المقايسة بين القرآن والفطرة

المقايسة بين القرآن والفطرة

إن مضمونَ القرآنِ الأمَّ منحصرٌ في مسائل أربعة، وماهية الفطرة الأساسية متكوَّنة بتلك المسائل. وفيما يلي نذكرها بالمقايسة بينهما:

أ- العقيدة الصحيحة

العقيدة: هي على وزن فعيلة، بمعنى مفعولة، من عقد يعقد عقدا. يقول أحمد بن فارس بن زكرياء (المتوفى: 395هـ)  في معجمه (مقاييس اللغة): “العين والقاف والدال أصلٌ واحدٌ يدلُّ على شَدٍّ وشِدّةِ وُثوق، وإليه ترجعُ فروعُ البابِ”. فهي إذن ما عُقِدَ عليه بشدِّة واستحكام. لذا يمكننا تعريفها بأنها ما استقر في القلب بحيث لا يتطرق إليه شك ولا يصل إليه ريب ولا يتسرب إليه شبهة.

والقلب قائد البدن، لأنه مركز القرار والحكم، وهو يحكم ويخرج قراره بما وضع صاحبه فيه وعقد فمه عليه. فإذا وضع إنسان في قلبه ما تلهمه فطرته، وهو نفس ما يذكره كتابه، فهذا القلب يحكم به ويجريه البدن. وأما إذا وضع فيه ما تهوى به نفسه الذي هو عين ما توسوس به شيطانه، فهذا القلب يحكم به أيضا ويجريه البدن.

والعقل رسول الفطرة والمتحدث باسمها، فهو يقول للقلب حينما يحكم على توجيهه: “أحسنت، أصبت، أنت على الحق”، فيفرح القلب لقراره بالصواب، ويرتاح البدن لفعله بالصالح. وهذا ما يسمى “راحة الوجدان”.

والهوى رسول النفس والمتحدث باسمها، ويقول للقلب حينما يحكم على توجيهها: “أحسنت، أصبت، أنت على الحق”، والعقل يقول: “أسأت، أخطأت، ضللت, أنت على الباطل”، فينزعج القلب لحكمه بالخطأ، ويضطرب البدن لفعله بالطالح، وهذا ما يسمى “عذاب الوجدان”.

والحديث التالي يؤيّده: “أَلاَ وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً: إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلاَ وَهِيَ القَلْبُ”- متفق عليه.

ومن الحقائق الظاهرة في القرآن وحدانية الله في الألوهية. وجميع الرسل أرسلوا للدعوة إلى تلك الحقيقة والنهي عن الشرك بالله فيها[1]. والقرآن يكرر هذا التوحيد وأثره وعاقبته التي تظهر في ميادين الحياة وساحاتها من اطمئنان داخلي وحرية من كل وجه.

ومنها الإيمان بالآخرة والحساب والميزان ودوام الحياة فيها. والآيات في القرآن الكريم مستفيضة فيها. والفطرة تعرف كلتيهما، لأجل ذلك لم يخل أي زمان من المعترفين بها بفطرتهم. يقول الزمخشري في كشافه عند تفسيره في الآية الثانية والعشرين: قال زيد بن عمرو بن نفيل حين فارق دين قومه:

أَرَبًّا وَاحِدًا أَمْ أَلْفَ رَبٍّ … أَدِينُ إِذَا تَقَسَّمَتِ الْأُمُورُ

تَرَكْتُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى جَمِيعًا … كذلك يفعل الرجل البصير

وكما أنه لم يخل أي زمان من المؤمنين باليوم الآخر وبما يجري فيه، ولذلك يقول الشخص لخصمه حينما لا يستطيع أن يسترد حقه منه: “سأحاسبك يوما”، “يأتي يوم ترى فيه ما ترى”، “أمامك يوم يكون لك عسيرا”. ويشعر كل إنسان بانتهاء أيام الدنيا وبابتداء أيام أخرى، ويشعر أيضا أنه سيحاسَب على أعماله في الدنيا وسيؤجر على حسناته ويعاقب على سيئاته، فيضيق صدره ويتحرج عند فعله السيئات ويرتاح وينشرح عند فعله الحسنات.

ب- الأعمال الصالحة

والأعمال الصالحة التي يطلبها القرآن من المؤمن هي أعمال نافعة للعامل ولأهله ولأبناء بلده. وتعلم العلوم النافعة وتعليمها، وتنمية الخيرات وتشجيعها، وفعل الحسنات والترغيب فيها عِدَّةٌ منها.

وهذه الأمور وضع الله تعالى حسنها في الفطرة كما ذكرها في كتابه. لذا فإن كل إنسان يحب العلوم النافعة ويطلبها ويحصل عليها بحسب طاقته وجهده، وكذلك يحاول طول حياته أن يقوم بالأعمال الصالحة لنفسه ولأهله ولأهل بلده. والمؤسسات الخيرية المتنوعة العالمية والمحلية التي أسسها الناس المتفقون على تأسيسها رغم اختلاف معتقداتهم الدينية والدنيوية تدلُّ عليها.

ج- الأخلاق الحسنة

الخلق: سجية النفس وطبعها، وهو يقبل التربية والتهذيب، فإذا رُبِّي وهُذِّب يصدر عنه أفعال جميلة وخصال حميدة كالعدل والصدق والسخاء وما إلى ذلك. وهذه الخصال تسمى مكارم الأخلاق ومحاسنها، وأما إذا أهملت ولم تُهَذَّب يصدر عنه ضدُّها كالظلم والكذب والبخل… وهذه الخصال تسمى مساوئ الأخلاق ومذمومها. وعادة تُستعمل كلمة الأخلاق _التي هي جمع الخُلْق_ ويراد منها تلك الخصال. كما في الحديث التالي:

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ»[2].

والقرآن يعدُّ الْحَيَاء، والسخاء، والعدل والإعتدال، وصِدْق الْحَدِيثِ، وَإِعْطَاء السَّائِلِ، وَحِفْظ الْأَمَانَةِ، وَصِلَة الرَّحِمِ، وإِقْرَاء الضَّيْفِ… من مكارم الأخلاق، وهو يعدُّ الظلم والحسد والغش والرياء والكبر والعجب والكسل والعجز… من مساوئ الأخلاق.

والفطرة تعرف حُسْن ذلك وقُبْح ذاك، ولذلك يجتهد الناس في أنحاء العالم في التحلي بمحاسنها والتخلي عن مساوئها، وهم مع اختلاف اعتقاداتهم وآرائهم يؤسسون مؤسسات مختلفة للترغيب في الأولى وللترهيب من الثانية، لكي يحصلوا على السعادة.

د- الآداب الرفيعة

الإحسان للوالدين والأقربين وإعانة ذوي القربى وكفالة الأيتام ورعاية الفقراء والمساكين وإيتاء كل ذي حق حقه، والتلطف بالقول والمجاملة في مخاطبتهم، والقول الحسن وحسن العشرة مع الناس كلهم والتأدب مع الآخرين، كل هذه آداب قرآنية يجب أن يمتثلها المسلمون. وكذلك الرفق بالحيوان والعناية به، والمحافظة على البيئة والممتلكات العامة آداب قرآنية أيضا.

والفطرة تعرف كلَّ واحد من تلك الآداب، وتُرَغِّب في القيام بها وتدعو الناس إليها. والناس يحاولون أن يصغوا إلى دعوات فطرتهم وأن يعملوا بمقتضاها، فتراهم يؤسسون مؤسسات خاصة ترعى جانبا مما تدعوهم فطرتهم إليه، وينفقون في سبيل ذلك أموالا طائلة. مثلا: “جمعيات الحفاظ على البيئة”، “مؤسسات حقوق الإنسان” “مؤسسات حفظ حقوق الحيوان”. “جمعيات رعاية اللاجئين” “دور الأيتام” “جمعيات إيواء المشردين” وغير ذلك من الجمعيات والمؤسسات…

للمزيد حول الموضوع ننصح بقراءة مقالة الأستاذ أنس عالم أوغلو (دين الله هو فطرته) على الرابط التالي http://www.hablullah.com/?p=2981

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} الأنبياء 25 {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} (النحل، 36) {مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} الكهف 110.

[2] الموطأ لمالك، والمسند لأحمد، والأدب المفرد للبخاري.

 

Facebook'ta PaylaşTwitter'da Paylaş

تعليقك على الموضوع  
التعليق *
* ضرورة إدخال هذا الحقل باللغة العربية

الموضوعات ذات الصلة بهذا الموضوع