة التبذير والديون وأزمة الأموال المودعة في بنوك الأوصياء يتم شراء الأسلحة باهظة التكاليف معدومة الفائدة إلا لمن يبيعها من الأوصياء.

أخيراً.. ليس لي إلا أن أكرر أهمية الاستيقاظ للخروج من الحالة التي تتسبب في ضياع ثرواتنا وإمكاناتنا ومقدراتنا، وأكرر أن الحل هو في العلم والمعرفة، وفي الخروج من رحم الآباء.. في قراءة القرآن والتاريخ والاعتبار بأحداثه، في حضور العالم وكشف سنن وقوانين الحضارة المعاصرة، لأن الجاهل فاشل إذا دخل في الحرب، وخاسر إذا جرَّب السَّلام، وفاشل في الزراعة والصناعة والتجارة، وفاشل في الابتكار وفاشل في التقليد، وكل ما يفعله يمكن أن ينقلب عليه، كالذي يتخبّطه الشيطان من المسّ.

Facebook'ta PaylaşTwitter'da Paylaş

تعليقك على الموضوع  
التعليق *
* ضرورة إدخال هذا الحقل باللغة العربية

الموضوعات ذات الصلة بهذا الموضوع