ضرب الزَّوجة في الأحاديث

ضرب الزوجة في الأحاديث

عبارة “واضربوهن ضربا غير مبرح” التي تناقلتها الروايات وردت في الخطبة التي ألقاها نبيُّنا في حجَّة الوداع. الرواية الوحيدة التي ترد  فيها كلمتي الضرب والنشوز في سياق واحد هي التالية:

“فاتقوا الله في النساء، فإنهن عندكم عوان، لا يملكن لأنفسهن شيئا، وإن لهن عليكم، ولكم عليهن حقا: أن لا يوطئن فرشكم أحدا غيركم، ولا يأذن في بيوتكم لأحد تكرهونه، فإن خفتم نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع، واضربوهن ضربا غير مبرح ولهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وإنما أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله ألا ومن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها”[1]

كلمة مبرح من البرح بمعنى الإزعاج أو الإحراج. وقول النبي “واضربوهن ضربا غير مبرح” معناه التالي: “أبقوهن هناك دون إحراجهن أو  إزعاجهن”.

1_ الروايات المتناقضة

يستخدم مصطلح “الحديث” للدلالة على أقوال نبينا وتطبيقاته. وفي العصر الثاني (أي عصر التابعين) ابتدئ استخدام مصطلح السنة بدلا من مصطلح الحديث. وفقا لما بين أيدينا من كتب التراث فإنه نتيجة لنسيان علم تفسير القرآن الكريم لم يُرَ حينئذٍ ما استخرجه النبي من القرآن حكمة[2]. الذين بدؤوا بكتابة الأحاديث بعد مدة طويلة من وفاة النبي اعتمدوا بشكل أساسي على أسانيد تلك الأحاديث التي هي عبارة عن سلسلة الرجال الذين تناقلوا الحديث، وقد كان مستوى الثقة بالأشخاص الذين نقلوا الرواية هو ما يحدد الحكم بصحة الرواية أو عدم صحتها. وهذا منهج إشكالي للغاية. وفي مسألة الثقة بالأشخاص هناك تحذير للنبي ورد في قوله تعالى:

{وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} (المنافقون، 63/4)

وكما أن المنافقين استطاعوا أن يحظوا بإعجاب النبي بما يصدر عنهم من الأقوال والأفعال، فإنه يمكن للمنافقين في كل زمان ومكان أن يجعلوا المسلمين معجبين بما يظهرونه من العلم والتصرفات الحسنة. إن الحكم على الرواية بالصحة نظرا لسلسلة السند يعطي الفرصة لنسب الأقوال إلى النبي حتى لو كانت مخالفة تماما للقرآن، ولا شكّ أن المنافقين استفادوا من إمكانية ذلك.

إن الذين وصلوا إلى حالٍ من عدم القدرة على إيجاد الحلول من القرآن بسبب نسيان علم تفسيره قد بدؤوا بوضع السنة مقام القرآن. الإمام الشافعي (ت 204 هـ) عدّ في كتابه المشهور “الرسالة” أن السنة متساوية مع القرآن الكريم مستدلا على ذلك بآيات اقتطعها من سياقها وفصلها عن متشابهاتها. ويُدّعى أن التابعي يحيى بن كثير قد بالغ بأكثر من ذلك بقوله:

“السُّنَّةُ قَاضِيَةٌ عَلَى الْكِتَابِ وَلَيْسَ الْكِتَابُ قَاضِيًا عَلَى السُّنَّةِ”[3]

ويقال إن مكحولا (ت 112 هــ) وهو من فقهاء التابعين كان له نفس الرأي حيث نقل عنه هذا القول:

“الْقُرْآنُ أَحْوَجُ إِلَى السُّنَّةِ مِنَ السُّنَّةِ إِلَى الْقُرْآنِ”[4]

أخطر الأشخاص هم المنافقون الذين يظهرون بمظهر أهل العلم والدين. هؤلاء محترفون بتنسيب افتراءاتهم إلى الأنبياء والعلماء المخلصين. وقد حذرنا الله تعالى من أمثال هؤلاء بقوله:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ} (التوبة، 9/34)

هؤلاء الذين يفضلون الحياة الدنيا على الآخرة يتحدون مع النّفعيين لإسكات العلماء الربانيين، وهم باستخدامهم للآيات والأحاديث بطريقة خاطئة أو بتجاهلها تماما ينتهون إلى إمكانية تشكيل دين جديد لا علاقة له بدين الله الحق سوى بالمسمى. وإذا راجعنا كتب المذاهب والتفاسير على ضوء علم تفسير القرآن نفهم تأثير أصحاب العلم من المنافقين الذي أدى لتشكل دين جديد. ولا أدلّ على ذلك من اتفاقهم على إبطال حق المرأة في إيقاع الطلاق بإرادتها الحرة، وهذا واحد من أمثلة كثيرة.

يقال في المثل التركي “الشمعة تُستهلك قبل العشاء” وفي المثل العربي “حبل الكذب قصير” وبناء على ذلك فإنه ليس من الصعب استخراج التناقض من الروايات المتعلقة بضرب النساء. والرواية الأكثر شمولا والمتعلقة بموضوعنا ما زُعم أن نبينا قال:

“فَإِنْ فَعَلْنَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ”[5]

في هذه الرواية يظهر أنه تم أخذ جملة من الآية 34 من سورة النساء مضافا إليها ما ليس منها لتصبح:

“فَإِنْ فَعَلْنَ فَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا”

التعبير الوارد في الآية “واللاتي تخافون نشوزهن” وضع مكانه “فَإِنْ فَعَلْنَ” أي إذا أتين بفاحشة بينة. فما العلاقة التي يمكن أن تكون بين الخوف من نشوز النساء وبين إتيانهن الفاحشة!

أقصر روايات الحديث وردت كالتالي: “… ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم من لا تريدون. فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح”.

وهنا قد كُوِّنت جملة كاملة بأخذ كلمة واحدة (واضربوهن) من الآية.

وَإِنَّ لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِينَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ

هل يمكن للزوجة أن تجامع من لا يكرهه زوجها؟! وهل يمكن أن يقول النبي قولا يشير إلى ذلك؟ حاشاه. وهكذا لا يمكن أن تكون هذه الرواية إلا من وضع أحد المنافقين ونسبها إلى نبينا.

وقد أعطى المحدثون عبارة “فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ” معنى “فاضربوهن ضربا غير مؤلم”. يُدَّعى بأن قتادة (ت 117 ه) قال “ضربا لا يشوه مكانتها”. وروي عن الحسن البصري (ت 110) أنه قال “ضربا لا يترك أثرا”. وقد رأينا في الأعلى أن المعنى الصحيح هو “إبقاؤهن هناك بدون إحراجهن أو إزعاجهن”. ويجب إبقاء الزوجة في البيت وعدم إخراجها منه بعد نشوزها أي إظهارها رغبتها بالافتراق عن زوجها.

للمزيد حول الموضوع ننصح بقراءة مقالة أ.د عبد العزيز بايندر (ضرب الزوجة) على الرابط التالي http://www.hablullah.com/?p=2945

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] مسند أحمد، حديث عم أبي حرة الرقاشي، 20695

[2] ذلك أن الله أنزل على نبيه الكتاب والحكمة (انظر النساء، 4/113)، فالكتاب هو مجموع السور والآيات في القرآن، وأما الحكمة فهي الأحكام الصحيحة المستخرجة منه، كما أنها المواعظ والعلوم المستفادة من إيجاد الروابط والمناسبات بين الآيات. وقد ظهرت الحكمة في أقوال نبينا وتطبيقاته في المجالات المختلفة، لذا لا بد أن تكون أحاديثه معبرة عن مقتضى الحكمة في الكتاب. لكن التراث فصل بين الحديث والقرآن فقد جعل الحديث وحيا مستقلا عن وحي الكتاب فكان ذلك سببا في ايجاد مداخل كثيرة للوضع والكذب على نبينا لأنه لم يعد القرآن حكما على الأحاديث بل السند وحده هو الذي يحدد صحة الحديث أو ضعفه. للمزيد حول هذا الموضوع انظر مقالتنا (مفهوم الحكمة عند الامام الشافعي) على الرابط التالي http://www.hablullah.com/?p=19

[3] الإبانة الكبرى لابن بطة، باب ذكر ما جاءت به السنة من طاعة 88، 1/253

[4] الكفاية في علم الرواية، للخطيب، باب تخصيص السنن لعموم حكم، 1/14، والسنة للمروزي، 104، 1/33

[5] صحيح مسلم، باب حجة الوداع، 147 – (1218)

Facebook'ta PaylaşTwitter'da Paylaş

تعليقك على الموضوع  
التعليق *
* ضرورة إدخال هذا الحقل باللغة العربية

شوهد 260 مرة/مرات
الموضوعات ذات الصلة بهذا الموضوع