سنة الخلفاء الراشدين وصلاة التراويح
السؤال: يستدل البعض على مشروعية صلاة التراويح بالحديث التالي: "وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ" ويقولون إن عمر أحيا سنة صلاة التراويح. ماذا ترون في هذا ؟ وهل فعل الصحابي تثبت به الأحكام الشرعية أم لا؟

الجواب: ورد الحديث في سياقات مختلفة بهذا النص: “فعليكُم بسنَّتي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ”[1] ولو سلمنا بصحة الحديث فليس المقصود به كون الخلفاء الراشدين يمتلكون حقَّ التشريع في أمور الدين، لأنَّ هذا لا يصحُّ إلا لله تعالى، حتى الأنبياء لا يشرِّعون بل يتبِّعون ما أُوحي إليهم ويبلغونه للنَّاس ويكونوا قدوة في الامتثال وإتيان أمر الله تعالى على أتمِّ وجه.

سنُّةُ النَّبي هي طريقته في تطبيق الوحي، والخلفاء الراشدون كغيرهم مطالبون بالتَّأسي به واتباع منهجه، ولأنَّهم أكثر من لازم النَّبي وأخذ عنه فلا بد أن يكون لهم ميزة في الفهم والتطبيق. فالمقصود بالحديث متابعة سنتهم في الامتثال والتطبيق.

ولو نظرنا إلى مسألة صلاة التراويح نجد أنَّه لا نصَّ فيها من كتاب الله تعالى، كما أن نبينا صلى الله عليه وسلم لم يصلِّها البتة، والروايات الواردة في اقتداء جماعة من أصحابه به في مسجده ليس له علاقة بصلاة التراويح، لأن نبينا كان معتكفا في العشر الأواخر، وقد اتخذ بيتا من حصير في مسجده، وكان يصلي فيه صلاة الليل المعهودة أي صلاة التهجد، وقد كانت واجبة بحقه في كل ليالي السنة. قال الله تعالى: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} (الإسراء، 79). وقوله {نافلة لك} يدلُّ على اختصاصه بها كفريضة عليه.

لما علم النبي باقتداء الناس به في صلاة التهجد قال لهم: “فَعَلَيْكُمْ بِالصَّلاَةِ فِي بُيُوتِكُمْ، فَإِنَّ خَيْرَ صَلاَةِ المَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا الصَّلاَةَ المَكْتُوبَةَ”[2]

فهل يُقبل بعد ذلك أن يُقال نعتمد سنَّة عمر ونترك سنَّة النَّبي؟ هذا غير منطقي بالطبع. لأن ما صدر عن عمر  كان _برأيه_ حلا لمشكلة اختلاط أصوات المصلين، فاقترح لو اجتمعوا على إمام واحد. فكيف تُتَّخذ هذه القصة _على افتراض صحتها_ أساسا في الاستدلال على صلاة التراويح؟

فلا  يمكن أن يُفهم من الحديث أن فعلهم سنة واجبة الاتباع وإنما كما قال أبو بكر رضي الله عنه عندما تولى أمر الناس: “أَطِيعُونِي مَا أَطَعْتُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَإِذَا عَصَيْتُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَلَا طَاعَةَ لِي عَلَيْكُمْ “[3] على ضوء ذلك نفهم اتباع سنتهم.

وكذلك الحال بالنسبة لفعل الصحابي، فلا يمكن القول بأنَّ فعله المجرَّد حجَّة، وإنما يُنظر في أفعال الصحابة على ضوء نصوص القرآن الكريم وتطبيقات النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلم. ويمكننا الاستفادة من أفعالهم في فهم المسائل العمليَّة المُستجِدَّة، على اعتبار أنَّهم أولُّ من آمن ونصر، وليس على اعتبار أنَّ أفعالهم حُجَّةٌ في دين الله تعالى.

 


[1]  أخرجه ابنُ ماجه (44)، والترمذي (2871) من طريق ثور بن يزيد، والترمذي (2870) “مسند أحمد” (17142)

[2]  صحيح البخاري، 6113

[3]  جامع معمر بن راشد، باب لا طاعة في معصية، 20702

Facebook'ta PaylaşTwitter'da Paylaş


 تعليقات القراء:

  1. السلام عليكم .
    يوجد حديث (من سن سنة حسنة فله أجرها ….) فلماذا لا تكون صلاة التراويح سنة حسنة؟ هو ليس تشريع ولا احد يلزم الناس بصلاة التراويح، ولكن صلاة التروايح جماعة تعين بعض الناس على الصلاة . وطالما عملها لا يضر وغير الزامي بل بالعكس الكثير يحب هذه الصلاة فلماذا لا تترك كما هي إن شاء الناس صلوا وان لم يشاؤوا فلا بأس ؟ هل هو حرام عندما نشجع شيء جيد على الاستمرار؟

    • يقول جمال نجم:

      وعليكم السلام ورحمة الله

      سنُّ السنة الحسنة المقصود في الحديث هو ابتداع طريقة حسنة تسهل حياة النَّاس وتعينهم على تقوى الله عز وجلَّ، ومجالُها الأمور الدنيويَّة من معاملات وعادات وأخلاق وعلاقات عامة. أمَّا الأمور التَّعبديَّة فهي لازمةٌ للنَّصِّ لا يصحُّ أن يُحدَث فيها شيءٌ جديد، حتى لو كان ظاهرُه خيرا، لأنَّ الخير _في الحقيقة_ ما شرعه الله تعالى لنا من هذه العبادات بالطَّريقة والكيفيَّة التي أقرَّها لنا وظهرت بتطبيق النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم. لذا كان تحذير النَّبيِّ من الابتداع في أمور الدين متكرِّرا حتى أنَّه نُقل إلينا متواترا، فعن عائشة رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه، فهو ردٌّ» أي مردود.

      وقد كان بيان النَّبيِّ بمقتضى قوله تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (الشورى 42/21)

      فأداء العبادات لا يتمُّ بحسب المزاج أو العاطفة، بل يتمُّ بمقتضى النَّصِّ، فالقول إنَّ النَّاس يرغبون بها ويُقبِلون عليها لا يجعلُ منها دينا، لأنَّ النَّاس لا يملكون الحقَّ في ذلك ولو اجتمعوا عليه، كما أنَّ هذا الزَّعم منقوض في ذاته، لأنَّنا نرى النَّاس يُقبلون على صلاة التَّراويح جماعة أكثر من إقبالهم على الصَّلوات المفروضة، وهذا بذاته يصف حجم المشكلة، فالمبتدعات تكون على حساب المفروضات غالبا.

      لا يوجد في القرآن ولا في السنَّة ما يدلُّ على صلاة التراويح جماعة في المسجد، حتى إنَّ مُسمَّاها مُبتدعا، فلم تُعرف مثل هذه الصلاة في زمن النَّبي، لكنَّ نبيَّنا وأتباعه كانوا يصلون قيام الليل فرادى في منازلهم، وكان ذلك طيلة أيام السَّنة، وليس فقط في رمضان، وكانوا يصلونها فرادى في المسجد أثناء اعتكافهم العشر الأواخر من رمضان، حتى إنَّ كتب الحديث تذكر حادثة اقتداء جماعة من أصحاب النَّبيِّ به في المسجد، وهو داخل حجرته التي بناها من حصير ليعتكف فيها ، ولمَّا كثرت الجماعة في الليلة الثالثة خرج إليهم ونهاهم عن ذلك، موجِّهاً إيَّاهم إلى أنَّ أفضل صلاة المرء تلك التي تكون في بيته إلا المكتوبة.

      فقد روى البخاري بإسناده عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم اتَّخَذَ حُجْرَةً ـ قَالَ حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ ـ مِنْ حَصِيرٍ فِي رَمَضَانَ فَصَلَّى فِيهَا لَيَالِيَ، فَصَلَّى بِصَلاَتِهِ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا عَلِمَ بِهِمْ جَعَلَ يَقْعُدُ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ “‏قَدْ عَرَفْتُ الَّذِي رَأَيْتُ مِنْ صَنِيعِكُمْ، فَصَلُّوا أَيُّهَا النَّاسُ فِي بُيُوتِكُمْ، فَإِنَّ أَفْضَلَ الصَّلاَةِ صَلاَةُ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلاَّ الْمَكْتُوبَةَ” ‏‏

      وللمزيد حول الموضوع ننصح بقراءة مقالة الأستاذ أنس عالم أوغلو (صلاة التَّراويح) على الرَّابط التالي http://www.hablullah.com/?p=992

  2. يقول محمد:

    شكرا على التوضيح

  3. يقول محمد:

    من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه”. متفق عليه.

    إنَّ اللَّهَ عزَّ وجلَّ فرضَ صيامَ رمضانَ وندب إلى قيامَهُ ، فمَن صامَهُ وقامَهُ احتسابًا خرجَ منَ الذُّنوبِ كيومِ ولدتهُ أمُّهُ
    الراوي : عبدالرحمن بن عوف | المحدث : أحمد شاكر | المصدر : مسند أحمد
    الصفحة أو الرقم: 3/128 | خلاصة حكم المحدث : إسناده صحيح

    اليس القيام المسنون هو التراويح؟

    • يقول جمال نجم:

      المندوب هو قيام الليل في كل أيام السنة وليس في رمضان وحده، يصليها المسلم في الليل في البيت منفردا، أو في المسجد إذا كان معتكفا العشر الأواخر من رمضان، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصليها على هذا النحو ولم يصلها جماعة بعد العشاء كما يفعل الناس اليوم

تعليقك على الموضوع  
التعليق *
* ضرورة إدخال هذا الحقل باللغة العربية