سياحة المرأة

سياحة المرأة

خروج المرأة للسَّفر من غير محرم

أ.د عبد العزيز بايندر

يكثر الجدل الفقهي حول مسألة سياحة المرأة من غير محرم، وما يلفت الانتباه أنَّ المسألة تُناقش عادة من خلال استعراض الأدلة من السنة دون الالتفات إلى الآيات المتعلقة بالموضوع، مما أدَّى إلى اختلاف رأي الفقهاء في المسألة بحسب اختلاف الأحاديث الواردة؛ حيث إنها لم تكن على شاكلة واحدة كما سنبيِّنُه لاحقا. ولو تمّ الأخذ بالأحاديث على ضوء الآيات لتبيَّن أنَّ الاختلاف بينها لم يكن نتيجة خطأ في النَّقل بل نتيجة ارتباط جواب النَّبي بحال الطريق من حيث أمنه أو عدمه. وقد رأيت من المناسب بحث هذا الموضوع تحت عنوانين رئيسيين:

الأول: السفر

عند النَّظر في القرآن الكريم نجد أنَّ الله تعالى يأمر بالسَّفر لعدة أسباب:

1_ السفر بهدف تعزيز الثقافة

{أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} (الحج، 22/46)

هناك علاقة طردية بين مستوى ثقافة الإنسان العامة وبين كثرة أسفاره، ففيها يتعلَّم الجديد ويستكشف ما كان مجهولا ويلتقي بأناس آخرين لديهم معارف مختلفة، كل ذلك يُسهم في إثراء ثقافة الإنسان وازدياد علمه.

2_ السفر بهدف البحث وتحصيل العلم

{قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (العنكبوت، 29/20)

في الآية دعوة للسفر لتحصيل علمٍ بعينه، ألا وهو معرفة كيف بدأ الخلق، وهي مهمة علميَّة غاية في الاختصاص، حيث تقتضي ملاحظة الظواهر الطبيعية ودراسة التغيرات التي تطرأ على الأجناس والمواد، ومن خلال حركة التغير فيها يمكن _بحسابات معينة_ التوصل إلى كيفيِّة تشكُّلها، وتلك الكفيِّات هي القوانين والنَّواميس التي أودعها الله تعالى في الخلق، وعليها تُخلق الكائنات وتطور وتنتقل من مرحلة الى أخرى.

3_ السفر بهدف معرفة تاريخ الأديان

{وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} (النحل،16/36)

معرفة تاريخ الأديان مهمٌ للغاية؛ فهو من جهة يجعلنا على يقينٍ أنَّ دين الله واحد من لدن آدم حتى خاتم النَّبيِّين، ومن جهة أخرى نتعلَّم من أخطاء الذين خلوا فلا نقع فيها مجددا وحتى لا نلاقي العاقبة التي لاقوها، ولا شكَّ أنَّ السفر إلى آثار حضائر الأمم السابقة فيه استحضارٌ لتواريخهم واعتبارٌ بمصائرهم.

4_ السفر بهدف العبادة

يقول الله تعالى فيما يتعلَّق بعبادة الحجِّ

{وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} (آل عمران، 3/97)

قصد البيت للحج يلزمه السفر لمن كان خارج مكة، لذا تعلق الوجوب بشرط الاستطاعة. والاستطاعة في قوله تعالى “مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا” يدخل في معناها أمن الطريق والقدرة البدنية والمالية للإنسان، فمن كان قادرا ماديا وبدنيا وكان الطريق آمنا فإنَّ الذَّهاب للحجِّ يلزمُه. ويتميَّز هذا السفر عن بقيِّة الأسفار أنَّه للعبادة خاصَّة.

الثاني_ أمن الطريق

السُّورة التَّالية تبيِّنُ أنَّ أكثر ما يحتاجه المسافر هو الألفة، أي الغذاء والأمن:

{لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ. إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ. فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ. الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ} (قريش، 106/4)

الألفة هي انضمام الشيء إلى الشيء[1]، كما تأتي بمعنى الأنس وانتفاء المشاحنة.

والرحلة من (رَحَلَ) والرَّاءُ وَالْحَاءُ وَاللَّامُ أَصْلٌ وَاحِدٌ يَدُلُّ عَلَى مُضِيٍّ فِي سَفَرٍ[2] ، وبحسب الآية الأخيرة من سورة قريش فإن الألفة جاءت بمعنى وجود ما يكفي من الزاد وتحقُّق أمن الطريق.

والآية التالية تنوه أيضا إلى أهمية أمن الطريق في السفر:

{وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ} (سبأ، 34/18)

كملة قدرنا الورادة في الآية أعلاه مصدرها التقدير، وهي بمعنى إعطاء القوة، يقول الراغب الأصفهاني : فتقدير الله الأشياء على وجهين: أحدهما: بإعطاء القدرة. والثاني: بأن يجعلها على مقدار مخصوص ووجه مخصوص حسبما اقتضت الحكمة[3]. وقولنا إن معنى قوله تعالى “قَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ” أي “جعلناها بحالة آمنة صالحة للسفر” قد جاء من هنا {سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ} (سبأ، 34/18). والآيات التالية وكذلك الأحاديث التي سترد أدناه تدعم كون مسألة السفر متعلقة بأمن الطريق.

{وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} (البقرة، 2/195)

والخطاب في الآيات السابقة موجه لعموم البشر دون تفريق بين الرجل والمرأة.

كل مسافر يحتاج إلى الزاد والأمن، وتوفير الغذاء يعتمد أساسا على قدرة الشخص وملاءته، لكن توفير الأمن مرتبط بأسباب أخرى.

المرأة محتاجة لأمن الطريق أكثر من الرجل، ومن ينظر إلى الأحاديث الصحيحة المتعلقة بمنع سفر المرأة من غير محرم يجد أنَّ مدار العلة فيها جميعا يدور حول أمنها، لأنَّه قد ورد في بعض الأحاديث منع المرأة من السفر ليوم وليلة وفي بعضها ليومين وليلتين وفي بعضها لثلاثة أيام وثلاثة ليالي، وقد وردت بعض الأحاديث مطلقة عن الزمان فمنعت سفر المرأة من غير محرم مطلقا. لكنَّ نبينا صلى الله عليه وسلم قد بشَّر أنَّه سيأتي زمانٌ تسير المرأة وحدها أياما عديدة. وإليكم سرد الأحاديث بالتفصيل:

1_ الحديث الذي منع سفر المرأة بدون محرم مدة يوم وليلة

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

«لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، تُسَافِرُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ عَلَيْهَا»[4]

2_ الحديث الذي يمنع سفر المرأة مدة يومين وليلتين بدون محرم

عن أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ، قَالَ: نَهَى النبي أَنْ تُسَافِرَ الْمَرْأَةُ مَسِيرَةَ يَوْمَيْنِ، إِلَّا وَمَعَهَا زَوْجُهَا، أَوْ ذُو مَحْرَمٍ”[5]

3_ الحديث الذي ينهى عن سفر المرأة مدة ثلاثة أيام بدون محرم

«لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ أَنْ تُسَافِرَ ثَلَاثًا إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ مِنْهَا»[6]

4_ الحديث الذي يمنع ان تسافر فوق ثلاث ليال دون محرم

عن سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ نَبِيَّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا تُسَافِرِ امْرَأَةٌ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ»[7]

5_ الحديث الذي يمنع سفر المراة بدون محرم مطلقا

عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ يَقُولُ: «لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ، وَلَا تُسَافِرِ الْمَرْأَةُ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ»، فَقَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ امْرَأَتِي خَرَجَتْ حَاجَّةً، وَإِنِّي اكْتُتِبْتُ فِي غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا، قَالَ: «انْطَلِقْ فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِكَ»[8]

5_ البشرى بخروج المرأة للسفر من دون حاجتها لمحرم

عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، قَالَ: بَيْنَا أَنَا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ أَتَاهُ رَجُلٌ فَشَكَا إِلَيْهِ الفَاقَةَ، ثُمَّ أَتَاهُ آخَرُ فَشَكَا إِلَيْهِ قَطْعَ السَّبِيلِ، فَقَالَ: «يَا عَدِيُّ، هَلْ رَأَيْتَ الحِيرَةَ؟» قُلْتُ: لَمْ أَرَهَا، وَقَدْ أُنْبِئْتُ عَنْهَا، قَالَ «فَإِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ، لَتَرَيَنَّ الظَّعِينَةَ تَرْتَحِلُ مِنَ الحِيرَةِ، حَتَّى تَطُوفَ بِالكَعْبَةِ لاَ تَخَافُ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ، – قُلْتُ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ نَفْسِي فَأَيْنَ دُعَّارُ طَيِّئٍ الَّذِينَ قَدْ سَعَّرُوا البِلاَدَ… قَالَ عَدِيٌّ: فَرَأَيْتُ الظَّعِينَةَ تَرْتَحِلُ مِنَ الحِيرَةِ حَتَّى تَطُوفَ بِالكَعْبَةِ لاَ تَخَافُ إِلَّا اللَّهَ”[9]

7_ تطبيقات الصحابة لمفهوم سفر المرأة

في الحجة الأخيرة لعمر بن الخطاب رضي الله عنه كان قد أذن لنساء النبي في الخروج للحج وبعث معهن عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف، ومعلوم أن كليهما ليس بمحرم عليهن.

النتيجة

الآيات والأحاديث التي سقناها تظهر بوضوح أنَّ المرأة تستطيع السفر وحدها أو مع مجموعة من دون محرم عند أمن الطريق سواء كان ذلك السفر للعمل أو السياحة أو العبادة.

وقف السليمانية/ مركز بحوث الدين والفطرة

الموقع: حبل الله www.hablullah.com

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]  مقاييس اللغة، مادة ألف

[2]  مقاييس اللغة، مادة سفر

[3]  مفردات الراغب، مادة قدر

[4]  صحيح البخاري، تقصير الصلاة 4 والحج 419، 422. والموطأ، الاستئذان 37. ومسلم 74 رقم الحديث 421 – (1339)

[5]  صحيح مسلم 74 رقم الحديث 416 – (827)

[6]  صحيح مسلم 74 رقم الحديث 422 – (1339). والبخاري تقصير الصلاة 4

[7]  صحيح مسلم 4/418 – (827)

[8]  صحيح مسلم 74 رقم الحديث 424 – (1341)

[9]  صحيح البخاري، المناقب 25 رقم الحديث 3595

 

Facebook'ta PaylaşTwitter'da Paylaş

تعليقك على الموضوع  
التعليق *
* ضرورة إدخال هذا الحقل باللغة العربية

الموضوعات ذات الصلة بهذا الموضوع