الإسلام بمقتضى القرآن

الإسلام

“بمقتضى القرآن الكريم”

أ.د عبد العزيز بايندر

الإسلام هو دين الله تعالى، ومحمد صلى الله عليه وسلم هو نبيه الأخير. والقرآن الكريم هو الكتاب الإلهي الذي يدل على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، ويبين للناس ما أراده الله تعالى منهم، وقد بلغ إلينا بطريق التواتر؛ لذا كان على المسلمين أن يولوه الاهتمام الكافي ويعملوا على فهمه جيدا. قال الله تعالى: «أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا» (محمد، 47 / 24)؛ وهناك من يزعم صعوبة فهم القرآن والوصول إلى مقاصده، لكن الله تعالى يرد عليهم بقوله: «وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ» (القمر، 54 / 17، 22، 32).

وقد نسي المسلمون تدبر القرآن الكريم على مدى قرون. لذلك أصبح القرآن مجرد كتاب مقدس بعيد المنال لا يوصل إليه بسبب نسيان تدبره، ونشأت عند كثير من الناس قناعة في أنه لا يمكن فهمه. كما داهمت عقول المتأخرين فكرة؛ وهي أن القدماء قد حلُّوا كلَّ المسائل فلا حاجة للتفكير فيها، فأُغلق الباب أمام كل جديد. وفي نهاية المطاف صار القرآن يُقرأ لكسب الثواب وفي مراسم العزاء فقط، في مفارقة واضحة لقول الله تعالى: «إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا» (الإسراء، 17 / 9).

حقا إنّ هذا القرآن الكريم يهدي لأقوم الطرق، وأوضح السبل، ولكن قراءته لكسب الثواب فقط دون الفهم والعمل بما فيه لا يفيد شيئا في تصحيح السلوك وبعث الطاقات. وهو كالإكتفاء بشم رائحة العسل المصفى بدون أن يذاق طعمه. وما الذي يستفيده الجسمُ من العسل إذا لم يُشرب؟. وقد قام المسلمون بقراءة القرآن دون أن يُفهم على مدى قرون طويلة، ولم يستفدوا منه، ولم يطبقوا تعاليمه في حياتهم اليومية. وقد تداخلت الخرافة والعقائد الفاسدة والطقوس التقليدية مع المفاهيم الدينية لتشكل دينا جديدا لا علاقة له بالإسلام إلا المسمى. وقلما كان هناك من يحاسبون أنفسهم فيقرؤون القرآن ليفهموا ويتدبروا، وقد قال الله تعالى: «أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ» (الحديد، 57 / 16).

قلما نجد في تركيا كما في غيرها من عالمنا الإسلامي من لا يعتبر نفسه مسلما، فالمسلمون اليوم ينقسمون إلى قسمين:

القسم الأول يعتبر نفسه مسلما حسب ما يعتقد، فمنهم من يصوم ويصلي ويضحي ويكتفي البعض بصلاة الجمعة والعيدين . وقد تأثر كثير منهم بالثقافة الغربية، ويسهل أن نسميهم بـ “المستغربين”.

وأما القسم الثاني فلديهم الإرادة والعزم في تلبية أوامر الله تعالى، ونسميهم بـ “المتدينين”، ويعتبرهم المستغتربون رجعيين ومحافظين. أما المستغربون في نظر المتدينين، فهم فُسّاق وخارجون عن الدين. وفي الآونة الأخيرة قد جمعهتما الجهود المبذولة حول القرآن الكريم. ذلك أنَّ المستغتربين حين توجهوا نحو القرآن ودرسوه، عرفوا أن الذين يزعمون أنهم متدينون لم يحافظوا على الدِّين نقيِّا بل خلطوه بالخرافات الكثيرة، فأظهروا الفرح لبقائهم بعيدين عن تلك الخرفات، ومن ناحية أخرى وجَّهوا النقد للمتدينين. وقد أحدث هذا الموقف اضطرابات عند بعض المتدينين فاضطروا إلى دراسة القرآن ليدافعوا عن أنفسهم تجاه المستغتربين، وبدراستهم للقرآن الكريم عرفوا أنّ المستغتربين على حق في نقدهم إياهم. فقد ترك هذا التوجه القرآني تأثيرا عميقا في قلوب جميع المتدينين. كما عرف كل واحد منهم أنه قد حان الوقت للتجمع حول القرآن الكريم. كما أدَّت هذه الإضطرابات إلى معرفة البعض بُعدهم عن الدين تمام البعد. وهي حالة تحدث في كل بيئة يبدأ فيها التوجه نحو كتاب الله تعالى.

قال الله تعالى: «وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ» (الجاثية، 45 / 17). «لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ، رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً، فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ» (البينة، 98 / 1-3). « وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا، وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا» (الإسراء، 17 81-82).

وفي الأماكن التي كان التوجه فيها نحو القرآن قويا، تفككت الجماعات الدينية وتفرق شملها مما حدا بالقائمين عليها اتخاذ إجراءات صارمة بسبب خوفهم من فقدان ما هم عليه من الأفكار والأنصار. ولكن هذه الإجراءات لم تعد بالفائدة عليهم بل زادت الطين بلة، وهم في تمسكهم بالخطأ وإصرارهم عليه لم يعد النُّصح ينفعهم؛ لأن سلوكهم عاطفي بعيد عن التفكير الصحيح. والواجب على الدعاة عدم اليأس منهم بل التحلي بالصبر تجاههم. قال الله تعالى: «إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ» (آل عمران، 3 / 120).

وتلك الاضطرابات ليست شرَّا كلها، بل قد تكمن فيها الفائدة؛ لأنها ستكون سببا لكسب الخير للبعض، كما يظهر من خلالها الوجه الحقيقي للبعض الآخر. وبالتالي يمكن الحصول على الفهم الصحيح للدين.

وليس التوجه نحو القرآن بخيال جميل أو شعار يُرفع. ولكنه تصميم وعزيمة قوية ينعكس أثره على الحياة الخاصة والعامة، كما يتعدى أثره على السلوك البشري برمَّته. غير أنّ هناك بعضا ممن صدعوا بشعار “التوجه نحو القرآن” يحاولون تطويع القرآن لهواهم، بدلا من اتباع القرآن وامتثال أوامره. وهؤلاء حين ينتقدون الآخرين لا يشعرون ما هم فيه من عوج وخروج عن السبيل. فعلى من يتوجه نحو القرآن أن يحاسب نفسه بناء عليه قبل أي شيء حتى لا يقع في مثل تلك الأوضاع السيئة. قال الله تعالى: «وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ» (آل عمران، 3 / 103).

«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا» (النساء، 4 / 59)

«وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ. أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ» (المائدة، 5 / 49-50).

وقف السليمانية/ مركز بحوث الدين والفطرة

الموقع: حبل الله www.hablullah.com

Facebook'ta PaylaşTwitter'da Paylaş

تعليقك على الموضوع  
التعليق *
* ضرورة إدخال هذا الحقل باللغة العربية

شوهد 296 مرة/مرات
الموضوعات ذات الصلة بهذا الموضوع