الفرق بين صيامنا وبين صيام الأمم السابقة
حبل الله > الصوم > الفتاوى تاريخ النشر: 07/06/2017 Tavsiye Et Yazdır
السؤال: هل هناك فرق بين صيامنا وصيام الأمم السابقة؟

الجواب: القرآن الكريم هو الكتاب الأخير المصدق لكل ما أنزل الله من الكتب على النبيين من قبل، كما قال تعالى {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ } (المائدة، 48) وكونه مصدقا فلا بد أن يحوي ذات الشرائع كما بينه قوله تعالى {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} (الشورى، 13) وقوله تعالى في الآية 84 من سورة المائدة {وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ} يدلُّ على أنَّ الكلمة الأخيرة هي للقرآن، وبالرغم من إقراره التَّشريعات السَّابقة بالجلمة إلا أنَّه قد يخفِّف من بعض التكليفات أو يغير في بعض التشريعات بما يصلح عليه حال الناس وهو المشار إليه في قوله تعالى {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (البقرة، 106)

وقد كان صيام رمضان من جملة ما صدَّقه القرآن، وهو المفهوم من قوله تعالى {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (البقرة، 183)

ثم قال الله تعالى معقبا:  {أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ} (البقرة، 184) وهذا دليل على أنَّ النَّاس كانوا يعرفونها من قبل.

الفرق الوحيد بين صيامنا وصيام الذين من قبلنا هو إمساكنا عند الفجر الصادق، بخلاف الأمم السابقة حيث كان إمساكهم بعد صلاة العشاء مباشرة. وقد التزم المسلمون في بداية فرض الصيام بذلك امتثالا لأمر الله الوارد في الآية 183 من سورة البقرة حيث نصت الآية على أنه يجب الصيام {كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} وبقي الحال على ذلك حتى نزلت الآية 187 من سورة البقرة التي نسخت وجوب الإمساك بعد العشاء وأقرته من طلوع الفجر الصادق:

{أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} (البقرة، 187)

وقوله تعالى في الآية السابقة {أُحِلَّ لَكُمْ} يفيد حكما جديدا مختلفا عمَّا كان عليه الأمر سابقا، وبالفعل قد بدأ المسلمون بالإمساك عند طلوع الفجر الصادق كما نصَّت عليه الآية.

هناك العديد من الروايات التي تشير أنَّ النَّاس كانوا إذا ناموا بعد العشاء أمسكوا حتى المغرب من اليوم التالي، ومن كان يصحو منهم بعد نومه ولو بقليل فإنَّه لا يأكل ولا يشرب ولا يجامع، حتى إن بعضهم كان يتؤوَّلُ لنفسه أو لامرأته عدم النَّوم ويجامعها، فأنزل الله تعالى الآية السابقة التي أحلَّت لهم مواصلة الإفطار حتى يتبيَّن الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر[1]

وقد روى أبو داوود عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} [البقرة: 183]، ” فَكَانَ النَّاسُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا صَلَّوُا الْعَتَمَةَ حَرُمَ عَلَيْهِمُ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ وَالنِّسَاءُ، وَصَامُوا إِلَى الْقَابِلَةِ، فَاخْتَانَ رَجُلٌ نَفْسَهُ، فَجَامَعَ امْرَأَتَهُ، وَقَدْ صَلَّى الْعِشَاءَ، وَلَمْ يُفْطِرْ، فَأَرَادَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ يُسْرًا لِمَنْ بَقِيَ وَرُخْصَةً وَمَنْفَعَةً، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: {عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ} [البقرة: 187] الْآيَةَ، وَكَانَ هَذَا مِمَّا نَفَعَ اللَّهُ بِهِ النَّاسَ وَرَخَّصَ لَهُمْ وَيَسَّرَ “[2]



[1]  انظر صحيح البخاري، الحديث رقم 1915 و 4508

[2]  سنن أبي داوود، بَابُ مَبْدَإِ فَرْضِ الصِّيَامِ، 2313

Facebook'ta PaylaşTwitter'da Paylaş

تعليقك على الموضوع  
التعليق *
* ضرورة إدخال هذا الحقل باللغة العربية

الموضوعات ذات الصلة بهذا الموضوع