لماذا قتل الخضرُ الغلامَ؟
السؤال: يقول الله تعالى :{وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا} هناك تساؤلات: 1_ هل الخضر نبيٌّ أم لا وإذا كان نبياً ما الدليل على ذلك؟ 2_ وإذا لم يكن الخضر نبيا كيف يجوز لنبي أن يأتمرَ ويتبعَ شخصاً عادياً ؟ 3_ هل يحقُّ لنبيٍّ أن يقتلَ غلاماً لمجرد الخشية من أن يُرهق والديه طغيانا وكفرا؟ وهل هذا الحكم الذي طبَّقه الخضر كان من ذاته أم كان يتبع شرعاً ما؟ وإذا كان هناك تفاصيل أخرى تُبين الموضوع أرجو منكم توضيحها وبيانها وجزاكم الله خيرا.

الجواب: ورد في الآيات 60_ 82 من سورة الكهف قصة موسى عليه السلام مع العبد الصالح (الخضر عليه السلام)، والعبد الصالح هو ملك أرسله الله تعالى إلى موسى على هيئة إنسان ليعلِّمه ما لم يستطع تحصيلُه من معلِّمٍ بشر، وكيف يكون معلمُ كليمِ اللهِ من البشر؟ هذا مستحيل عقلا.

الملَك سيعلِّم موسى عليه السلام دروسا في الصَّبر، واحتمال الأذى، والتضحية، والثقة بوعد الله تعالى:

ينطلق موسى مع الخضر، فما إن يركبا السفينة حتى يقوم الخضر بخرقها، وكانت السفينة لمساكين يعملون في البحر، وهذا الرجل الذي ينبغي أن يكون عونا للمساكين يخرقُ سفينتهم، والعجيب أن أصحاب السفينة لم يحاولوا ثنيّه عن فعلته الظاهر ضررها بهم، حتى إنهم لم ينكروا عليه ولم يعاتبوه بالقول لقد أكرمناك وحملناك وها أنت تخرق سفينتنا، كلَّا لم يقولوا شيئا من ذلك، وربما موقفهم هذا دفع موسى إلى مزيد من الإنكار على الخضر ما فعله.

ثم ينزلان من السفينة فيمشيان في الطريق؛ فإذا بهما يلتقيان بغلام، ليبادر إليه العبد الصالح فيقتله دون سبب ظاهر، ولا عجب أن يغضب موسى من قتل غلامٍ بريء لم يفعل ما يوجب قتله، لكن العجيب أن أيّا من أولياء المقتول لم يطالب بدم الفتى، ومرّ الأمر كأنه لم يكن، ولم يتغير شيء سوى ازدياد دهشة موسى واقتراب نفاد فرص بقائه مع الخضر.

ويستمر الخضر في غرائبه عندما دخلا القرية التي رفض أهلها إكرامهما ولو بكسرة خبز ليبادر الخضر إلى إصلاح جدار متصدع آيل للسقوط. ويستغرق موسى بحيرته من أمر الرجل، فقد خرق سفينة من حملوهما وقتل غلاما بريئا، وها هو يقيم جدارا في بلد لم يكرمه أهله. والأعجب أن هذا العبد الصالح قد أقام الجدار دون نقضه، ومعلوم أن الجدار المتصدع الآيل للسقوط لا يقوَّمُ، بل يُنقض ويُبنى من جديد.

لقد نفدت فرص موسى كلها عند احتجاجه على تقويم الجدار، لأن موسى قد اشترط على نفسه عندما قتل الغلام أنه إن سأله _معترضا_ عن شيء مرة أخرى فستكون خاتمة رحلته معه.

ولم يصبر موسى أكثر كي نتعلم المزيد من تلك الرحلة، وقد تمنى نبيُّنا صلى الله عليه وسلم لو كان صبر بقوله: (وَدِدْنَا أَنْ مُوسَى كَانَ صَبَرَ حَتَّى يَقُصَّ عَلَيْنَا مِنْ أَمْرِهِمْ)[1]

إنَّ من حقِّ التِّلميذ على المعلِّم أن يُبيَّن له أين أخطأ، والخضر لم يفتْه ذلك، فقد بيّن لموسى السَّبب في عدم قدرته على الصَّبر، وهو عدم معرفته الخلفيَّةَ الكامنة لتلك الأحداث، وهو المعروف بالتَّأويل، لذا شرع العبد الصالح بتأويل الأحداث قبل افتراقهما، وكانت دهشة موسى تتبدَّد شيئا فشيئا كلَّما عرف خلفيَّة كلِّ واحدة من تلك الأحداث.

ولا شكَّ أن الملَك (الخضر) قد أدَّى دوره كمعلم لموسى ولمن قرأ قصتهما إلى قيام الساعة. فقد علَّمه التأويل، وهو رد الشيء إلى الغاية المرادة منه، وذلك بربط الأحداث بما تؤول إليه، وقد جاءت عبارة الخضر صريحة بذلك:

{قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا} (الكهف، 78) ثمّ بين له أخيرا أنه عبد مأمورٌ بما فعل {وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا} (الكهف، 82).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]  صحيح ابن حبان، ذِكْرُ وَصْفِ حَالَ مُوسَى حِينَ لَقِيَ الْخَضِرَ بَعْدَ فَقْدِ الْحُوتِ، (6220)

Facebook'ta PaylaşTwitter'da Paylaş

تعليقك على الموضوع  
التعليق *
* ضرورة إدخال هذا الحقل باللغة العربية

الموضوعات ذات الصلة بهذا الموضوع