اعتراضٌ وردٌّ على فتوى “المآتم الحسينية”
السؤال: سلام عليكم. وقعت على صفحتكم الموقرة فأعجبت بجرأتكم العلمية. ورغم كوني شيعيا واختلافي جزئيا معكم عقديا وفقهيا بما لا يخل بإسلام كلينا إلا أني وجدت تجرُّدا للحقِّ، ولكن ساءني ما قرأته هنا وتحديدا في قولكم: “والغريب أنهم لا يقيمون المآتم بذكرى موت جده النبي صلى الله عليه وسلم ولا لمن استشهدوا غدرا من الصحابة السابقين كأبيه علي” فهلا تكرمتم بفتح قنواتنا ليلة 28 صفر ويومها أو زرتم بلدي لتروا الحزن على رسول الله يطبّق الأرجاء، وكذلك ليلة 21 رمضان ويومها يوم مخصوصٌ لعلي، أرجو الإنصاف مع إقراري طبعا بعدم مشروعيَّة بعض الممارسات الشيعيَّة، ولكن ذلك لا يُخرج الأمر عن قول الحقِّ.

الجواب: شكرا جزيلا على تواصلك معنا وعلى رأيك بموقعنا، وهذا يسعدنا حقَّا.

أخي الكريم: ما أحزنك لم يكن هو أساس تفيندنا لفعل الشِّيعة بمناسبة استشهاد الحسين رضي الله عنه[1]، وإنما أساس التَّفنيد أنَّ إحياء المصائب ليس من دين الإسلام في شيء، فليس مطلوبا شرعا أن تقيم مراسم الحزن والمآتم بمناسبة وفاة النِّبيِّ صلى الله عليه وسلم أو وفاة أحد من آل بيته أو أصحابه. لكنَّ المطلوب أن تتأسَّى بهم في فهم القرآن والجهاد به والعيش بنورة وبمقتضاه، فإن فعلت كنت مُحبَّا حقَّا للنَّبيِّ وآل بيته. وإن تركت الكتاب الذي جاهدوا به ومن أجله كان حُبَّا مزعوما لم تقدِّم ما يثبته سوى ما لم يرد الشَّرع به.

والقرآن الكريم يبيِّن لنا الصُّورة الحقيقيَّة لمحبَّة النَّبيِّ بقوله تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ. قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} (آل عمران، 31_32) فمحبَّة النَّبيِّ تكمن باتباعه واتِّباع النُّور الذي أُنزل معه، كما جاء في قوله تعالى: {فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (الأعراف، 157) وصورة ذلك أن نأتي ما أمر به، وننتهي عمَّا نهى عنه.

ولا يوجد في كتاب الله أمرٌ واحد بإدامة العزاء على ميِّت وإحياء ذكراه كلّ سنَّة، ولو كان هذا مشروعا لأقامه نبيُّنا على الأنبياء من قبله، أو على من استشهدوا في بدر وأُحد، وكان منهم عمُّه حمزة وكان أحبَّ النَّاس إليه، ولأقامه على خديجة وهي أحبُّ نسائه إليه، ولأقامه على عمِّه أبي طالب الذي كان حاميا له ونصيرا، لكنَّنا لم نجد شيئا من ذلك، ولم يُروَ أنَّه أقام لأحد ذكرى سنويَّة ومأتما يخلِّدُ الحزنَ عليه.

بل إنَّ الله تعالى يتحدَّث عن موت النَّبيِّ كموت أي إنسان آخر بقوله لنبيِّه: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ} (الزمر، 30) ذلك أنَّه بلَّغ الرِّسالة واكتمل الدِّين، فمن أراد الحقَّ فعليه بتلك الرِّسالة والعيش بنورها، ومن تنكَّب عنها فارق الهدى وعاش في الضَّنك،  كحال عامَّة المسلمين اليوم. وقد بيَّن في آية أخرى أنَّ موت النَّبيِّ لا ينبغي أن يكون عائقا عن التزام الهدي الذي جاء به، ولا يصحُّ أن يكون موته سببا في النُّكوص على الأعقاب، أو إحداث دين جديد؛ لأنَّ ما جاء به تركه لنا مكتملا، فالمطلوب مواصلة الحياة على نور الكتاب وليس الحزن الأبدي على موته أو موت أحد من آل بيته. يقول الله تعالى: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ، أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ، وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا، وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ} (آل عمران، 144)

لذلك لم نجد أحدا من آل بيت النَّبيِّ أو أصحابه أقام له مأتما سنويَّا بعد وفاته صلَّى الله عليه وسلم، بل فعلوا ما أوصاهم به وهو العمل بالرِّسالة التي جاء بها ونشرها تبليغها للنَّاس كافَّة، ففعلوا ما استطاعوا، ولم يستبدلوا اللطم والنواح بتلك المهمَّة العظيمة، بل جاهدوا وصبروا ودافعوا عن بيضة الإسلام، فلا يصحُّ أن يكون يوم موت أحدهم ذكرى سنويَّة للبكاء والعويل.

نسأل الله تعالى لنا ولكم الهداية والتوفيق والسداد

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] العبارة التي أوردها الأخ السائل _معترضا_ وردت في فتوى بعنوان “المآتم الحسينية” على موقعنا “حبل الله” بهذا الرابط http://www.hablullah.com/?p=2092

Facebook'ta PaylaşTwitter'da Paylaş

تعليقك على الموضوع  
التعليق *
* ضرورة إدخال هذا الحقل باللغة العربية

الموضوعات ذات الصلة بهذا الموضوع