الصَّدقة والرِّبا في القرآن الكريم

الصَّدقة والرِّبا في القرآن الكريم

أ.د عبد العزيز بايندر

مقدمة

الصدقة هي المساعدة الماليَّة التي تُقدم للمحتاجين بدون مقابل. أما الربا فهو ما يدفعه المَدين المحتاج مقابل الدين، ومعلوم أن غير المحتاج لا يلجأ لأخذ الدَّين بالربا. الصَّدقةُ مُتنفَّسُ الفقراء والعمود الفقري للعمل الاجتماعي، بينما الربا يزيد الفقراء بؤسا كما يُخرِّب أرضيَّة العمل الاجتماعي.

عندما يُقال صدقة يتبادر إلى الذِّهن المساعدة المالية التي تُقدم للفقراء. وفي تراثنا تُستخدم كلمة الصدقة لذلك المقدار البسيط من المال الذي يُعطى للمتسوِّلين. والحقُّ أنَّ الفقراء هم صنفٌ من ثمانية أصناف تستحقُّ الصَّدقة. وفي هذه المقالة سيظهر أنَّ ما تأخذه الدولةُ من الضريبة هو بمعنى الصدقة. يقول الله تعالى لنبينا الذي هو رئيس دولة المسلمين الأولى:

{خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (التوبة، 9/103)

هذه الآية وما قبلها وما بعدها من الآيات تتحدث عن المؤمنين الصادقين وعن المنافقين الذين ما فتئوا يكيدون للنبي وعن الكافرين أيضا. والصَّدقة التي تُؤخذ من جميع هؤلاء لا تُظهر فقط صداقتَهم وانتماءهم للدولة بل تعملُ على تعزيز الشعور بالأمن والطمأنية عند المتصدِّق لأنَّه ساهم في تقوية وبناء مجتمعه، ولا شكَّ أنَّ ذلك يُسهم في تعزيزه وازدياد فرص نجاحه.

الصدقةُ التي تُؤخذ من المسلم تسمى الزكاة؛ لأنها تُظهر العلاقة الصادقة بينه وبين ربه فتكون سببا لتزكيته وطهره. في النتيجة يمكننا القول إنَّ الصدقة هي الضريبة التي تأخذها الدولة من مواطنيها، سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين. الجزية التي بمعنى الضريبة التي تُؤخذ عن كل رأس من الرجال غير المسلمين ظهرت نتيجة للتأويل الخاطئ لكلمة الجزية الواردة في الآية التالية:

{قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} (التوبة، 9/29)

وكلمة الجزية الواردة في الآية لا يُفهم معناها إلا من خلال الآية التالية:

{فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ} (محمد،47/4)

الجزية المذكورة في الآية لا بدَّ أن تكون وقوع الأسير في الأسر وفقدانه حريَّته، وهو الذي يلزمه دفع الفدية إذا لم يُطلق سراحه بدونها. ولا يوجد عقوبة للأسير سواهما، أي وقوعه في الأسر ودفعه الفدية إذا لم يكن محظوظا بإطلاق سراحه دون مقابل.

ولا بدَّ أن ننوِّه أنَّه لم يكن غير هذا في زمن نبينا، أما غير ذلك مما ذكروه من القتل والاسترقاق وأخذ الجزية عن الرأس كل سنة فذلك مما أُحدث بعد وفاته صلى الله عليه وسلم بسنوات طوال.

وفي الآية 60 من سورة التَّوبة التي سنذكرها بعد قليل إشارة إلى أنَّ الصدقة هي الضريبة التي تأخذها الدولة.

1_ الصدقة والقرض الربوي

إمكانية مواجهة الاحتياجات العاجلة التي يوفِّرها القرض الربوي تُشكِّل مصدر الجذب الرئيسي له. لكنَّه حينما يحين وقت السداد فكثيرا ما لا يستطيع المقترض السداد في وقته فيجد نفسه محتاجا لقرضٍ جديد. ونتيجةً لتراكم ديونه وازديادها في كل دورة اقتراض فإنه سيخسر حتى ما في يده وسيجد نفسه خارج النَّشاط الاقتصادي تماما.

كانت النقود قديما تُنتج من الذهب والفضة، وكانت ثمنيَّتُها تُحدَّدُ بناءً على وزنها وعيارها، وبما أنَّ هذه النُّقود محدودةً كان الإقراض محدودا كذلك. بعد عصور تحوَّل النَّقد إلى الورَق الذي تتحدَّد قيمتُه بما يُكتب عليه من الأرقام وأصبحت تلك الأوراق هي المعتمدة في التَّداول. ورقتان بنفس الحجم والنوع؛ الأولى مكتوب عليها 1 دولار وعلى الثانية 100 دولار، ذلك الرقم المكتوب جعل الثانية تفوق قيمة الأولى بـ 100 ضعف. ولم تقف الأمور عند هذا الحد، بل بدأت الأرصدة البنكية تُنقل من حساب إلى آخر بالقروض الربوية دون أن يكون لها رصيد حقيقيى حتى من الورَق، وهكذا أصبح هناك نوع من النقد الخيالي الوهمي الذي _مع الأسف_ أصبح السمة البارزة في التَّعاملات الاقتصادية المتقدِّمة. فبمجرد إضافة أصفار إضافية على شاشة الحاسوب تتشكل مقادير هائلة من النقود الخيالية التي تُعطى كقروض ربوية تندفع إلى الأسواق المحليَّة والعالميَّة. وبهذا الطريق تتعثَّر الشَّركات الصَّغيرة أولاً، ثم تتبعُها الشَّركات المتوسطة، وبعد ذلك تجد الشركات الكبرى وحتى الدول ذاتها تحت سيطرة  أصحاب رؤوس الأموال.

أصحاب رؤوس الأموال يصبحون متحكمين بجميع مصادر الثروة دون الدخول في المخاطرة. وهم إذ يستمتعون باستهلاك هذه المصادر يعملون جاهدين على القضاء على أصحابها الحقيقيين دون أن يرف لهم جفن.

بحسب الإحصائيات فإن جميع الدول بما فيها تركيا وأمريكا والصين وروسيا وبريطانيا كلها ترزح تحت وطأة الديون، وقريبا ستدخل جميع العائلات تحت وطأتها كذلك. الدائنون أصبحوا بوضعية تمكنهم من إغراق الدولة التي يقصدونها وتغيير الأنظمة التي لا تعجبهم.

لا بد من نزع آليات السيطرة من أيدي هؤلاء، ولا يتمُّ ذلك إلا بترك التعامل بالربا. لقد كان تحريم الربا من بين المخطورات التي نبَّه إليها الأنبياءُ جميعُهم. والآية التاليةُ متعلقةٌ باليهود:

{فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللّهِ كَثِيرًا. وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} (النساء، 4/160-161)

والآية التالية تبينُ قبحَ الربا بينما تنوِّهُ إلى التأثير الإيجابي للزكاة في الاقتصاد:

{وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ} (الروم، 30/39)

وقوله تعالى {وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ} يشير إلى أن الدين الربوي لا يُعطى إلا لصاحب المال؛ لأن المرابي لا يعطي الدَّين لمن لا يقدم له الضَّمان.

الشخص الذي أثقلته الديون سيلجأ للمؤسسات الخيرية لتنقذه من المرابين عن طريق الصَّدقة. وكما سيظهر لاحقا فإن الصدقة أمرٌ ضروريٌّ للاقتصاد، حيث لا يقفُ دورُها على سدِّ حاجة المحتاج، بل إنها تعيد إلى السُّوق أُناسا ألجأتهم الظروفُ لتركه بسبب الخسارة أو الدَّين أو الكارثة أو غير ذلك. وهي بهذا الوصف فإنها باعث على الطمأنينة والاستقرار في الوسط الاقتصادي مما يفتح الطريق للنُّمو والتَّوسع. لهذا السبب فإن جميع الآيات التي ورد فيها تحريم الربا نوهت إلى أهمية الزكاة والصَّدقات. ولننظر إلى الآيات التالية بتمعُّن:

{الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ. الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ. يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ. إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ. يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (البقرة، 2/274-280)

ورد في الآيات الكثيرُ من التعبيرات ذات الوقع الشديد، ولم يكن ذلك من فراغ، لأن إعطاء القرض بالربا ليس من الفعاليات الاقتصادية. المُقترض بالربا سيبدأ نشاطه الاقتصادي مُثقلا بالدَّين والربا. وكما أنه لا يمكن ضمان انتهاء العمل خلال فترة القرض فإنه لا يمكن ضمان تحقيق الربح كذلك. الفائدة التي سيجنيها المُقرض هي من الدين وهو كسب ظالم يُسهم في تخريب النِّظام.

2_  إعطاءُ قسمٍ من المال النَّامي

الإنسانُ بطبعه محبٌ للمال، لذا أمر القرآن بالانفاق ونهى عن الكنز[1]. والانفاق في اللغة من النفق وهو تمرير الشيء من الشيء، ومن ذلك ما يحفره الناس في الجبال من أجل المرور. لا بد من انتشار المال والثروة إلى جميع فئات المجتمع عن طرق الإنفاق المتعددة كما ينتشرُ الدَّم إلى جميع أنحاء الجسم عبر الأوردة والشرايين. لما سُئل نبيُّنا عمَّا يجبُ إنفاقه نزل عليه قولُه تعالى:

{وَيَسْـَٔلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ ٱلْعَفْوَ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلْآياَٰتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ} (البقرة، 2/219)

ولكملة العفو الواردة في الآية معنيان؛ الأول: المال الزائد عن الحاجة الأساسيَّة[2]، والثاني: المال النامي[3]، أي الذي فيه خاصيَّة النُّمو.

بيتُ الشَّخصِ وأثاثُه ومركبه ومكان عمله وأدوات العمل ومأكله ومشربه كلُّها من الحاجات الأساسية، حيث لا يُؤخذُ منها صدقة.

بحسب الآية أدناه فإن كلمة العفو تعني المال النامي المتزايد الذي يُعبِّرُ عن غنى صاحبه:

{ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَواْ وَّقَالُواْ قَدْ مَسَّ آبَاءنَا الضَّرَّاء وَالسَّرَّاء فَأَخَذْنَاهُم بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} (الأعراف، 7/95)

بحسب الآية فإنه لا تؤخذ الضريبة من الأشخاص الذين لا يملكون مالا زائدا عن حاجاتهم الأساسيَّة. فالمعاش والأجور والبيت والمركبة والدُّكان وآلات المصنع وما شابه يكون معفيا من الضريبة.

الله تعالى لا يريد من الإنسان أن يتصدق بكل زائد من ماله، لكنه وضع نظاما صار بموجبه التَّصدُّق بقسم من المال كأنه تصدُّقٌ بالمال كلِّه.

بحسب الآية التالية فإنَّ الحسنة تُقابَل بعشر أمثالها على الأقل:

{مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا[4] وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} (الأنعام، 6/160)

ونظرا لاعتبار من تصدق بمئة ليرة من ألف يملكها كأنه تصدق بها جميعا فليس من الممكن أن يُطلب منه أكثر من ذلك. واليوم قسمٌ كبير من الضرائب التي تجتاح عالم الأعمال غير موجودة في هذا النَّظام.

3_ معدلات الصدقة

وهنا سأكتفي بذكر مثالين، وهما مقدار ما يُخرج في المزروعات والأموال التِّجارية.

أ_ المنتوجات الزراعيَّة

يقول الله تعالى فيما يجب فيها:

{وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} (الأنعام، 6/141)

الحقُّ المأمورُ بأدائه في هذه الآية المكيِّة هو من المنتج الزراعيِّ ويكون ذلك يوم حصاده. وحتى يتم اعتبار المتصدِّق قد تصدَّق بجميع حصاده كان يكفيه أن يُخرج العُشْرَ منه، لذا شرع الله تعالى المقدار الواجب في الحصاد العُشْر.

إذا لزم عمليِّة الانتاج مصاريف إضافية كالسَّقي والتَّسميد وغيرهما فإنَّ مقدار الصدقة ينقص إلى نصف العشر 1/20 ، وهذا التخفيض في المقدار يأخذ بعين الاعتبار إمكانية الضَّرر الذي سيلحق بالمزارع، كما أن فيه تشجيعا للمزارع لبذل المزيد من الجهود لتحسين انتاجه، ولا شك أن تحسين القدرة على الإنتاج سيضاعف المنتَج، وعليه يكون مقدار نصف العشر مشابها للعشر على فرض عدم بذله مجهودا إضافيا من سقي وغيره. يروى عن نبيِّا أنَّه قال:

“فِيمَا سَقَتِ الْأَنْهَارُ، وَالْغَيْمُ الْعُشُورُ، وَفِيمَا سُقِيَ بِالسَّانِيَةِ نِصْفُ الْعُشْرِ”[5]

جميع المصاريف التي تُدفع منذ يوم الحصاد كالنَّقل والتَّخزين لا تُلحق بالإنتاج. فبمجرد إعداده للبيع يتحول إلى سلعة تجاريَّة يتحمَّلُ نفقاتها التُّجار.

ب_ النُّقود والأموال التِّجارية

التِّجارة هي مبادلة مالٍ بمالٍ أو مالٍ بنقدٍ بالتقابضِ حالاً أو بتسليمِ أحدِ البدلينِ عاجلاً والآخرَ آجلاً. وفي الرِّبا يوجد مقايضةٌ أيضا، يأخذُ من شخصٍ 10 ليرة على أن يسدَّه بدلا منها 10 ليرة زائد 1 ليرة ، والربويون الذين يعلمون تماما أنهم يستغلون حاجة الناس ويُضيِّقون منافذَ الاقتصاد يستخدمون التَّشابه الشَّكلي بين البيع والربا لتبرير فعلهم، ويقولون:

” الربا كبيع بضاعةٍ ما سعرها 10 ليرات معجلا و 11 ليرة مؤجلا ”

والله تعالى يقول:

{الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} (البقرة، 2/275)

هناك تشابه بين البيع والربا لكن هناك فوراق جوهرية بينهما. كما أنَّ هناك تشابها بين عصير العنب والخمر لكنَّه لا يمكن القول “أنَّ الخمر كعصير العنب” لأن هذا السياق لا يوحي بتشابههما في المادة، بل في الحكم، وهنا مكمن الخطر.

إن بيع غرض بـ 10 ليرات عاجلا وبـ 11 ليرة آجلا ليس من الربا في شيء؛ لأن 11 ليرة كلها بدل الغرض المبيع. ولأنه لا يوجد ميزان دقيق يحدّد سعر البضاعة فلا يُلتفت إلى فوارق السعر بين بيعة وأخرى، بل من الممكن أن يرتفع سعر المبيع في نفس اليوم إلى 12 ليرة وربما ينزل إلى 9 ليرات ، والجانبان ينفذان ما اتفقا عليه بالرغم من إمكانية تغير السعر لأنهما يعلمان أن تبادل الأموال وتداولها يفتح الطريق أمام إنتاج جديد وأفق آخر.

المقرض يعطي 10 ليرة ليأخذ بدلا منها 11 ليرة، فالعشرة مقابل العشرة والليرة الزائدة يأخذها بدون مقابل، وذلك لأن الربا ليس فعالية اقتصادية حقيقية، والمرابي لم يقم بأي جهد يستحقُّ المكافئة عليه. النَّشاطُ “الاقتصادي” يبدأ عند البدء باستخدام القرض، والمرابي لا يهمه مآل ما أقرضه من المال ولا يأبه بأيِّ ضررٍ يلحقُ به. إذا تأخر المقترض بالسَّداد فإنه يزيد بنسبة الربا بذريعة تأخُره بالسَّداد، فهدفُ المقرض زيادةُ النِّسبة الربوية 10%، 20%، 40% وهكذا. يقول الله تعالى:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (آل عمران، 3،130)

وكلمة (أضعافا) الواردة في الآية تفيد _من حيث اللغة_ حال الربا، أي خاصيته. والتعبير بـ “أضعافا مضاعفة” يفيد المضاعفة المزدوجة[6]. الزيادة المتراكمة هي الخاصيَّة التي لا تنفكُّ عن الربا، ولا يُعطى معنى آخر لهذه الآية، لأنَّه مهما كانت نسبة الربا فكلُّ صوره محرمة. يقول الله تعالى:

{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ} (البقرة، 2/278-279)

تنصُّ الآيات بوضوح تام على أنَّ كلَّ زيادة تؤخذ في الدين هي ربا مُحرَّم.

والآية التَّالية أمرت بإنظار المعسر كما أوصت باعتبار الدَّين صدقةً عليه وذلك أفضل من إنظاره:

{وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ ، وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ ، إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} (البقرة، 280)

الآية التَّالية تُظهر بوضوح الفرق في العاقبة بين المرابي والمزكي:

{وَمَا آَتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ، وَمَا آَتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ} (الروم، 30/39)

قد يكسب المرابي مما أعطى من القرض أضعافا مضاعفة لكن ذلك الكسب ليس مشروعا عند الله تعالى. والمُضْعِفُون هم أولئك الذين يزيدون في نسبة الربا بشكل متراكم. و”ال” التعريف فيها تشير إلى ذلك. المصطلح “أضعافا مضاعفة” الذي مرَّ في الآية 130 من سورة آل عمران يعني مضاعفة الشيء بأربعة أمثاله على الأقل. وعلى هذا يصبح القسم الأخير بهذا المعنى:

“الذين يتضاعف كسبهم إلى أربعة أضعاف هم المؤتون للزكاة”

المزكِّي الذي آثر رضا الله تعالى على الكسب بأربعة أمثال كالمرابي قد كافأه الله تعالى بأن عدّ صدقته بأربعة أمثالها ، فلو أنفق ليرة واحد فإنها تُعدُّ عند الله أربعة على الأقل. وبما أن الله تعالى يضاعف الحسنة بعشر أمثالها على الأقل فيكون النتيجة 40 . يعني لو أعطى المزكي ليرة واحدة من مال تجارته فيكون كأنه أعطى 40 ليرة. ولا بد أن يكون مقدار الزكاة الواجب في الأموال التجارية يعتمد على هذا الأصل القرآني. يقول نبينا صلى الله عليه وسلم:

هَاتُوا رُبْعَ الْعُشُورِ مِنْ كُلِّ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ، وَمِنْ كُلِّ عِشْرِينَ دِينَارًا نِصْفُ دِينَارٍ[7]

الدخول في عالم التجارة يحمل في طيَّاته الكثير من المخاطرة، لذا كان مقدار الصدقة في أموالهم منخفضا بالمقارنة مع المقدار في المنتجات الزراعيِّة والحيوانية، كما أنَّ فيه تشجيعا لهم على مواصلة العمل التجاري. في المقابل فإن المنتفعين من الصدقات وهم الجهات الثمانية فإنهم سيعيشون في وسط آمن يجدون فيه من يهتمُّ بحالهم مما ينعكس أثرا إيجابيا على سلامة المجتمع وأمنه. وهو ما يفتح الأفق رحبة أمام العمل التجاري والتطور الحضاري وبالتالي رفع سوية المعيشة لكافة فئات المجتمع بعكس الربا الذي يخلق جوا من عدم الأمان ويفسح الطريق أمام التفاوت الطبقي الذي هو مفتاح كل مفسدة.

4_ الفئات المستحقِّة للصدقة

تعرِّفنا الآية التالية على الجهات المستحقِّة للصَّدقة (الضريبة):

{إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} (التوبة، 9/60)

والأسلوب اللغوي المستخدم في الآية يفيد تقسيم الأصناف الثمانية إلى مجموعتين، لأنَّ استخدام حرف الجر “لــ” مع الفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم يفيد التمليك، وهذا يفيد بأن قسما من الزكاة يُعطى لهؤلاء على وجه التَّمليك وبدون مقابل.

والفئات الأخرى من المجموعة الثانية قد استخدم لها حرف الجر “في” الذي يفيد الظرفية. ولأنَّه يقال عمَّا يحوي شيئا بداخله “ظرفا” فإن الآية التي أمرت بأن يكون قسما من أموال الصدقات مخصصا للأسرى والمدينين وفي سبيل الله وابن السبيل فإنها تكون قد أمرت _ضمنا_ بتأسيس صندوق لهذا الغرض أيضا، ولأنه لا يتم تنفيذ الأمر الوارد في الآية إلا به، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

والتعبير الوارد في آخر الآية مهم للغاية:

{فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}

وإذا كان الآمر هو الله تعالى فما على ولاة الأمر من المسلمين إلا اتباع أمره سبحانه.

وقد جاء رجل إلى نبينا صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: أَعْطِنِي مِنَ الصَّدَقَةِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَرْضَ بِحُكْمِ نَبِيٍّ وَلَا غَيْرِهِ فِي الصَّدَقَاتِ، حَتَّى حَكَمَ فِيهَا هُوَ، فَجَزَّأَهَا ثَمَانِيَةَ أَجْزَاءٍ، فَإِنْ كُنْتَ مِنْ تِلْكَ الْأَجْزَاءِ أَعْطَيْتُكَ حَقَّكَ»[8]

يتبين من خلال الآية والحديث الواردين أعلاه أنَّه لم يُعط أحدٌ صلاحية تحديد مصارف الصدقة، وذلك لأنَّ الله تعالى بيَّنها بنفسه فلا يصحُّ تغيير ما نصَّ الله تعالى عليه.

لنحاول الآن دارسة مصارف الصَّدقة الثمانية بقسمين:

أ_ الذين يتملكون ما يعطى إليهم، وهم 4 جهات نبيِّنُها كالتَّالي:

1_ الفقراء

الفقير هو الشخص المحتاج. والكلمة بهذا المعنى يمكن أن نرصدها في الآيتين التاليتين:

{وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} (النور، 24/32)

{لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} (البقرة، 2/273)

في كلا الآيتين جاء الفقير بمعنى الشخص الذي يحتاج إلى الزَّواج لكنَّه لا يجد ما يكفيه لذلك. وفي الآية الثانية يدور الحديث عن الشخص الذي يبذل كلَّ وقته في سبيل الإسلام لكنَّه لا يجني المال من عمله. إن التَّصدق على الفقير يجب أن يكون بطريقة لا تحطُّ من قدره ولا تجرح مشاعره. والآية التَّالية تدعو لذلك بوضوح:

{إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} (البقرة، 2/271)

وإظهار الصدقات يكون حسنا إذا كان للجهات التي تتلقاها عبر الصناديق كالأسرى وابن السبيل والغارمين وفي سبيل الله.

2_ المساكين

وبالنظر إلى الجذر اللغوي لكلمة مسكين (سكن) الذي بمعنى عدم الحركة[9] يظهر لنا أنَّ كلَّ مَن عجز عن الكسب يدخلُ تحت هذا المسمى كالمريض والمعاق والكبير العاجز والعاطل عن العمل. يقول النبي صلى الله عليه وسلم:

«لَيْسَ المِسْكِينُ الَّذِي تَرُدُّهُ الأُكْلَةَ وَالأُكْلَتَانِ، وَلَكِنِ المِسْكِينُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ غِنًى، وَيَسْتَحْيِي أَوْ لاَ يَسْأَلُ النَّاسَ إِلْحَافًا»[10]

وفي قصة موسى والخضر وصف الله تعالى أصحاب السَّفينة التي تضرَّرت مِن فعل الخضر بالمساكين:

{أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا} (الكهف، 18/79) ووصفهم بالمساكين لأنَّه عندما تُؤخذ السفينة من أيديهم سيجدوا أنفسهم دون عمل يعتاشون منه.

3_ العاملون عليها (الموظفون الذين يعملون على جلبها وتخزينها وتوزيعها)

العاملون في الصدقات يُعطون أجورهم ممَّا يجمعونه منها، لأنَّ الصدقة هي نوع ضريبة تُجمع وتُوزَّع بإشراف الدولة وبأمرها، لذا فإن الموظفين يتقاضون رواتبهم منها.

4_ المؤلفة قلوبهم

والتأليف جمع المتفرقات في صعيد واحد، والمؤلفة قلوبهم هم الذين يتحرى فيهم بتفقدهم أن يصيروا من جملة المسلمين[11]، وهناك علاقة طردية بين العمل الخيري وتأليف القلوب. يقول الله تعالى:

{وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} (فصلت، 41/34)

ولتحقيق هذا الهدف لا بد من التصرف الصحيح تجاه أوامر الله تعالى، وإلا فإنه من غير الممكن الحصول على النتائج المتوخاة. يقول الله تعالى:

{هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ. وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (الأنفال، 8/62_63)

فتح القلوب أمر مهم للغاية. لذا عندما فتح نبينا مكة لم يتعرَّض لحياة أو مال أحد من أهلها، ولم يتضجَّر أحدٌ من دخوله إليها. بعد فتح مكة حيث بدأت التحضيرات لمواجهة هوازن في الطائف اقترض النبي من صفوان بن أمية _الذي لم يُسلم بعد_ 50000 درهم واستعار منه 100 درع وبعض الأسلحة. وبعد انتهاء الحرب أعطاه النبي من حساب المؤلفة قلوبهم 100 ناقة[12].

ب_ الصناديق

ويندرج تحت هذا العنوان المجموعة الثانية من مستحقي الزكاة وهم 4 فئات أيضا نبيِّنُها كالتالي:

1_ صندوق الرقاب (الأسرى)

الرقاب جمع رقبة، وهي بمعنى الشخص الذي فقد حريته[13].

استرقاق الأسرى مخالف للقرآن، بل إن دعوة القرآن ظاهرة بوجوب حسن معاملتهم. قال الله تعالى في وصف المؤمنين الصالحين:

{وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا. إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُورًا} (الإنسان، 76/8-9)

عند انتهاء الحرب فلا بد من إطلاق الأسير بالمنِّ أو الفدية. يقول الله تعالى:

{فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا} (محمد، 47/4)

الإفراج عن السجناء يخفِّفُ من حدِّة العداوة، كما إنه يعمل على تبديد المبررات لشنِّ حربٍ جديدة. تطبيق الآية نجده واضحا في أسرى بدر حيث أطلق النَّبي سراح بعض الأسرى بدون مقابل بينما أطلق البعض منهم مقابل الفدية. ولا بد أن يكون الأسرى في خيبر وبني المصطلق وغيرهما قد وجدوا نفس المعاملة، لأنَّها حكم الله تعالى في الكتاب والنَّبي لا يخالفه.

والذي لا يريد أن يطلق سراح الأسير الذي في يده إلا بالفدية مع عدم قدرة الأسير على الدفع فإنَّ الصندوق المخصَّص يوفِّر الإمكانية لذلك. والأسير الذي وقع في قبضة أعدائنا أو سُجن في بلاد بعيدة، ولا يوجد لذويه إمكانية لفكاكه فإنَّ ذات الصندوق يوفر تلك الإمكانية.

2_ صندوق الغارمين (المديونين)

الغارمون جمع غارم، ويعني المدين. وبما أنَّه قد تمّ ذكر الفقراء والمساكين كصنفين مسقلَّين دلَّ على أنَّ الغارمين ليسو فقراء، بل هم الذين لم يستطيعوا سداد ديونهم. على سبيل المثال، صاحب شركة الأعمال التي تم تأسيسها بالقرض يستطيع سداد جزء من الدُّيون لكنَّ ذلك قد يؤدي إلى عرقلة العمل برمته. وحتى لا يضطر صاحب العمل إلى إنهاء عمله فيجب مساعدته من خلال هذا الصندوق. والدعم الذي يُعطى لهؤلاء المدينين يعدُّ صدقة. والعديد من الشركات التي لا تجد الدعم يتم إغلاقها، وهكذا ينضم وافدون جدد إلى سوق البطالة. روي عن نبينا صلى الله عليه وسلم أنه قال:

“كل قرض صَدَقَة”[14]

من ثبت عدم قدرتهم على الأداء فإنه يمكن سداد ديونهم عن طريق الهبة، وبهذا لا تُعطل أعمالهم.

الدَّين يجعلُ من الإنسان أسيرا لا يستطيع فعل شيء. صندوق الغارمين يحفظ الاعتبار للمدينين كما أنَّه يريح الدائنين، يروى عن نبينا أنَّه كان يردِّدُ الدعاء التالي:

“اللهم إني أعوذ بك من غلبة الدين، وغلبة العدو، وشماتة الأعداء”[15]

عندما نمعن النظر في الحديث فإننا نجد أنَّ هناك علاقة وثيقة بين الوقوع في شراك الدَّين وبين الوقوع في أسر العدو وشماتتهم. ويروى عنه قوله أيضا:

“وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ بِهَا كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ”[16]

3_ صندوق سبيل الله (الدفاع)

سبيل الله، صراط الله، هو دين الله تعالى. كل النَّفقات التي تُبذل من أجل الدِّين هي نفقات في سبيل الله. وإذا اعتبرنا أن النَّفقات التي تُبذل في الأصناف السبعة الأخرى هي في سبيل الله فإنه لن يبقى هناك فرق بينها وبين ما نحن بصدده. وإذا نظرنا بتمعن إلى الآيات المتعلقة نجد أنَّ المقصود هو النَّفقات التي تُبذل في الحرب المشروعة. وإليكم الآيات:

{وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} (البقرة، 2/190)

{وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ} (الأنفال،8/60)

{وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} (البقرة، 2/195)

كل نفقات الحرب تُدفع من هذا الصندوق. وبهذه الطريقة يتحقَّق الأمن الداخلي والخارجي للبلد، ولا يكون هناك أي عائق أمام تحقق الأمن والطمأنينة للمواطنين.

4_ صندوق ابن السبيل

ابن السبيل يُقال عمَّن انقطعت به السبل بعيدا عن بيته[17]، وقد سمي بابن السبيل لأنه أصبح بحال لا ينفصل فيه عن الطريق[18] .

لتوفير حركة تجارية نشطة وفعَّالة لا بد من توفير أمن الطريق. يقول الله تعالى:

{وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} (النحل، 16/112)

وحتى يأتي الرِّزقُ من كلِّ مكانٍ لا بدَّ من توافر الطُّرق المؤهَّلة والآمنه، حيث تواجه الالتزامات المالية المتعلقة بتحقيق ذلك من صندوق ابن السبيل.

النتيجة

تُستخدم كلمة الصدقة في موروثنا المعرفي لذلك المقدار البسيط الذي يُعطى للفقراء وخاصة للمتسوِّلين. لكن عند النَّظر في الآيات وأقوال نبينا وتطبيقاته نجد أنها تُستخدم بمعنى الضريبة التي تُدفع للدولة، التي تُشير إلى كون الشخص مواطنا صالحا فيها. بعد عصر النبوة بزمن طويل بُدء باستخدام كلمة الزكاة بدلاً من كلمة الصدقة حيث ترافق ذلك مع أخذ ضرائب جديدة من غير المسلمين كالجزية والخراج. بينما جاء في القرآن الكريم {خذ من أموالهم صدقة} ولا يوجد أمر بأخذ الزكاة.

والمثير أكثر للاهتمام أنَّ الآية 60 من سورة التوبة التي تتحدث بوضوح عن الصدقات تمَّ تخصيصُها للزكاة، ولم يتمّ الاقتصار على هذا بل حصل التلاعب في مصارف الزكاة أيضا. وذلك بالرغم من أنه سبحانه قد ختم الآية بقوله:

{فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} (التوبة، 60)

يروى عن نبينا أنه قال:

«إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَرْضَ بِحُكْمِ نَبِيٍّ وَلَا غَيْرِهِ فِي الصَّدَقَاتِ، حَتَّى حَكَمَ فِيهَا هُوَ، فَجَزَّأَهَا ثَمَانِيَةَ أَجْزَاءٍ، فَإِنْ كُنْتَ مِنْ تِلْكَ الْأَجْزَاءِ أَعْطَيْتُكَ حَقَّكَ»[19]

عموم المسلمين يظنون أنَّ المذاهب متَّبعة للقرآن والسنة، لكنه في كثير من المواضيع _كهذا الذي نحن بصدده_ تشكَّلت الآراء وفقا لمعاييرهم الخاصة وليس وفقا لنصوص القرآن الكريم. وعلى سبيل المثال فإن الحنفية جعلوا مصارف الزكاة الثمانية سبعةً، وقد حمَّلوا كلَّ واحدٍ من هذه المصطلحات السبعة معنى جديدا، وهكذا تمَّ تهميش الآية بسهولة. يقول عمر نصوحي بيلمان:

“مصارف الزكاة أي الذين تُعطى إليهم سبعة أقسام: الفقراء من المسلمين والمساكين والغارمين وابن السبيل والمكاتبين من الرقيق والمجاهدين والعاملين عليها”.

ولم يتمّ الاكتفاء بهذا بل اعتبروا مصارف الزكاة _باستثناء العاملين عليها_ داخلين في معنى الفقير، وهكذا تحولت مصارف الزكاة من ثمانية إلى اثنين فقط[20].

وبهذا الهيكل، فإن الدولة التي لا تريد أن تواجه مشكلة في نفقاتها يعمد المسؤولون فيها لفتح جبهاتِ حربٍ جديدةٍ، وبالغنائم التي يحصلون عليها وبالضرائب الجديدة التي تُحمَّل على كاهل الشعب يحاولون الصمود والبقاء.

لم نذكر آراء المذاهب في هذه المقالة حتى لا تكون أخطاؤها حائلا دون فهم المسألة. والسبب الأصيل لعدم ذكر آرائهم هو قوله تعالى:

{إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ} (الأنعام، 6/159)

نسأل الله تعالى أن يُريَنا والمسلمين الحقَّ حقاً ويرزقنا اتباعه وأن يريَنا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه.

وقف السليمانية/ مركز بحوث الدين والفطرة

الموقع: حبل الله www.hablullah.com

الترجمة إلى العربية: جمال نجم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]  الآيات التي أمرت بالإنفاق هي البقرة 195 و254 و267، الحديد 7، المنافقون 10، التغابن 16، الطلاق 6

[2]  إسماعيل بن حماد الجوهري، الصحاح، مادة عفو

[3]  أحمد بن فارس، معجم مقاييس اللغة، مادة عفو

[4]  انظر الفرقان 25/69 ، القصص 28/84 ، الأحزاب، 33/68 ، المؤمنون 4/40

[5]  صحيح مسلم، الزكاة1، 7- (981)

[6]  والضعف هو من الألفاظ المتضايفة، فمتى أضيف إلى عدد اقتضى ذلك العدد ومثله، فالضعف الشيء ومثله، والضعفان الشيء ومثلاه، والأضعاف الشيء وثلاثة أمثاله على الأقل، لأن أقل الجمع بالعربية ثلاثة. وأضعافا مضاعفة يشير إلى أربعة أمثال على الأقل

[7]  مصنف عبد الرزاق الصنعاني، باب صدقة العين، 7077

[8]  سنن أبي داوود، باب من يعطى من الصدقة وحد الغنى، 1630

[9]  انظر المفردات للراغب الأصفهاني، مادة سكن

[10]  صحيح البخاري، كتاب الزكاة، باب قوله تعالى وفي الرقاب، رقم 1476 ، وصحيح مسلم كتاب الزكاة باب المسكين الذي لا يجد غنى ولا يفطن له فيتصدق عليه رقم 1039

[11]  انظر المفردات للراغب الأصفهاني، مادة ألف

[12]  محمد علي كبار، سفيان بن أمية، موسوعة وقف الديانة التركية

[13]  المفردات للراغب، مادة رقب

[14]  المعجم الصغير للطبراني، باب من اسمه الحسين، 402 وشعب الإيمان للبيهقي، باب فيمن آتاه الله مالا من غير مسألة، 3285 والترغيب والترهيب من الحديث الشريف (1331)  2/19

[15]  أخرجه أحمد 6618 والنسائي 8/265 و268، وابن حبان (1027) ، والحاكم 1/531

[16]  صحيح مسلم، 15_ باب تحريم الظلم 58 – (2580)

[17]  انظر المفردات للراغب الأصفهاني، مادة سبل

[18]  انظر لسان العرب لابن منظور، مادة سبل

[19]  سنن أبي داوود، باب من يعطى من الصدقة وحد الغنى، 1630

[20]  انظر عمر نصوحي بيلمان، العبادات الإسلامية الكبرى . اسطنبول 1962 ص 471-472 الفقرة 92-95

Facebook'ta PaylaşTwitter'da Paylaş

تعليقك على الموضوع  
التعليق *
* ضرورة إدخال هذا الحقل باللغة العربية

الموضوعات ذات الصلة بهذا الموضوع