الربا يُضيِّق على الاقتصاد والزّكاة توسِّعه

الربا يُضيِّق على الاقتصاد والزّكاة توسِّعه

يرى الإنسان أن الربا يزيد في المال بينما الزكاة والصدقات تنقصه، لكن الله تعالى يرى عكس ذلك؛ الربا يؤدي إلى الضيق بينما الزكاة تؤدي إلى التنمية، يقول الله تعالى:

يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (البقرة، 2/276) الربا الذي يعني في الأصل الازدياد يستخدم كاسم ومصدر، فهو كاسم يأتي بمعنى الزيادة المشروطة في عقد الدين، وكمصدر يأتي بمعنى العمل الربوي أو الأعمال الربوية (لأنه اسم جنس)[1]، وفي الآية استخدم نفس الجذر (يربي) للزكاة والصدقات، الأعمال الربوية التي يقصد منها رفع الدخل تفتح الطريق نحو الضيق، ولا يزداد الدخل إلا بإيتاء الزكاة.

وهذه الآية تخبرنا بأن الزكاة تكون سببا في مضاعفة الأموال:

وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (الروم،30/39)

لنحاول فهم الموضوع بتشبيه النقود بالدم. الدم يحضر الأكسجين وخلاصة الغذاء إلى الخلايا، وهو كذلك ينقل منتجات الخلايا وفضلاتها إلى الأماكن ذات العلاقة. حينما يقل الدم فإن ما يصل إلى الخلايا من الغذاء والأكسجين لا يكفيها وتبعا لذلك يمرض الجسم. النقود يجب أن تتوفر بشكل كاف، ولتوفير وصول المنتجات والخدمات إلى الأماكن ذات العلاقة لا بد من استمرار بقاء النقود في حالة التداول. إذا قلت النقود التي في التداول فإن الأموال والخدمات لا يمكن أن توصل إلى الناس بشكل كاف، والتجار يصبحون في حالة من عدم القدرة على بيع بضائعهم. بعض المحلات تغلق أبوابها ويطل شبح الكساد على السوق برأسه.

لإعطاء القرض الربوي يتم سحب النقود من التداول وتجميعها وإعطائها لمن يقدمون الضمانات اللازمة لذلك فقط. ولقلة أمثال هؤلاء فإن النقود التي أخذت من استخدام الجماهير تخصص لهم لإعطائها مرة أخرى على شكل قرض ربوي. هذه المعاملة كالدم المسحوب من الدوران والمخصص لبعض الأعضاء، فهذا يفسد جميع التوازنات.

مستخدمو القروض بعد شعور بالراحة يدوم قليلا يجدون أنفسهم مضطرين لتجميع النقود لسداد الدين، وفي أثناء مدة القرض يحرص المقترض على عدم توقف عمله لأن القرض غير مرتبط بانتهاء العمل، ولهذا لا يستطيع تجميع النقود الكافية لتسديد القرض فيجد نفسه مضطرا لأخذ قرض جديد ليسد دينه الأول. ولئلا يفلس فإنما أعطاه إلى البنك من الربا يضيفه إلى تكاليف الإنتاج وهذا يبقيه عاجزا أمام منافسيه، مما يدخله في الأزمات.

لا يمكن أن تقام استثمارات مهمة في النظام الربوي بدون تشجيع من الدولة، القروض التشجيعية غالبا تعطى بربا أقل من التضخم. ومن أجل تشجيع المواطن على استهلال المنتج المحلي تمنع الدولة بعض البضائع من الاستيراد وتفرض على بعضها الآخر رسوما جمركية مرتفعة، بعض المنتجين المحليين من بعض الشركات يستفيدون من تدخل الدولة فينتهزون الفرصة لبيع بضائعهم بأسعار مرتفعة مقارنة بالأسواق الخارجية. ولعدم وجود المنافسين يجدون الفرصة سانحة للزج ببضائع قليلة الجودة إلى الأسواق، وهكذا تكون الدولة قد مكنت عددا قليلا من هذه الشركات لسحق الشعب اقتصاديا.

لأشباع شهية الأغنياء المستمرة للمال فإنهم يلجؤون إلى أخذ مزيد من القروض وهذا يدخلهم تحت سيطرة المؤسسات الربوية المقرضة، ولأنهم يسددون كل قرض بقرض آخر فهذا يجعلهم يغرقون في كل مرة أكثر من سابقتها.

كان الناس قديما يضعون في البنوك ما استطاعوا توفيره من مداخيلهم، ولأنه لم يبق أي شخص له القدرة على التوفير فإن البنوك بدأت بأخذ مستقبل الناس رهينة بواسطة بطاقة الائتمان وبطاقة المستهلك، بعدئذ أصبح أعلى مرتبة يصل إليها الإنسان أن يكون عاملا ماهرا، فهو الأوفر حظا، حتى أصبحوا يروا كأنهم أصحاب المصانع والمحلات، لأن الناس يظنون أنهم رؤساء الأعمال في المصنع أو المنشأة، ولكن أصحاب رأس المال يستطيعون أن يجعلوهم دون عمل.

الدِّين والدَّين من نفس المصدر، والدين في اللغة يأتي بمعنى الطاعة والمقابلة، ولأن الدين يجبر الناس على الإطاعة فإن النظام الربوي يجعل الناس والدول أسرى لأصحاب رؤوس الأموال. ولأن هذا النظام ضد الفطرة فقد عده الله تعالى حربا معلنة عليه وفي هذا يقول سبحانه: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ. (البقرة 279-280)

يروى عن نبينا الدعاء التالي: “اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ غَلَبَةِ الدَّيْنِ , وَغَلَبَةِ الْعَدُوِّ , وَشَمَاتَةِ الْأَعْدَاءِ “[2]

أما في النظام الذي يستند إلى الزكاة فإن المعتبر ليس أن يكون الإنسان عاملا ماهرا وإنما أن يوصل بالإنتاج إلى الجودة العالية، ولأن الناس لا يمكنهم أن ينتجوا النقود فإن أفضل ما يمكنهم فعله هو هذا. فالنقود لا تؤكل ولا تشرب، ولا يمكن أن تكون بيتا أو لباسا، الذي يبقي الناس أحياء هو العرض والخدمات، إذا كان لكم طن من الذهب ولم تجدوا الماء والغذاء فإنكم ميتون لا محالة. الزكاة والصدقات تلبي حاجة الناس الذين لا تصلهم الأموال والخدمات بشكل كاف وتحفظ عليهم حياتهم. وهذا شبه فتح الشرايين المغلقة حيث يتم نقل الأكسجين والأغذية إلى الخلايا، وبفضل هذا تتوفر الفرصة لأن يعمل كامل الجسد. في الوقت  الذي يرمي فيه النظام الربوي الناس خارج الاقتصاد بسبب غلاء الأسعار والمشكلات الأخرى إلا أن الزكاة تأتي بالناس من خارج العمل الاقتصادي وتجعلهم يكسبون، ولأنه يمكن أن يقع كل إنسان في مثل هذه الحالة فان كل من يعطي الزكاة والصدقة فإنه يكون قد استثمر لمستقبله. يقول الله تعالى : وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (البقرة، 2/ 195)

يظهر تأثير الزكاة والصدقة عندما يكثر مانحوها، والفقير يستهلك ما أخذه منها، وإن كانت نقدا فإنه سينفقها على نفسه وعياله، وعلى سبيل المثال فإنه يؤدي دينه إلى البقال، والبقال سيؤدي لتاجر الجملة، وتاجر الجملة سيؤدي لعماله، والعمال سينفقون ما أخذوه من أجر على حاجاتهم، وهكذا سيضاف إلى السوق زبائن جدد.

الدخول والثروات تصل إلى كل قطاعات المجتمع، والنقود التي تمر على كل شخص وتنعش أعماله تضفي الحيوية على السوق. إنفاق ليرة واحدة سترى بعد مدة كأنها 700 ليرة أو أكثر، لهذا السبب فإن المنفقين سيكسبون الثواب كما أنهم يربحون بسبب انتعاش السوق، يقول الله تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (البقرة، 2/261)

الربا يفتح الطريق لتدفق المال من الفقراء إلى الأغنياء، أما في الزكاة ففيها تتدفق الثروة من الأغنياء إلى الفقراء، وهذا يؤدي إلى ازدياد القوة الشرائية للناس ويضيف زبائن جددا إلى السوق.

في الوقت الذي يدخل الربا الناس في الضائقة الاقتصادية فإن الإنفاق يضاعف الأموال أضعافا كثيرة.

للمزيد حول الموضوع ننصح بقراءة مقالة أ.د عبد العزيز بايندر (النِّظام الاقتصادي الموافق للفطرة) على الرابط التَّالي http://www.hablullah.com/?p=2926

 


[1] إسماعيل بن حمّاد الجوهري، الصحاح، ( التحقيق: أحمد عبد الغفور العطّار)، بيروت 1983، مادّة ( دين )، راغب الإصفهاني، المفردات،مادّة ( دين)، لسان العرب، مادّة دين

[2] سنن النسائي، الاستعاذة، 34، ج. 8، س. 265.

Facebook'ta PaylaşTwitter'da Paylaş

تعليقك على الموضوع  
التعليق *
* ضرورة إدخال هذا الحقل باللغة العربية

الموضوعات ذات الصلة بهذا الموضوع