وقفة مع طوفان نوح عليه السلام

وقفة مع طوفان نوح عليه السلام

أ.د عبد العزيز بايندر

ورد في الآية 31 من سورة البقرة أنَّ الله تعالى علَّم آدم الأسماءَ كلَّها، ومقتضى ذلك أنْ علَّمه كلَّ التَّفاصيل المتعلِّقة بكافة الموجودات وكيفيَّة الاستفادة منها، ذلك أنَّ الشيء لا يُعطى اسما دون معرفة كنهه وحقيقته. وتفيدُ سورة العلق أنَّ هذه العلوم تلقَّاها آدمُ بالقلم[1].

لقد كان آدم عليه السلام صاحب قدرة وجاهزيَّة لأن يبني على ما علَّمه الله تعالى ويتوصَّل إلى معارف جديدة تمكِّنه من انتاج أو اختراع كلِّ ما يلزمه في حياته. وقد كان نوحٌ عليه السَّلام أحدُ أحفاده، وقد أوردت الآيتان 15 و 16 من سورة نوح تعبيرات عن مدى التَّقدم العلمي الذي وصل إليه قوم نوح، حتى إنَّ ذلك التَّعبير خلا من القرآن إلا بحقِّهم:

{أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا. وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا} (نوح 71/15-16)

السماء التي نراها نحن هي السَّماء الأولى، لذا خوطبنا في القرآن بما يمكنُنَا رؤيتُه منها[2]، بينما قومُ نوح كانوا يرون السَّبعة كاملة، لذا خوطبوا بما يمكنهم رؤيته منها أيضا، وهذا يدلُّ على أنَّهم كانوا متقدِّمين في علوم الفضاء على الإنسان المعاصر بدرجات كثيرة.

وبهذه العلوم المتقدِّمة استطاع نوحٌ عليه السلام صناعة سفينة قادرة على حمل جماعته من المؤمنين بالإضافة إلى زوجين من كلِّ نوع من الحيوان، وإن علمنا أنَّ الحيوانات لا يمكن جمعُها في صعيد واحد فكان لا بدَّ من احتواء السَّفينة على حجرات لفصل تلك الحيوانات حتى لا يأكل القويُّ منها الضَّعيف، وهذا بالطَّبع يتطلَّب مساحة أكبر، بالإضافة إلى المساحة اللَّازمة لتخزين ما يلزم القوم والحيوانات من الطعام. ومعلومٌ أنَّه كلَّما عظُم حجم السَّفينة تعقَّدت صناعتُها وأصبحت بحاجة إلى مهارات وعلوم خاصَّة.

لمَّا حانت ساعة العذاب تفجَّرت ينابيعُ الأرض وهطل مطرُ السَّماء، ونتيجة لذلك تكوَّنت السُّيولُ العارمة والأمواج العظيمة، وما أن أَدْخَل نوحٌ عليه السلام النَّاسَ إلى السَّفينة[3]، حتى أخذت الأمواج العاتية بأرجحتها، في تلك الأثناء نادى نوحٌ ابنَه الذي كان يقف بعيدا عن لُجَّة المياه أن يلتحق به ويركب السَّفينة، لكنْ حال بينهما الموج الذي كان كفيلا بإغراقه.

يقول الله تعالى {وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ. قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (هود 11/42- 43)

ولنا أن نتصوَّر المسافة التي تفصل السَّفينة التي تتلاطمها الأمواج عن المكان الذي يقف فيه ابن نوح، ثم لنَّا أن نتصوَّر الأصوات الهائلة الناتجة عن المطر الشديد والأمواج العاتية، فهل يُقبل القول بعدئذٍ بأنَّ نوحا نادى ابنَه بدون وسيلة فاعلة. هذا غير ممكن.

إذا كانت السَّفينة تجري في موجٍ كالجبال وابنُ نوح يقفُ بعيدا عنها على اليابسة، فكيف له أن يلبِّي نداء أبيه لو أراد ذلك؟ وهذا تساؤل محقٌّ أيضا.

بناء على الحقائق المتقدِّمة فلا غرابة من الزَّعم أنَّ نداء نوح لابنه قد جرى بوسيلة اتصال متقدمِّة جدَّا، كما يلزم أنَّ نوحا كان يملك الإمكانية لإحضار ابنه إلى السَّفية التي تتقلَّب في الموج، وهذا لا يتأتَّى إلا عبر وسيلة إنقاذ متقدَّمة كطائرة مسيَّرة مثلا.

إنَّ عدم النَّظر إلى كلِّ تلك المعاني الواردة في آيات الطُّوفان، وكذلك عدم الربط بينها وبين الآيات التي تتحدَّث عن التَّقدُّم العلمي الهائل عند قوم نوح – جعل المفسِّرين يتحدَّثون عن نداء طبيعيٍّ صادرٍ من نوح لابنه في تناقض تامِّ مع المعقول، متجاوزين بذلك الظُّروف المحيطة التي تمنع تحقُّق النِّداء الطَّبيعيّ.

وقف السليمانية/ مركز بحوث الدِّين والفطرة

الموقع: حبل الله www.hablullah.com

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]  قال الله تعالى {الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ. عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} (العلق 96/4-5) والإنسان هو آدم عليه السلام؛ لأنَّه الوحيد الذي حظي بشرف تعليم الله إيَّاه مباشرة، كما بيَّنه قولُه تعالى {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا} (البقرة 2/32)

[2]  ومثاله قوله تعالى {أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ. وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ. وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ. وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ} (الغاشية 88/17-20)

[3]  قال الله تعالى {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ} (هود 11/40) وقوله تعالى {وفار التنور} يشير إلى أن سفينة نوح كانت تعمل بالطاقة البخارية.

Facebook'ta PaylaşTwitter'da Paylaş

تعليقك على الموضوع  
التعليق *
* ضرورة إدخال هذا الحقل باللغة العربية

الموضوعات ذات الصلة بهذا الموضوع