هل صلاة التَّراويح جماعةً سنَّةٌ حسنة؟
حبل الله > الصلاة > الفتاوى > قيام الليل تاريخ النشر: 11/06/2018 Tavsiye Et Yazdır
السؤال: يوجد حديث (من سنَّ سُنَّة حسنة فله أجرها...) فلماذا لا تكون صلاة التَّراويح سنَّة حسنة؟ هو ليس تشريع ولا أحد يلزم النَّاس بصلاة التَّراويح، ولكنَّ صلاة التَّروايح جماعة تُعين بعض النَّاس على الصَّلاة. وطالما عملها لا يضرُّ وغير إلزامي بل بالعكس الكثير يحبُّ هذه الصلاة، فلماذا لا تُترك كما هي إن شاء النَّاس صلُّوا وإن لم يشاؤوا فلا بأس ؟ هل هو حرام عندما نشجع شيء جيد على الاستمرار؟

الجواب: سنُّ السنَّةِ الحسنة المقصود في الحديث هو ابتداع طريقة حسنة تُسهِّل حياة النَّاس وتعينُهم على تقوى الله عزَّ وجلَّ، ومجالُها الأمور الدنيويَّة من معاملات وعادات وأخلاق وعلاقات عامة.. أمَّا الأمور التَّعبديَّة فهي لازمةٌ للنَّصِّ لا يصحُّ أن يُحدَث فيها شيءٌ جديد، حتى لو كان ظاهرُه خيرا، لأنَّ الخير _في الحقيقة_ ما شرعه الله تعالى لنا من هذه العبادات بالطَّريقة والكيفيَّة التي أقرَّها لنا وظهرت بتطبيق النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم. لذا كان تحذير النَّبيِّ من الابتداع في أمور الدِّين متكرِّرا حتى أنَّه نُقل إلينا متواترا. فعن عائشة رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أحدث في أمرنا هذا (الدِّين) ما ليس فيه، فهو ردٌّ»[1] أي مردود.  

وقد كان بيانُ النَّبيِّ بمقتضى قوله تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (الشورى 42/21)

فأداء العبادات لا يتمُّ بحسب المزاج أو العاطفة، بل يتمُّ بمقتضى النَّصِّ، فالقول إنَّ النَّاس يرغبون بها ويُقبِلون عليها لا يجعلُ منها دينا، لأنَّ النَّاس لا يملكون الحقَّ في ذلك ولو اجتمعوا عليه[2]، كما أنَّ هذا الزَّعم منقوضٌ في ذاته، لأنَّنا نرى النَّاس يُقبلون على صلاة التَّراويح جماعة أكثر من إقبالهم على الصَّلوات المفروضة، وهذا بذاته يُظهر حجم المشكلة، فالمبتدعاتُ تكون على حساب المفروضات غالبا.

لا يوجد في القرآن ولا في السنَّة ما يدلُّ على مشروعيَّة صلاة التَّراويح جماعة في المسجد، حتى إنَّ مُسمَّاها مُبتدعا، فلم تُعرف مثلُ هذه الصَّلاة في زمن النَّبي. لكنَّ نبيَّنا وأتباعَه كانوا يصلُّون قيام الليل فرادى في بيوتهم، وكان ذلك طيلة أيَّام السَّنة، وليس فقط في رمضان، وكانوا يصلُّونها فرادى في المسجد أثناء اعتكافهم العشر الأواخر من رمضان، حتى إنَّ كتب الحديث تذكر حادثةً نادرة في أمر قيام الليل تمثَّلت باقتداء جماعة من أصحاب النَّبيِّ به في المسجد، وهو داخل حجرته التي بناها من حصير ليعتكف فيها[3]، ولمَّا كثرت الجماعة في الليلة الثالثة خرج إليهم ونهاهم عن ذلك، موجِّهاً إيَّاهم إلى أنَّ أفضل صلاة المرء تلك التي تكون في بيته إلا المكتوبة.

فقد روى البخاري بإسناده عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم اتَّخَذَ حُجْرَةً ـ قَالَ حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ مِنْ حَصِيرٍ، فِي رَمَضَانَ فَصَلَّى فِيهَا لَيَالِيَ، فَصَلَّى بِصَلاَتِهِ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا عَلِمَ بِهِمْ جَعَلَ يَقْعُدُ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ “‏قَدْ عَرَفْتُ الَّذِي رَأَيْتُ مِنْ صَنِيعِكُمْ، فَصَلُّوا أَيُّهَا النَّاسُ فِي بُيُوتِكُمْ، فَإِنَّ أَفْضَلَ الصَّلاَةِ صَلاَةُ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلاَّ الْمَكْتُوبَةَ”[4]‏‏

يظهرُ ممَّا سبق أنَّ صلاة القيام تُصَلَّى في البيوت سوى ليالي الاعتكاف فإنها تصلى في المسجد، وتُصَلَّى فُرادَى في الحالتين. وسُمِّيت بصلاة القيام لأنَّ المسلم يقومُ لها من النَّوم، وهو النَّوم بعد العشاء ثمَّ الاستيقاظ لها قبل الفجر، وهو المفهوم من قوله تعالى:

{إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} (المزمل، 20)

وللمزيد حول الموضوع ننصح بقراءة مقالة الأستاذ أنس عالم أوغلو (صلاة التَّراويح) على الرَّابط التالي http://www.hablullah.com/?p=992

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]  صحيح البخاري، رقم 2697، وأخرجه مسلم في الأقضية باب نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور، رقم 1718

[2]  بالرُّغم من ظهور رغبة الصحابة في الاقتداء بالنَّبيِّ في صلاة القيام إلَّا أنَّه نهاهم عن ذلك. وهذا دليل على الأمور الدِّينية لا تُقرِّرُها الرَّغبة، بل يقرِّرها الشَّرع.

[3]  كان النبي قد اتخذ حجرة من حصير في المسجد ليعتكف فيها، وفي ذلك دلالة واضحة على أنه صلى الله عليه وسلم كان يريد أن يُصلِّيَ القيام منفردا، لكنَّ حبَّ الصَّحابة بالصَّلاة خلف النَّبي جعلهم يقتدون به في صلاة القيام بالرغم من كونه منعزلا عنهم في حجرته، ورغم ظهور رغبتهم في ذلك إلَّا أنَّ النَّبيَّ نهاهم عن الاقتداء به في صلاة القيام.

[4]  صحيح البخاري، باب قيام الليل، 731

Facebook'ta PaylaşTwitter'da Paylaş

تعليقك على الموضوع  
التعليق *
* ضرورة إدخال هذا الحقل باللغة العربية