خلق الإنسان من علق

خلق الإنسان من علق

أ.د عبد العزيز بايندر

(عَلَقَ) الْعَيْنُ وَاللَّامُ وَالْقَافُ أَصْلٌ كَبِيرٌ صَحِيحٌ يَرْجِعُ إِلَى مَعْنًى وَاحِدٍ، وَهُوَ أَنْ يُنَاطَ الشَّيْءُ بِالشَّيْءِ الْعَالِي. ثُمَّ يَتَّسِعُ الْكَلَامُ فِيهِ، تَقُولُ: عَلَّقْتُ الشَّيْءَ أُعَلِّقُهُ تَعْلِيقًا. وَقَدْ عَلِقَ بِهِ، إِذَا لَزِمَهُ. وَالْقِيَاسُ وَاحِدٌ[1]. يقال ما بينها علاقة: أي شيء يتعلق به أحدهما على الآخر[2].

العلاقات البشرية أملتها حاجة الإنسان لبني جنسه، وقد نشأت من طبيعة البشر ذاتها. وقد بينها الله تعالى في قوله: {خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ} (العلق:2) أي كثير العلاقة في صناعته وحرفته ومعيشته وفي أموره كلِّها لأنَّه مطبوع عليها. وهذه الآية كَقَوله تَعَالَى :{اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ} (الروم:54) وفسره بقوله: {وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا} (النساء: 28) وكذلك قوله: {خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ} (الأنبياء: 37) وفسره بقوله: {وكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا} (الإسراء: 11) وأما كونه عجولا فصفة ملازمة للضعف، كما أنَّها (أي صفة العجلة) ضروريَّة لتحقيق معنى الابتلاء، فقد أمر الله تعالى بالصبر الذي هو مفتاحٌ لكلِّ خير في الدنيا كما أنه سُلَّم الفوز في الآخرة التي هي خير وأبقى، لكن طبع العجلة في الإنسان يجذبه نحو اختيار العاجلة وتناسي الآخرة، وهو ما أشار إليه قوله تعالى {كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ. وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ} (القيامة:21) {إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا} (الإنسان:27) هذا الطبع في الانسان تقابله الحقائق التي لا تغيب عن العقل، وهي ضرورة الصبر لنيل ما هو أعظم وأدوم، وهو المشار إليه في قوله تعالى {وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} (فصلت:35)

نفهم من جملة الآيات أنَّ الإنسان مخلوق ضعيف وعجول ومتعلق بغيره، فضعفه العام يجعله يحتاج للآخرين لإصلاح شأنه والوصول إلى غاياته، فمهما وصل الإنسان في علمه وقوته إلا أنه يبقى محتاج لغيره، وهذا هو السبب في كون الإنسان مدنيٌّ بطبعه لا يستطيع العيش منعزلا عن جماعة البشر.

قال تعالى: {نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} ( الزخرف : 32)

فهذه الطبيعة جعلت الإنسان يحتاج إلى ما ينتجه الآخرون من الأموال والخدمات التي لا يمكنه أن يعيش بدونها، لذلك كان من الضروري أن يَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا لأنه ليس مثل الحيوانات الأخرى، إذ إنه لا يسدُّ حاجاته بما وجده في الأرض إلا بعد عمليِّات كثيرة لا يمكنه إجراؤها بدون علم. فلذلك كان أولَ ما فعله الله لآدم تعليمه الأشياء كما أورده بقوله: {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ . قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ. قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} [البقرة: 31 – 33]

والعلم: إدراك الشيء بحقيقته. ولما علَّم اللهُ آدمَ الأسماءَ (أي أسماء الأشياء) جعله مدركا لها بحقيقتها. وتبديل الضمير الراجع إلى الأسماء من “ها” التي تشير إلى جمع من غير ذوي العقول في قوله: “الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا” إلى “هم” التي تشير إلى جمع من ذوي العقول في قوله: “ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ” يدلُّ على هذا العلم الذي هو عبارة عن العقل. يقول الراغب الأصبهاني: العقل يقال للقوَّة المتهيِّئة لقبول العلم، ويقال للعلم الذي يستفيده الإنسان بتلك القوَّة عقل.

وقوله تعالى للملائكة: “أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ” يشير إلى أنَّ هذه الأشياء التي علَّمها الله تعالى لآدم كانت مما في السماوات والأرض، وكانت معروفة عند الملائكة، ولكنَّ العلم الذي تعلَّمه آدم كان غائبا عنهم.

وأشار سبحانه وتعالى: إلى هذا العلم مرة ثانية في سورة العلق وقال:{اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ. الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ. عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} [العلق: 3 – 5] فربنا الأكرم تكرَّم بهذا العلم على آدم وذريته الذي خلقهم  كلَّهم من علق. لو لم يكن هذا الإكرام لكان الإنسان الأسوء حالا في الحيوانات ولم يعش إلا قليلا. وقول الله: “عَلَّمَ بِالْقَلَمِ” يدلُّ على أنَّه علَّم الإنسان (أي آدم) هذا العلم بالقلم، فكتبه آدم وحفظه وعلَّمه أولاده، ونجد أثر هذا العلم بما أشارت إليه الآيات التي حوت خطابا موجها إلى قوم نوح: {أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا. وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا. وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا. ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا} [نوح: 15 – 18] ولم نر مثل الخطاب موجها إلى قوم غير قوم نوح في أي سورة أخرى؛ وذلك لأنَّهم رأوا (أي علموا) كيف خلق الله سبع سماوات طباقا وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا.

وكذلك علموا المشابهة التَّامة بين خلق الإنسان وخلق النبات بالعلم الذي وُرٍّثوه من جدِّهم آدم.

وبذاك العلم صنع نوحٌ الفلك التي سلك فيها من كل زوجين اثنين وأهله والذين آمنوا معه. ويجب أن يكون معهم كلُّ ما يكفيهم في هذا السفر:

{فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ} (المؤمنون: 27)

وقد جرت بهم في موج كالجبال: {وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ} (هود: 42) ولك أن تتخيَّل سعة سفينة تحمل هذا العدد الكبير من الناس والحيوان وما يلزمهم من طعام وشراب، ثمَّ لك أن تتخيَّل متانة هذه الفلك التي ستسير في موج كالجبال دون أن تتحطم. لذا لا يمكننا _في عصرنا الحاضر_ أن نقدِّر كيف كانت تلك الفلك. وهذا كلُّه يشير إلى علم علَّمه الله تعالى لآدم.


[1]  ابن فارس، مقاييس اللغة، مادة علق

[2]  ابن سيده المرسي، المحكم والمحيط الأعظم، مادة علق

Facebook'ta PaylaşTwitter'da Paylaş

تعليقك على الموضوع  
التعليق *
* ضرورة إدخال هذا الحقل باللغة العربية

شوهد 893 مرة/مرات
الموضوعات ذات الصلة بهذا الموضوع