المقصود بــ “أَوَّل بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ” في كتاب الله وما يتعلَّق به

أوَّلُ بيتٍ وُضِع للنَّاس

المقصود بــ “أَوَّل بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ” في كتاب الله وما يتعلَّق به

أ.د عبد العزيز بايندر

قال اللهُ تعالى : {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ، فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ ۖ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ۗ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [آل عِمران 96_97]

ونريد أن نبحث في هذه المقالة عن مقصوده تعالى من قوله: “أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ” وما يتعلَّق به من “بَكَّةَ” و”مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ” و”حِجُّ الْبَيْتِ” و “وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا” و”المسجد الحرام”. وسنتَّبع في فهم الموضوع منهجَ تفسير الآيات بالآيات الذي لخَّصه الله تعالى في قوله:

{الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ. أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ} [هود 1_2]

1_ البيت

البيت في اللغة : المأْوَى والمآب ومَجْمَع الشّمْل[1]. فالمقصود بأوَّل بيتٍ وُضِعَ للنَّاس هو مأواهم ومآبهم والمكان الأول الذي يجتمع شمل النَّاس فيه. وهو أمُّ القرى المذكورة في قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا} [الشورى 7] وهي مكة المكرمة، وقد وُصفت بأمِّ القرى لأنَّها القرية الأولى التي نشأت منها القرى الأخرى. والمذكور في الآيتين السَّابقتين [آل عِمران 96_97] من “بكَّة” و”مقام إبراهيم” يؤيدان هذا المعنى. فلا يمكن أن تكون الكعبة وحدها المقصود بالبيت في الآية المذكورة؛ لأنها مكان صغيرٌ لا يتَّسع ما ذكر في الآيتين.

2- بكَّة

قال الخليل البَكُّ: دق العنق، وسُمِّيت مكَّة: بكّة لأنَّ النَّاس يبكُّ بعضُهم بعضاً في الطَّواف، أي: يدفع بعضُهم بعضاً بالازدحام[2]. والازدحام ليس خاصَّا بالطَّواف؛ لأنَّ الحُجَّاج يزدحمون في عرفات ومزدلفة ومنى بدلالة قوله الله تعالى:

{فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ. ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة 198_ 199]

والإفاضة الدَّفع بكثرة، وهو من إفاضة الماء، وهو صبه بكثرة، وهذا الازدحام يُشاهَد في أداء مناسك الحجِّ والعمرة كلِّها. فأصبح سببا في تسمية مكةَ ببكَّة.

3_ مقام إبراهيم

رُوي عن ابن عباس أنَّه قال: “الحجُّ كلُّه مقامُ إبراهيم”[3]. وهذا قول موافقٌ لكتاب الله؛ لأنَّ الله تعالى وصف أولَّ بيت وُضِع للنَّاس بقوله: {فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ} و “مَقَام إبراهيم” عطف بيان لقوله : “آيات بينات” . فإن قلت : كيف صحَّ بيان الجماعة بالواحد؟ قلنا إنَّ المقام هنا وإن كان مفردا لفظا إلا أنَّه جمعٌ معنى، كما في قوله تعالى: {فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ. وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ. كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ} [الشعراء/57-59] فـ “مقام كريم” هنا لا يمكن أن يكون مقاما واحدا، بل هو كلُّ ما تركه فرعون وقومه من المنابر ومجالس الأمراء والمنازل الحسان. والمقام ليس له صيغة جمع، ومن أراد أن يجمعه يضيف إليه تاء التأنيث فيكون مقامة ثمَّ يجعلها مقامات جمع مؤنث سالما. وهاتان الصيغتان لا توجدان في القرآن. و “آياتٌ بيِّنات” تعني إشارات تُعرَف بها مناسكُ الحجِّ والعمرة من عرفات ومزدلفة ومنى والجمرات والصَّفا والمروة والكعبة، لأنَّ المناسك جمع منسك وهو اسم مكان.

إنَّ الكعبة هي البيت الأول من بيوت مكَّة المكرمة، وهي من شعائر الله. ولما أغرق الله قومَ نوح هُدِمت الكعبةُ وبقي أساسُها[4]، أي قواعدها، فرفعها إبراهيم وبناها من جديد، ثمَّ دعا الله أن يُرِيه مناسك الحجِّ بقوله: {وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا} [البقرة 128] لأنَّها أصبحت منسيَّة بالطُّوفان. فهذه الآية تدلُّ على أنَّ المناسك هي الأماكن التي جعلها الله مصلَّى للحجَّاج منذ آدم عليه السلام، وقد بقي النَّاس يحجُّون إليها حتى طوفان نوح، وقد انقطع الحجُّ إليها إثر ذلك حتى بعث الله تعالى إبراهيم بمهمة إعادة بناء الكعبة، ثمَّ عرَّفه المناسك الأخرى، وبقيت الكعبة والمناسك الأخرى قائمة يعرفها الناس.

بعد أن أتمَّ إبراهيمُ بناء الكعبة وأظهر الله تعالى عليه المناسك الأخرى أمره بدعوة النَّاس للحجِّ بقوله:

{وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} [الحج 27]، وإنَّما أذَّن إبراهيم بالحجِّ فقط ولم يبيِّن شيئا منه؛ لأنَّ الأنبياء كلَّهم أمروا أُممَهم بالحجّ، فكان الناس يعرفونه بدلالة قوله تعالى:

{إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ} [النساء 163] لكنه لـمَّا تغيبت المناسك لم يمكن لأحد منهم الحج إليها، أمّا بعد ما أراها اللهُ إبراهيمَ وحجّه فيها أصبحت معروفة، فأمر الله تعالى النَّاس أن يتَّخذوا مقامَ إبراهيم مصلَّى لعبادات الحجِّ بقوله:

{وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [البقرة 125]. فلا يمكن أن يقصد الله تعالى بالبيت هنا الكعبة فقط؛ لأنَّها لا تتَّسعُ الناسَ ولا تحفظُهم.

وهذه الأدلة أثبتت أنَّ البيت الذي جعله الله تعالى مثابة للناس وأمنا وفيه مقام إبراهيم أي مناسك الحج هي مكة المكرمة. فلا يُمكنُ أن يُقصدَ بمقام إبراهيم موضع الحجر المحفوظ عند الكعبة لأنَّه لا يتسع لأحد من الناس ليؤدِّى فيه منسكا من المناسك.

4_ حِجُّ الْبَيْتِ

كل قَصْدٍ هو حجٌّ في اللغة، ثمَّ اختُصَّ بهذا الاسمِ القصدُ إلى البيت الحرام للنُّسْك[5]. فحِجُّ الْبَيْتِ ليس الطواف حول الكعبة فقط، بل هو زيارة مكة المكرَّمة في أيام الحجِّ لأداء المناسك في مقام إبراهيم، حيث إنَّ الطواف بالكعبة منها. وقد بيَّن الله تعالى الفرق بين الطَّواف بالكعبة وبين حجِّ البيت بقوله:

{وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج 29] هذا الآية تأمر بالطَّواف بالبيت العتيق أي الكعبة المشرفة.

والآية التَّالية تتحدَّث عن حجِّ البيت، الذي لا يقتصر على الطواف بالكعبة بل يشمل السَّعي بين الصَّفا والمروة وأداء العبادات في المناسك الأخرى:

{إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ} [البقرة : 158]

وقد ظن المسلمون في بداية الدَّعوة أنَّ السَّعي بين الصَّفا والمروة ليس من شعائر الله بل مما أحدثته الجاهليَّة؛ لأنَّه كان عَلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَة صَنَمَانِ مِنْ نُحَاس يُقَال لَهُمَا إِسَاف وَنَائِلَة، وكَانَ الْمُشْرِكُونَ إِذَا طَافُوا تَمَسَّحُوا بِهِمَا[6]. ولـمَّا أنزل الله تعالى في الْحُدَيْبِيَةِ _وَهِيَ فِي سَنَة سِتّ بعد الهجرة_ قوله: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة/196][7] بيَّن أنَّ هناك شيئا يُنقِصُه المسلمون من حجِّهم وعمرتهم، فأمرهم بإتمامه، ولكنَّه _سبحانه_ لم يبيِّن النَّقص في هذه الآية، فلمَّا أنزل آية السَّعي في حجَّة الوداع بيَّنه بقوله: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} [البقرة  158] فظهر أنَّ السعى بين الصَّفا والمروة ليس لأجل الصَّنمين، ففهم النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم النقص الذي يجب إتمامه في الحجِّ والعمرة، وهو السَّعي بين الصَّفا والمروة فقال: “اسْعَوْا فَإِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمْ السَّعْيَ”.

ودليل نزول الآية في حجَّة الوداع الحديث المروي عَنْ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي تَجْرَاةَ قَالَتْ: “دَخَلْنَا دَارَ أَبِي حُسَيْنٍ فِي نِسْوَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَطُوفَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، قَالَتْ وَهُوَ يَسْعَى يَدُورُ بِهِ إِزَارُهُ مِنْ شِدَّةِ السَّعْيِ وَهُوَ يَقُولُ لِأَصْحَابِهِ اسْعَوْا فَإِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمْ السَّعْيَ”[8] . وكان هذا في حجَّة الوداع، ولم يُرْوَ عنه أنَّه قال في السَّعي شيئا قبله.

وبما أنَّ الطَّواف والسَّعي ركنان مشتركان بين الحجِّ والعمرة، دلَّ على أنَّ البيت المذكور في آية السَّعي (فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ) ليس الكعبة المشرفة فقط، بل هو مكة المكرمة كلُّها.

5_ أمن البيت

العبادة الخاصة بمكة هي الحجُّ والعمرة. والحجُّ واجبٌ لقوله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [آل عمران 97] أمّا العمرة فليست بواجبة وليس لها وقت مخصوص.

والحجُّ يؤدَّي في أشهر معلومات. قال الله تعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} [البقرة 197]

وقوله “فمن فرض فيهن الحج” أي فمن أوجب الحجَّ على نفسه وألزمَها إياه فيهن (الأشهر المعلومات). وهذه الأشهر ليست كلُّها محلاً لأداء مناسك الحجِّ، بل تعقد النيَّة فيها فقط. والذي أوجب على نفسه الحجَّ يمكن أن يكون في مكانٍ بعيد جدا عن مكَّة المكرَّمة فيحتاج وقتا طويلا للوصول إليها. والسَّير طويلا في فجاج الأرض يلزمه أن يكون الطريق آمنا، لذلك جعل الله الأشهر المعلومات الأشهر الحرم، وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، حيث قال فيها:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا} [المائدة 2] وقال أيضا: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ} [البقرة 217]

والحجَّاج لا يأتون مكةَ للحجِّ فقط، بل يأتون بالأموال للتَّجارة وبالأنعام للتَّضحية في عِيد الأَضْحَى، ذلك بأنَّ الله تعالى قال:

{لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} [الحج 28]

وهذه الأعمال كلُّها تحتاج الأمن. قال تعالى في آيةٍ أخرى:

{وَقَالُوا إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا. أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَىٰ إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِّزْقًا مِّن لَّدُنَّا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [القصص 57]

ليس معنى كون البيت آمناً أنَّه لا يمكنُ أن يحدثَ فيه ما يُخلُّ بالأمن. قال تعالى: {وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ، فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ، كَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ} [البقرة 191]

وَقَالَ النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلم يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ : “إنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّهُ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ”[9].

6_ الْمَسْجِد الْحَرَام

المسجد الحرام ليست الكعبة مع المطاف فقط، بل مكة المكرمة كلُّها، لأنَّ الله سبحانه وتعالى وصف الذين يعيشون بمكة بأنَّهم حاضروا المسجد الحرام بقوله:

{فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة 196]

الحاضر في اللغة المقيم في المُدُنِ[10]، فحاضروا المسجد الحرام هم أهل مكة؛ لأنَّهم هم المقيمون فيها.

معاهدة الحديبية عُقدت عند المسجد الحرام لقوله تعالى:

{كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} [التوبة  7]

وقد كانت الحديبية ببطن مكَّة كما قال الله: {وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ} [الفتح 24]

والبطن في اللغة: خلاف الظهر في كلِّ شيء، ويقال للجهة السُّفلى: بطن، وللجهة العليا: ظهر، وبه شُبَّه بطنُ الأمر وبطن الوادي[11]، فبطن مكة هو المكان الذي يلي مكة وهو الحديبية. وهاتان الآيتان تؤيِّدان هذا المعنى:

{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ، وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ. وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [الحج 25_ 26]

7_ الكعبة

لا شكَّ أنَّ الكعبة هي البيت الحرام بدليل قوله تعالى:

{جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [المائدة 97]

فهي أوَّلُ بيت من بيوت مكة، وكذلك أولُ بيتٍ بُنيَ فيها بعد الطُّوفان بيدي إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام، وكان إبراهيم قد ترك من ذريته عند قواعد البيت قبل بنائه، وقال:

{رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} [إبراهيم 35 – 37] وقال بعد بنائه: {رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آَمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ، قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [البقرة 126]

النتيجة

وظهر بدلالة الآيات المذكورة أنَّ المقصود ب”أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ” في كتاب الله هو مكَّة المكرَّمة و”بَكَّةَ” وصفُها؛ لأنَّها تخبر عن ازدحام الحجَّاج والمعتمرين في المناسك. و”مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ” هو الأماكن التي قام فيها إبراهيم لأداء فريضة الحجِّ بعد بنائه الكعبة وبعد أن أراه الله تلك الأماكن (المناسك). و”حِجُّ الْبَيْتِ” ليس الطواف حول الكعبة فقط، بل هو أداء مناسك الحجِّ كلِّها في وقتها، وقوله تعالى: “وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا” أي ومن دخل البيت (مكة) كان آمنا لأنَّه هو {البلد الأمين} [التين 3]  وهو “المسجد الحرام” أيضا. والكعبة هي أول بيت من بيوت مكة، وكذلك أوَّلُ بيت بُنيَ فيها بيد إبراهيم عليه السلام بعد انهدام بيوتها كلِّها بالطوفان.

هذا ما فهمناه من الآيات والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب.

وقف السليمانية/ مركز بحوث الدين والفطرة

الموقع: حبل الله www.hablullah.com

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]  مقاييس اللغة – (ج 1 / ص 300)

[2] العين – (1 / 425)

[3] تفسير الطبري – ج 3 – البقرة 124 – 195

[4] تفسير الطبري – (3 / 60)

[5] مقاييس اللغة  (ج 2 / ص 23)

[6] فتح الباري لابن حجر – (5 / 309)

[7] فتح الباري لابن حجر – (6 / 31)

[8] مسند أحمد – (55 / 375) 26101

[9] البخاري (3189) ، ومسلم (1353)

[10] لسان العرب – (4 / 196)

[11] المفردات، مادة بطن

Facebook'ta PaylaşTwitter'da Paylaş

تعليقك على الموضوع  
التعليق *
* ضرورة إدخال هذا الحقل باللغة العربية

الموضوعات ذات الصلة بهذا الموضوع