الكتاب حجةُ الله تعالى على الخلق

الكتاب حجةُ الله تعالى على الخلق

نبيُّنا محمدٌ عليه الصلاة والسلام هو الرَّسولُ الذي بلَّغنا القرآن وعلَّمنا إياه[1]، وجبريلُ هو الرَّسول[2] الذي بلَّغ نبيَّنا وعلَّمه. تعلمَّ نبيُّنا من جبريل إيجاد الحلول المناسبة لكلِّ مشكلة (أي إنَّه تعلَّم الحكمة)[3] ، والصحابةُ _بدورهم_ تعلَّموها من النَّبي. لذا يمكننا القول بأنَّ الحكمة جزءٌ لا يتجزأ عن القرآن.

كلُ نبيٍّ هو رسولٌ من الله تعالى، وكلُّ واحد منهم قد أُوتي كتابا مصدِّقا لما بين يديه كما أوتي كلُّ واحد منهم الحكمة[4] ، وفيما يتعلَّق بإلايمان بالرَّسول الذي سُيبعث لاحقا فقد تمَّ أخذ العهد من قومِ كلِّ نبيٍّ على الإيمان به واتباع الكتاب الذي معه. وفي هذا يقول الله تعالى:

وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ . فَمَن تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ[5]. أَفَغَيْرَ دِينِ اللّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ . قُلْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ . وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (آل عمران 3/81-84)

الذي لا يؤمنُ بجميع الأنبياء أو بواحدٍ منهم أو الذي لا يؤمن بجميع كتبِهم أو بواحدٍ منها فلا يمكن أن يعدَّ مسلما، والآية التَّالية تزيد الأمر وضوحا:

وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (آل عمران 3/85)

واجب الإيمان بالنَّبي القادم وبكتابه يُقال له الإصر، ولأنَّ محمدا عليه السلام هو خاتم النَّبيِّين فقد اقترن الإصر به إلى قيام الساعة، ولن يتحلل أحدٌ من هذا الإصر إلا بالايمان به واتباعه. فليس ثمة نبيٌّ أو كتابٌ بعده. وبناء عليه فإن الإدعاء بعودة المسيح ومجيء المهدي ما هو إلا استغلال سيء لمسألة الإصر. يقول الله تعالى:

الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون (الأعراف، 7/15)

إنَّ الوظيفة الوحيدة التي تقع على عاتقنا هي تعلُّم الكتاب والحكمة اللذين جاء بهما محمد عليه الصلاة والسلام لارتفاع حِمْلِ “الإصر” بنبوته.

بحسب القرآن تُطبَّق ذاتُ الشَّريعة منذ نوحٍ عليه السلام. يقول الله تعالى:

شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (الشورى، 42/13)

أمَّا ما حدث من بعد نوحٍ من انقسامٍ وتشظِّي وافتراء فإنَّ الآيةَ التاليةَ توضِّحُ كيف حصل:

وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى لَّقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِن بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ (الشورى، 42/14)

وما حلَّ بالأقوام السابقة حلّ بنا أيضا، لأنَّ الذين أُمروا باتباع القرآن عملوا جاهدين على جعل القرآن تابعا لهم، فلم يتوقف فسادهم على حياة المسلمين فقط بل أفسدوا الإنسانية أيضا بإبعادها تماما عن دينِ الله الحقّ.

للمزيد حول الموضوع ننصح بقراءة مقالة أ.د عبد العزيز بايندر: (الإسلام من دينٍ مركزُه الكتاب إلى دينٍ مركزه البشر) على الرابط التالي http://www.hablullah.com/?p=3092

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]  البقرة 2/151، آل عمران 3/164

[2]  الحاقة 60/40، التكوير 81/19

[3]  النجم 53/5، الرحمن 55/2

[4]  للمزيد حول الموضوع يمكن قراءة مقالة (النبي والرسول وضرورة التفريق بينهما) على الرابط التالي http://www.hablullah.com/?p=1239

[5]  ورد في الإنجيل ما يؤيد هذه الآية. في المتن أدناه حاول أن تضع كلمة (محمد) بدلا من الضمير (هو)

«وَأَمَّا الآنَ فَأَنَا مَاضٍ إِلَى الَّذِي أَرْسَلَنِي، وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْكُمْ يَسْأَلُنِي: أَيْنَ تَمْضِي؟ 6لكِنْ لأَنِّي قُلْتُ لَكُمْ هذَا قَدْ مَلأَ الْحُزْنُ قُلُوبَكُمْ. 7لكِنِّي أَقُولُ لَكُمُ الْحَقَّ: إِنَّهُ خَيْرٌ لَكُمْ أَنْ أَنْطَلِقَ، لأَنَّهُ إِنْ لَمْ أَنْطَلِقْ لاَ يَأْتِيكُمُ الْمُعَزِّي، وَلكِنْ إِنْ ذَهَبْتُ أُرْسِلُهُ إِلَيْكُمْ. 8وَمَتَى جَاءَ ذَاكَ يُبَكِّتُ الْعَالَمَ عَلَى خَطِيَّةٍ وَعَلَى بِرّ وَعَلَى دَيْنُونَةٍ: 9أَمَّا عَلَى خَطِيَّةٍ فَلأَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ بِي. 10وَأَمَّا عَلَى بِرّ فَلأَنِّي ذَاهِبٌ إِلَى أَبِي وَلاَ تَرَوْنَنِي أَيْضًا. 11وَأَمَّا عَلَى دَيْنُونَةٍ فَلأَنَّ رَئِيسَ هذَا الْعَالَمِ قَدْ دِينَ. 12 «إِنَّ لِي أُمُورًا كَثِيرَةً أَيْضًا لأَقُولَ لَكُمْ، وَلكِنْ لاَ تَسْتَطِيعُونَ أَنْ تَحْتَمِلُوا الآنَ. 13وَأَمَّا مَتَى جَاءَ ذَاكَ، رُوحُ الْحَقِّ، فَهُوَ يُرْشِدُكُمْ إِلَى جَمِيعِ الْحَقِّ، لأَنَّهُ لاَ يَتَكَلَّمُ مِنْ نَفْسِهِ، بَلْ كُلُّ مَا يَسْمَعُ يَتَكَلَّمُ بِهِ، وَيُخْبِرُكُمْ بِأُمُورٍ آتِيَةٍ. 14ذَاكَ يُمَجِّدُنِي، لأَنَّهُ يَأْخُذُ مِمَّا لِي وَيُخْبِرُكُمْ. (انجيل يوحنا 16/5-14)

Facebook'ta PaylaşTwitter'da Paylaş

تعليقك على الموضوع  
التعليق *
* ضرورة إدخال هذا الحقل باللغة العربية

الموضوعات ذات الصلة بهذا الموضوع