ضرب الزوجة

ضرب الزوجة

أ.د عبد العزيز بايندر

مقدمة

جاء في الآية 34 من سورة النساء قوله تعالى : {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا} (النساء،4/34)

وقد ورد في الآية الكلمتان التاليتان:

النشوز: وهو قيام الشخص من المجلس بهدوء حينما يريد المغادرة.

الضرب: وهو وضع الشيء على الشيء أو تثبيته، ومعنى كلمة الضرب الذي يستخدم في كل عمل تقريبا يتغير حسب الشيء المضروب أو المثبت.

في التفسير التقليدي يعطون كلمة النشوز الواردة في الآية السابقة معنى عدم الطاعة (العصيان)، كما أعطوا كلمة الضرب معنى الإيذاء الجسدي، وبإعطاء ذات المعنى للأحاديث المتعلقة بهذا الموضوع تكونت القناعة بأن الإسلام أعطى للرجل صلاحية ضرب زوجته. جاء في تفسير وقف الديانة التركي أن النشوز يأتي بمعنى عدم الطاعة، والضرب بمعنى الإيذاء الجسدي.

من وجهة نظرنا فإن المعنى المعطى للآية خطأ بالجملة، وفي مقالتنا هذه سنركز النظر على القسم المتعلق بالنشوز وضرب النساء، أما الأقسام الأخرى فلن نتطرق لها.

المعنى الصحيح للآية يجب أن يكون هكذا: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ (الرجال يحمون نساءهم ويحيطونهن بالعناية) بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ (نشوزهن أي افتراقهن عنكم) فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ (أي أبقوهن في بيوتكم) فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا} (النساء،4/34)

إن إعطاء كلمة النشوز معنى “عدم الطاعة” وكلمة الضرب معنى “الإيذاء الجسدي” مخالف لمنهج القرآن العام كما أنه مخالف للتناسق الداخلي في الآية ذاتها. يقول الله تعالى:

{وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} (الروم، 30/21)

الضرب بمعنى الإيذاء هو عكس مقتضى الرحمة والمحبة التي تحكم العلاقة بين الأزواج.

خلق الله تعالى الإنسان من أجل الامتحان، وميّزه بصفة الخليفة (انظر البقرة، 2/30)، أصل كلمة خليفة من خليف، وإضافة التاء يفيد المبالغة، وتأتي الكلمة اسم فاعل أي  كثير المخالفة، كما تأتي اسم مفعول أي كثير من يخالفه. كما يأتي بمعنى الذي خلف غيره أو الذي ترك بعده من يخلفه. يقول الله تعالى:

{وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ. إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} (هود، 11/ 118_119)

ولأن الإنسان ذو طبيعة مخالفة فإن الامتحان الأصعب يكون داخل أسرته. وقد حذر الله تعالى آدم وحواء اللذين شكلا العائلة الأولى على وجه الأرض حينما أخرجهما من الجنة بقوله:

{قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى} (طه، 20/123)

المخالفة ليست بين الزوج والزوجة فقط وإنما بين أفراد العائلة جميعا. كل فرد يمكن أن يتجاوز حقوق الآخرين ولا يطيعهم. ومن يريد أن يكون سعيدا فالواجب عليه فعله أن يتبع الآية الآتية:

{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (التغابن، 64/14)

أعطينا لكلمة العدو الواردة في الآية معنى الذي يتجاوز الحقوق، والمعنى الأصلي للكلمة: الذي يتجاوز الحدود ويمنع التوافق والانسجام مع الغير.

بحسب الآيات فإن تعدي أحد الزوجين على حق الآخر أو عصيانه أمرٌ طبيعي وواقعي في داخل الأسرة. إن قصر  معنى كلمة النشوز على عصيان المرأة لزوجها، وطلب ضرب الزوج زوجته بعد نصحها وتركه فراشها مخالف للآيات.

وهذا المعنى المعطى مخالف لمضمون الآية 34 من سورة النساء أيضا، لأنه جاء بعد قوله تعالى “واضربوهن” “فإن أطعنكم” والإطاعة في اللغة العربية تعني القيام بالعمل برضى القلب. النتيجة المترتبة على الضرب بمعنى الإيذاء الجسدي لا يسمى طاعة، وإنما يسمى إكراها وإجبارا. يقول الله تعالى:

{لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (البقرة، 2/256)

كما سيظهر لاحقا فإن معنى نشوز المرأة هو قرارها بالافتراق عن زوجها. وفي هذا الحال فإن أفضل ما يفعله الزوج لتتراجع عن قرارها وعظُها بالكلام الحسن والعمل على تبديد مخاوفها وقلقها. وعلى الزوج أن لا يقترب من فراش زوجته إلى أن يتم إقناعها بعدم الافتراق عنه، ومن هنا أعطينا كلمة الضرب الواردة في الآية معنى إبقاؤهن في بيوتهن. لكن ما أعطاه القرآن للمرأة من حق الافتراق عن زوجها والذي طبقه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام لا يقبله أيٌ من المذاهب. وكتب التفاسير التي كتبت تحت تأثير آراء المذاهب الفقهية لم يستطع مفسروها أن يعطوا المعنى الصحيح للكلمات الواردة في الآية. إن الأخطاء الواردة في كل موضوع كالتي ذكرنها آنفا سببها الرئيسي هو نسيان علم تفسير القرآن الكريم.

أ_ علم تفسير القرآن الكريم

وقد بين الله تعالى في الآية التالية أنه _سبحانه_ فسر القرآن بعلم خاص:

{وَلَقَدْ جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} (الأعراف، 7/52)

القاعدة الأساسية في هذا العلم، أنه لا صلاحية لأحد في تفسير الآيات سوى الله تعالى. وفي ذلك يقول سبحانه:

{الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللّهَ إِنَّنِي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ} (هود، 11/1-2)

بحسب الآيات فإن اتباع تفسير غير الله هو عبودية للمفسر.

ومن يرى لنفسه صلاحية تفسير الآيات بالرغم من معرفته لهذا العلم فإنه يكون بذلك قد خرج عن الصراط.

تفاصيل الله تعالى للآيات لا يتم استخراجها إلا بفريق من الخبراء، نفهم هذا من الآية التالية:

{كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} (فصلت،41/3)

يتكون فريق العلماء من الذين يعلمون علم تفسير القرآن ويتصرفون بناء عليه.

كلمة القرآن من مصدر قرأ الذي يأتي جذره بمعنى الجمع. واسم مفعوله “المقروء” يستخدم بمعنى المجموع والمتكامل. القراءة تعني جمع الكلمات بعضها إلى بعض، ولأن المعنى المستخرج من هذا الجمع يأتي بمعنى “إدراكه” لذلك تأتي القراءة بمعنى القرآن أيضا. ليس للقرآن صيغة جمع، فهي تستخدم في المفرد والجمع، لهذا السبب يمكننا أن نعطي معنى “قرآنات”.

مصدر القرآن هو أم الكتاب الذي في اللوح المحفوظ، يقول الله تعالى:

{إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ . فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ . لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ . تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ} (الواقعة، 56/77-80)

السور هي مجموعة الآيات الثنائية، ويقال لكل واحدة منها القرآن أيضا. قال الله تعالى:

{وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ} (الحجر، 15/87)

ومجموعة الآيات داخل كل سورة تسمى قرآنا أيضا، على سبيل المثال فإن الآيات الأولى النازلة التي شكلت مجموعة داخل سورة قد سميت قرآنا أيضا، وهذه الآيات قوله تعالى:

{شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} (البقرة، 2/185)

هناك مجموعات من الآيات غير الموجودة في مكان واحد، وهذه تتشكل بإحضار الآيات من أماكن مختلفة وجمعها بحسب منهج المتشابه والمثاني. يقول الله تعالى:

{وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا} (الإسراء، 17/106)

المكث يعني الانتظار. عندما كان تنزل الآية على رسول الله كان ينتظر الآية أو الآيات الأخرى التي تفصلها. وهذا يظهر أنه من الممكن عدم نزول مجموعة الآيات في آن واحد. الآية التالية تأتي بالتوضيح:

{وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا} (طه، 20/114)

باستخدام الأرقام من صفر إلى تسعة يمكن الوصول إلى جميع الهواتف. كل نمرة هاتف (تلفون) تمثل مجموعة من الأرقام. إذا كُتب واحدٌ من الأرقام خطئا فلا يوصل إلى الهاتف المرام، وهكذا فإن تفسير أي شيء في القرآن يشبه ذلك، إذا لم تُجمع كل الآيات المتعلقة بموضوع ما فإنه لا يتم الوصول إلى التفسير الصحيح. لهذا السبب ينبغي على العلماء المهتمين أن لا يتعجلوا، فبدون أن يتشكل التصور الكلي للمسألة وإحاطة المعنى العام من خلال دراسة جميع الآيات المتعلقة لا يصح أن يحكموا في الأمر. حينئذ سيرون أنه لا وجود لفرع علمي واحد ليس بحاجة إلى القرآن الكريم.

نبينا صلى الله عليه وسلم هو الرسول الذي بلغنا القرآن كما أنه المعلم الذي علمنا إياه. وجبريل هو الرسول الذي بُعث إلى نبينا كما أنه معلمه أيضا، فقد تعلم القرآن وكيفية استخراج الحكم منه، وأحاديثه صلى الله عليه وسلم أي سنته هكذا تشكلت. لهذا السبب يوجد تكامل تام بين القرآن والسنة. إذا اتبع العلماء علم أصول تفسير القرآن سيرون هذا التكامل بسهولة، كما يمكنهم اكتشاف الأخطاء التي أُلحقت بالأحاديث وإخراجها.

الآية التي تلخص كامل الموضوع هي قوله تعالى:

{هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ} (آل عمران، 3/7)

الآية المحكمة هي الآية الأصلية التي تحتوي حكما في موضوع ما. تقريبا كل آية لها مثل هذا الاتجاه، ثم بالآيات المتشابهة يتضح الحكم، المتشابه يكون بالتشابه بين الكلمات أو المعاني.

التشابه يعني اشتراك الطرفين في السمات، وهذا العلم أيضا يفيد التشابه المتقابل بين الآيات التي يفسر بعضها بعضا.

التأويل يعني توجيه شيء إلى هدفه الأصلي. هدف الآية المتشابهة هو الآية المحكمة التي هي الأم لمجموعة معينة من الآيات، من هنا نفهم أن التأويل هو ربط الآية أو الآيات المتشابهة بالآية المحكمة. الذي أقام الروابط بين هذه الآيات هو الله تعالى. وواجب الناس تشكيل فريق مكون من المتقنين للعربية ولعلم التفسير والموضوع المتعلق به وأن يعملوا جاهدين على إظهار تلك الروابط والصلات التي وضعها الله تعالى بين الآيات.

المثاني تعني الثنائية، وهي تشير إلى النظام الثنائي المكون من المحكم والمتشابه. يقول الله تعالى:

{اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاء وَمَن يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} (الزمر، 39/23)

نخلص إلى ما يلي: للوصول إلى تفسير الله تعالى لا بد أن يجد فريق من الخبراء الآية الرئيسية (المحكمة) المتعلقة بموضوع معين ثم البحث عن الآيات ذات الاتجاه المشترك (المتشابهة) واكتشاف الروابط والصلات بينها. إن الإصرار على منهج غير منهج القرآن في التفسير يعني الدخول في طريق لا يقبله الله تعالى.

القرآن يحوي كل الآيات التي أنزلها الله تعالى منذ نوح عليه السلام. وعلم تفسير القرآن كان موجودا في تلك الكتب أيضا. وأخطاء السابقين في عدم تفسير الكتاب بالكتاب وقع بها المسلمون أيضا عندما تركوا منهج تفسير القرآن بالقرآن. يقول الله تعالى:

{شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ .وَما تَفَرَّقُوا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ} (الشورى، 42/13-14)

وفقا للآيات فإن الابتعاد عن علم تفسير القرآن  كما بينه الله في كتابه كان السبب في افتراق المسلمين وصراعهم على السلطة الذي ظهر أثره انقساما مزمنا عاشه المسلمون دهورا طويلة وما زالوا. إن الذين ابتعدوا عن هذا العلم ودخلوا في موقع لا يمكنهم حل المشكلات قد سقطوا مرتين؛ الأولى: عندما لم يستطيعوا اعتبار القرآن كتابا مفصلا، أي يفسر بعضُه بعضا، والثانية: عندما حاولوا ملئ الفراغ الذي نتج عن ترك علم تفسير الكتاب بإيجاد مصادر تشريعية أخرى كالسنة والإجماع والقياس آخذين قبسا من بعض الآيات فاصلين إياه عن سياقه كدليل على تلك المصادر التشريعية المبتدعة. بحسب الآيات السابقة فإن الحالة ليست خاصة بأمة محمد صلى الله عليه وسلم، وإنما حصل الأمر ذاته في الأمم السابقة.

كان نتيجة جهودنا منذ 40 سنة تقريبا والاجتماعات العلمية التي لا أستطيع إحصاءها أن وفقنا الله تعالى للوصول إلى هذا العلم المنسي، وتلك نتيجة حتمية كما وعد الله تعالى بقوله:

{وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} (العنكبوت، 29/69)

إذا انطلق المسلمون في فهم الدين والحياة وفقا لمنهج تفسير القرآن فلن تبقى هناك أي مشكلة بدون حل. والآن لنحاول فهم مسألة النشوز والضرب بتطبيق هذا المنهج.

ب_ النشوز في القرآن الكريم

يأتي النشوز في اللغة بمعنى القيام بهدوء من المجلس حين إرادة المغادرة. علم تفسير القرآن يعطي إمكانية استخدام القرآن كمعجم لغوي. هذا المعنى المعطى لكلمة النشوز سنحاول أن نثبت موافقته لمنهج القرآن وللأصل اللغوي للكلمة من خلال الآيات التي مرت بها الكلمات المشتقة من النشوز.

1_ نشوز العظام

في الآية التالية جاءت الكلمة بصيغة المتكلم (ننشز) وهي فعل متعدي، وقد استخدمت بمعنى رفع الشيء من موضعه. قال الله تعالى :

{أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىَ يُحْيِـي هَـَذِهِ اللّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (البقرة، 2/259)

2_ النشوز من المجلس

النشوز في الآية التالية استخدم بمعنى القيام من المجلس بغية المغادرة:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} (المجادلة، 58/11)

إذا قيل في اجتماعٍ ما كلمة “انشزوا” فإنها تأتي بمعنى انهضوا وانصرفوا، وهذا يتوافق مع المعنى اللغوي للكلمة موافقة تامة.

3_ نشوز الرجل

نشوز الرجل هو قراره الافتراق عن زوجته. والآية التي تشير إلى ما يمكن أن تفعله المرأة في مثل هذه الحالة هي قوله تعالى:

{وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} (النساء، 128)

إرادة زوجها الافتراق عنها يزعجُها. يروى عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنها قالت: هذه الآية نزلت بناء على طلب المرأة التي مكثت عند زوجها مدة طويلة وأراد زوجها أن يطلقها، وقد قالت له “لا تطلقني، ابقني الى جانبك، دون أن تكون مسؤولا عني”

عروة بن الزبير تحدّثَ عمّا قالته خالتُه عائشة كما يلي: ولقد قالت سودة بنت زمعة حين أسنت وخافت أن يفارقها رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا رسول الله يومي لعائشة ، فقبل ذلك منها ، ففيها وأشباهها نزلت وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا الآية.

وهاتان الآيتان متعلقتان بموضوع نشوز الرجل أيضا:

{وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِن تُصْلِحُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا. وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللّهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ وَكَانَ اللّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا} (النساء، 129-130)

4_ نشوز المرأة

كما أقرَّ القرآن حقَّ الرجل في طلاق زوجته أقر حقّ المرأة بالافتراق عن زوجها (الافتداء) ، فكان معنى النشوز قرارها الافتراق عن زوجها. وفي هذه الحالة فإن الآية التي تشرح مبادئ معاملة الزوج لزوجته هي الآية 34 من سورة النساء:

{وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً}  (النساء، 4/34).

كانت امرأة قد نشزت من زوجها وقد ذهبا سويا إلى القاضي شريح، فطلب أن يرسل حكما من طرف الرجل وحكما آخر من أهل المرأة. جاء الحكمان واستقصيا حال الزوجين وبلغا شريحا بأن يفرقهما. وهذا الرأي لم يعجب الزوج، قال شريح: ” فَفِيمَ كُنَّا فِيهِ الْيَوْمَ وَأَجَازَ أَمْرَهُمَا”[1] وقضى برأي الحكمين.

وقد تصرف القاضي شريح في مسألة نشوز المرأة بحسب الآية التالية:

{وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا} (النساء، 34)

النشوز التي وضحته الآيات لا علاقة له بالعصيان أو التمرد.

ج_ الضرب في القرآن

كما رأينا سابقا فإن كلمة الضرب تستخدم في كل شيء تقريبا، وهي بمعنى وضع الشيء على الشيء أو تثبيته عليه. وإليكم بعض معاني كلمة ضرب التي وردت في القرآن:

1_ الضرب بالمعنى الشائع (اللطم والصفع وما شابه)

يُعطى الضرب معنى الإيذاء الجسدي إذا استخدم في توصيفات من قبيل الركل والصفع واللطم والجلد بالعصا أو بالسوط وما يشابه ذلك من صور الإيذاء الجسدي. وفي وصف وفاة الذين كفروا يقول الله تعالى:

{وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ} (الأنفال، 10/ 50)

2_ الضرب بمعنى القتل

ضرب شخص بآلة قاتلة فإنها تقتله. قال الله تعالى:

{فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا} (محمد، 47/4)

3_ ضرب المثال

الضرب يستخدم أيضا في إعطاء المثال، لأن المثال يعطى لتثبيت موضوعٍ ما في العقل، ومن الآيات المتعلقة بالموضوع قوله تعالى:

{أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء} (إبراهيم، 14/24)

4_ الضرب بمعنى المشي

لا يمكن المشي دون تثبيت الرجل على الأرض، لهذا السبب يستخدم الضرب بمعنى المشي أيضا. ومن ذلك قوله تعالى:

{وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُواْ لَكُمْ عَدُوًّا مُّبِينًا} (النساء، 4/101)

5_ الضرب بمعنى الستر

الستر هو تثبيت شيء على شيء . ومنه قوله تعالى:

{ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُواْ} (آل عمران، 3/112)

في كل مكان هم أذلاء كأن الذلة تلفهم كالستارة بحيث لا يمكنهم التخلص منها.

كلمة الضرب تستخدم أيضا في تثبيت الخمار على الرأس والرقبة، كما في قوله تعالى:

{وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ …} (النور، 24/31)

وقد جاء في حق أصحاب الكهف الذين ناموا في كهفهم 309 سنوات التعبير التالي:

{فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ} (الكهف، 18/11)

يفسر الزمخشري هذه الآية بقوله: “ضربنا على آذانهم ستارة”.

بسبب تلك “الستارة” لم يستطيعوا أن يسمعوا الأصوات الداخلة من الخارج.

6_ ضرب المرأة

في الآية 34 من سورة النساء ورد ثلاثة أوامر ونهي واحد بشكل متتالٍ كما يلي:

{وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً}  (النساء، 4/34)

ضرب المرأة هل يعني إيذاؤها جسديا باللطم وغيره؟ أم إبقاؤها في مكانها أي عدم إخراجها من بيتها؟ لنفهم هذا جيدا تعالوا لنرى الآيات المتعلقة بالموضوع قسما قسما:

{وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ}

لأن النشوز هنا هو “قرار الافتراق” فما يجب على الزوج الذي يخاف من نشوز زوجته هو أن يتحدث إليها. لهذا كان الأمر الأول هو:

فعظوهن؛ أي قولوا لهن قولا حسنا

الوعظ: هو التوجه بالأقوال الحسنة بهدف توجيه سلوك المقابل نحو الأحسن وذلك في مواضيع تسبب له الإزعاج القلبي. الرجل يحاول إقناع زوجته الراغبة بالافتراق عنه بالكلام الجميل.

إذا أصرت المرأة على قرارها بالانفصال، فعلى الزوج أن يمتنع عن مجامعتها مع إظهار احترامه لقرارها. والأمر الثاني في الآية متعلق بذلك.

د_ {وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ}

هجر الزوج لفراش زوجته يوفر إمكانية أن تراجع قرارها كما يمنع إمكانية حملها في الوقت الذي ترغب فيه الافتراق عن زوجها. في هذه المدة لا يمكن للزوج إخراجها من البيت، والأمر بالضرب متعلق بهذا.

هـ_ {وَاضْرِبُوهُنَّ}

ولأن الضرب يأتي بمعنى وضع الشيء على الشيء وتثبيته عليه، فالكلمة هنا لا بد أن يُعطى لها معنى إبقاء الرجل امرأته في بيتها وذلك بعد هجره لفراشها. لأنه لا يتحقق تخلي المرأة عن حقها في استخدام صلاحيتها في الافتراق إلا بإرادتها الحرة. يشير إلى هذا القسمُ التالي من الآية:

و_ {فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً}

الطاعة في العربية تعني: قبول شيء من القلب وتنفيذه، وضدها الإكراه، وفعل شيء نتيجة الضرب (بمعنى الإيذاء الجسدي) يعني القيام به تحت الإكراه. وقوله تعالى “فإن أطعنكم” بعد قوله “واضربوهن” يمنع إمكانية إعطاء الضرب معنى الإيذاء الجسدي. والمعنى الوحيد الذي يمكن أن يعطى لهذه الكلمة هو عدم إخراج المرأة التي تريد الافتراق (الناشز) من بيتها قبل البتِّ في قضيتها.

يوجد أوجه شبه وأوجه اختلاف بين طلاق الرجل وبين افتداء المرأة. والآية التي تشير إلى ذلك هي قوله تعالى

{وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} (البقرة، 2/228)

في كلا الطلاقين لا يُترك البيت، لكن يُفصل بينهما في المضاجع (عدم المجامعة). الآية المتعلقة بالمرأة التي طلقها زوجها هي قوله تعالى:

{وَٱلْمُطَلَّقَاٰتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثلاثة قُرُوءٍ} (البقرة، 2/228)

تربص المرأة بنفسها يعني عدم اجتماعها مع زوجها في فراش واحد، والآية المتعلقة بعدم ترك البيت هي قوله تعالى:

{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذٰلِكَ أَمْرًا} (الطلاق، 65/1)

العدة هي المدة التي يجب أن تنتظر فيها المرأة التي طلقها زوجها حتى يتأكد الطلاق، وعدة المرأة الحائض هي ثلاثة أطهار[2] ، والآيس (التي انقطع حيضها بسبب تقدم السن) أو التي لا تحيض لسبب ما، أو ممتدة الطهر من النساء فعدتهن ثلاثة أشهر ، وعدة الحامل وضع الحمل[3].

لا توجد عدة في افتراق المرأة، لكن عند علم الرجل برغبة امرأته بالافتراق عنه يهجر فراشها وينتظر كأنه في العدة.

في كلا الطلاقين[4] حق المُطلق في التراجع مكفول. الكلام الجميل الذي يقوله الزوج لزوجته عندما يكتشف نشوزها _أي قرارها بالافتراق_ هو لأجل أن يجعلها تتراجع عن قرارها. في حال قبول المرأة من قلبها هذا الطلب فكل شيء سيعود إلى حالته القديمة.

إذا صدر الطلاق من الرجل فله حق إرجاع زوجته حتى انتهاء عدتها بشرط حسن النية. الآية المتعلقة بهذا الموضوع هي قوله تعالى:

{وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذٰلِكَ إِنْ أَرَادُواْ إِصْلاَحًا} (البقرة، 228)

إذا لم يرجع الرجل زوجته أثناء العدة فإن الزواج ينتهي. وهذه واحدة من الآيات ذات الصلة:

{فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا} (الطلاق، 65/2)

في حال إصرار المرأة على قرارها بالافتراق فإن الشيء الذي يمكن فعله قد وُضِّح في الآية 35 من سورة النساء:

ز_ {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا} (النساء، 4/35)

حتى لا يتم استغلال المرأة بسبب طبيعتها اللطيفة فإن زواجها من الرجل أو افتراقها عنه قد جعل تحت المراقبة والمتابعة. واختيار الحكمين من العائلة أمر مهم أيضا؛ لأنهم أكثر الناس معرفة بالزوجين.

وفقا للقرآن يمكن أن تنبع المشكلة من هذين السببين:

1_ يمكن أن يكون الزوج قد رأى زوجته في علاقة جنسية مع رجل آخر. إن كان في وضع يمكِّنه من إثبات تلك العلاقة بواسطة الشهود فله رفع القضية إلى المحكمة. إن لم يكن في وضع يمكِّنه من إثبات إدعائه فبإمكانه اللجوء إلى المحكمة أيضا وإنهاء الزوجية بواسطة اللعان.

إذا أراد الزوج الافتراق عن زوجته دون تلطيخ سمعتها فله إجبارها على الافتداء. الآية المتعلقة بهذا قوله تعالى:

{وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ} (النساء، 4/19)

2_ في بعض الحالات قد يلجأ بعض الرجال إلى إلصاق تهمة الزنا بزوجته جزافا ليضغط عليها فترد عليه ما أخذت منه ليتمكن من الزواج من امرأة أخرى. والآية المتعلقة بهذا هي قوله تعالى:

{وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً. وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا} (النساء، 4/20_21)

الحكام الذين يعرفون أحوال الزوجين عن كثب لا بد أن يضعوا نصب أعينهم جميع الحالات والاحتمالات أثناء الإصلاح.

ح_ {إِن يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا} (النساء، 4/35)

ذكر المفسرون أن الضمير في قوله تعالى “يريدا” يعود على الحكمين. ولأن المهمة الأصلية للحكمين هي الإصلاح صار من المستحيل قبول هذا التفسير. والصحيح أنه يعود على الزوجين المتخاصمين حيث يمكن تصور أنهما يريدان الإصلاح أو لا يريدانه.

ك_ إعطاء المرأة صلاحية الافتداء/ الافتراق

إذا توصل الحكمان أنه لا بد من الافتراق فإن الجهات المختصة تعطي المرأة حق الافتداء/ الافتراق. نعلم هذا من الآية التالية:

{وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آَتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} (البقرة، 2/229)

وقوله تعالى “مما آتيتوهن” قد يأتي بمعنى كل المال الذي أعطاه الزوج لزوجته، كما يأتي بمعنى بعض هذا المال. والجهات المختصة تقضي في هذا الموضوع بما رآه الحكمان أيضا.

إذا أعطى الحكمان قرارهما وفقا للآية 19 من سورة النساء بزنا الزوجة فيجب عليهما أن يقولا بضرورة إعادتها  كل المال الذي أخذته من زوجها.

وقد تكون المرأة غير مذنبة لكن زوجها يمارس عليها الضغوط لأنه يريد الزواج من امرأة أخرى، وفي مثل هذا الحال قد تصبح المرأة راغبة عنه أيضا، وبحسب الآيتين 20 و 21 من سورة النساء فإنه في مثل هذه الحالة ليس من حق الزوج أن يأخذ شيئا حتى المقدار البسيط.

قال الله تعالى: {وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا. وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا} (النساء، 20_21)

إذا لم يكن الزوج مذنبا تعطيه زوجته كل ما أخذته منه. وفيما يتعلق بالموضوع ما حدث في زمن نبينا حيث جاءت امرأة من الأنصار تدعى حبيبة ابنة سهل وقد أرادت الافتراق عن زوجها ثابت بن قيس حيث قالت: والله ما أعتب على ثابت في دين، ولا خلق، ولكني أكره الكفر في الإسلام، لا أطيقه بغضا، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «أتردين عليه حديقته؟» قالت: نعم، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأخذ منها حديقته، ولا يزداد. وفي رواية لأبي داوود (خُذْهُمَا وَفَارِقْهَا)[5] وفي رواية أخرى زيادة (وَجَلَسَتْ فِي بَيْتِ أَهْلِهَا)[6]

كما يُرى فإن الأمر “واضربوهن” الموجه للرجال بخصوص زوجاتهم اللواتي يردن الانفصال عنهم جاء بمعنى إبقاؤهن في البيوت، ولا علاقة لهذا الأمر بالضرب بمعنى الإيذاء الجسدي.

ل_ الضرب في الأحاديث

عبارة “واضربوهن ضربا غير مبرح” التي تناقلتها الروايات وردت في الخطبة التي ألقاها نبينا في حجة الوداع. الرواية الوحيدة التي ترد  فيها كلمتي الضرب والنشوز في سياق واحد هي التالية:

“فاتقوا الله في النساء، فإنهن عندكم عوان، لا يملكن لأنفسهن شيئا، وإن لهن عليكم، ولكم عليهن حقا: أن لا يوطئن فرشكم أحدا غيركم، ولا يأذن في بيوتكم لأحد تكرهونه، فإن خفتم نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع، واضربوهن ضربا غير مبرح ولهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وإنما أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله ألا ومن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها”[7]

كلمة مبرح من البرح بمعنى الإزعاج أو الإحراج. وقول النبي “واضربوهن ضربا غير مبرح” معناه التالي: “أبقوهن هناك دون إحراجهن أو  إزعاجهن”.

1_ الروايات المتناقضة

يستخدم مصطلح “الحديث” للدلالة على أقوال نبينا وتطبيقاته. وفي العصر الثاني (أي عصر التابعين) ابتدئ استخدام مصطلح السنة بدلا من مصطلح الحديث. وفقا لما بين أيدينا من كتب التراث فإنه نتيجة لنسيان علم تفسير القرآن الكريم لم يُرَ حينئذٍ ما استخرجه النبي من القرآن حكمة[8]. الذين بدؤوا بكتابة الأحاديث بعد مدة طويلة من وفاة النبي اعتمدوا بشكل أساسي على أسانيد تلك الأحاديث التي هي عبارة عن سلسلة الرجال الذين تناقلوا الحديث، وقد كان مستوى الثقة بالأشخاص الذين نقلوا الرواية هو ما يحدد الحكم بصحة الرواية أو عدم صحتها. وهذا منهج إشكالي للغاية. وفي مسألة الثقة بالأشخاص هناك تحذير للنبي ورد في قوله تعالى:

{وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} (المنافقون، 63/4)

وكما أن المنافقين استطاعوا أن يحظوا بإعجاب النبي بما يصدر عنهم من الأقوال والأفعال، فإنه يمكن للمنافقين في كل زمان ومكان أن يجعلوا المسلمين معجبين بما يظهرونه من العلم والتصرفات الحسنة. إن الحكم على الرواية بالصحة نظرا لسلسلة السند يعطي الفرصة لنسبة الأقوال إلى النبي حتى لو كانت مخالفة تماما للقرآن، ولا شكّ أن المنافقين استفادوا من إمكانية ذلك.

إن الذين وصلوا إلى حالٍ من عدم القدرة على إيجاد الحلول من القرآن بسبب نسيان علم تفسيره قد بدؤوا بوضع السنة مقام القرآن. الإمام الشافعي (ت 204 هـ) عدّ في كتابه المشهور “الرسالة” أن السنة متساوية مع القرآن الكريم مستدلا على ذلك بآيات اقتطعها من سياقها وفصلها عن متشابهاتها. ويُدّعى أن التابعي يحيى بن كثير قد بالغ بأكثر من ذلك بقوله:

“السُّنَّةُ قَاضِيَةٌ عَلَى الْكِتَابِ وَلَيْسَ الْكِتَابُ قَاضِيًا عَلَى السُّنَّةِ”[9]

ويقال إن مكحولا (ت 112 هــ) وهو من فقهاء التابعين كان له نفس الرأي حيث نقل عنه هذا القول:

“الْقُرْآنُ أَحْوَجُ إِلَى السُّنَّةِ مِنَ السُّنَّةِ إِلَى الْقُرْآنِ”[10]

أخطر الأشخاص هم المنافقون الذين يظهرون بمظهر أهل العلم والدين. هؤلاء محترفون بتنسيب افتراءاتهم إلى الأنبياء والعلماء المخلصين. وقد حذرنا الله تعالى من أمثال هؤلاء بقوله:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ} (التوبة، 9/34)

هؤلاء الذين يفضلون الحياة الدنيا على الآخرة يتحدون مع النّفعيين لإسكات العلماء الربانيين، وهم باستخدامهم للآيات والأحاديث بطريقة خاطئة أو بتجاهلها تماما ينتهون إلى إمكانية تشكيل دين جديد لا علاقة له بدين الله الحق سوى بالمسمى. وإذا راجعنا كتب المذاهب والتفاسير على ضوء علم تفسير القرآن نفهم تأثير أصحاب العلم من المنافقين الذي أدى لتشكل دين جديد. ولا أدلّ على ذلك من اتفاقهم على إبطال حق المرأة في إيقاع الطلاق بإرادتها الحرة، وهذا واحد من أمثلة كثيرة.

يقال في المثل التركي “الشمعة تُستهلك قبل العشاء” وفي المثل العربي “حبل الكذب قصير” وبناء على ذلك فإنه ليس من الصعب استخراج التناقض من الروايات المتعلقة بضرب النساء. والرواية الأكثر شمولا والمتعلقة بموضوعنا ما زُعم أن نبينا قال:

“فَإِنْ فَعَلْنَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ”[11]

في هذه الرواية يظهر أنه تم أخذ جملة من الآية 34 من سورة النساء مضافا إليها ما ليس منها لتصبح:

“فَإِنْ فَعَلْنَ فَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا”

التعبير الوارد في الآية “واللاتي تخافون نشوزهن” وضع مكانه “فَإِنْ فَعَلْنَ” أي إذا أتين بفاحشة بينة. فما العلاقة التي يمكن أن تكون بين الخوف من نشوز النساء وبين إتيانهن الفاحشة!

أقصر روايات الحديث وردت كالتالي: “… ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم من لا تريدون. فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح”.

وهنا قد كُوِّنت جملة كاملة بأخذ كلمة واحدة (واضربوهن) من الآية.

وَإِنَّ لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِينَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ

هل يمكن للزوجة أن تجامع من لا يكرهه زوجها؟! وهل يمكن أن يقول النبي قولا يشير إلى ذلك؟ حاشاه. وهكذا لا يمكن أن تكون هذه الرواية إلا من وضع أحد المنافقين ونسبها إلى نبينا.

وقد أعطى المحدثون عبارة “فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ” معنى “فاضربوهن ضربا غير مؤلم”. يُدَّعى بأن قتادة (ت 117 ه) قال “ضربا لا يشوه مكانتها”. وروي عن الحسن البصري (ت 110) أنه قال “ضربا لا يترك أثرا”. وقد رأينا في الأعلى أن المعنى الصحيح هو “إبقاؤهن هناك بدون إحراجهن أو إزعاجهن”.

2_ اعتبار النساء إماء

في الروايات التي مرت أعلاه يقال إن نبينا قال فيما يتعلق بالنساء ما يلي:

“فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٍ”

كلمة عوان من عناية وهي جمع عانية. والعانية بمعنى “المرأة التي تعتني بنفسها وتحافظ عليها”. لأن المرأة من الناحية الجنسية هدفها هو زوجها فقط لذا تحفط نفسها لأجله”. وكلمة itina (اعتناء) في اللغة التركية من ذات المصدر أيضا وتفيد ذات المعنى. هذه الكلمة توفر لنا الفرصة لنفهم المعنى الصحيح لهذا القسم من الآية التالية: {فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ}.

لم يقبل المحدثون كون كلمة عانية من “العناية”، بل قالوا إنها مشتقة من “العنو”. والعنو يأتي بمعنى وضع اليد على الشيء بالإجبار. ولو سلمنا لهم بذلك لوجب أن تكون العانية ليست الأسيرة وإنما الآسرة. وقد وردت هذه الكلمة في الحديث كما يلي:

“أنَا وَارِثُ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ، أَفُكُّ عَانِيَهُ، وَأَرِثُ مَالَهُ”[12]

نبينا بصفته رئيسا للدولة فإنه يرث مال من لا وارث له. ولأن الدّين يجعل المدين كأنه أسيرٌ لدائنه لذلك التزم النبي بسداد دين الميت أولا. وهذا أمر الآية المتعلقة بتوزيع الميراث:

{مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ} (النساء، 4/11)

وقبولنا نسبة هذا القول إلى نبينا لأنه متوافق مع الآية.

إذا كانت كلمة العانية الواردة في رواية “ضرب النساء” بنفس معنى العانية التي وردت في رواية “فكاك العاني” فلا بد أن يكون معنى “فإنهن عندكم عوان” كالتالي:

“فإنهن عندكم آسراتكم”

لأن كلمة “عوان” جمع لاسم الفاعل، وهو يشير إلى الشخص الذي يقوم بالفعل. ولأن هذا المعنى لم يسعف مرادهم حرّفوه وأعطوه معنى اسم المفعول؛ أي الشخص الذي وقع عليه الفعل. وبعد أن أقحموا هذا المعنى المحرّف حتى في المعاجم اللغوية ادعوا بأن نبينا قد قال:

“فإنهن عندكم أسيرات”

هذا المعنى مفسد للتناسق العام في الحديث كما أنه مخالف للقرآن. يقول الله تعالى:

{وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} (البقرة، 2/228)

ولأنه لا يمكن تصور تكافؤ العبد مع سيده فكذلك لا يمكن تصور أن تكون الزوجة الحرة أسيرة عند زوجها، لأن كليهما حرٌ، وهذا يقتضي تكافؤهما. إذا اعتبرنا الزوجة أسيرة عند زوجها فإن الجملة التالية الواردة في الروايات لن يبقى لها معنى:

“ليس تملكون منهن شيئا غير ذلك”[13]

كيف يكون الشخص سيدا لعبده مع نقصان سيادته عليه، وكيف يُنسب هذا القول لنبينا؟!

النتيجة

السبب الرئيسي لمثل هذه الأخطاء المرتكبة في كل المواضيع تقريبا لا بد أن يكون نسيان علم تفسير القرآن الكريم. ولا أدلّ على ذلك من تجاهلهم الانسجام الداخلي في الآية 34 من سورة النساء عند الاحتجاج بها على ضرب النساء، وكذلك إغفالهم الآيات الأخرى المتعلقة بالموضوع. ومن إحدى النتائج المؤلمة لهذا المنهج عدم وجود مذهب واحد يقبل طلاق المرأة بإرادتها الحرة من طرف واحد.

يمكن الاتفاق على ذات الصواب، لكنه يتعذر الاتفاق على الخطأ نفسه دون تدخل خارجي. وكما في موضوعات أخرى فإن اتفاق المذاهب في هذا الموضوع على نفس الخطأ لا يمكن أن يتحقق دون تدخل خارجي. ولا يمكن حصول هذا التدخل الخارجي إذا أخذنا بعين الاعتبار اختلاف الأزمنة والأمكنة لمؤسسي المذاهب. ربما يكون قد حصل تدخل مباشر في كتب المذاهب والتفاسير، وإلا كيف نتصور الاتفاق على الأخطاء بهذا القدر.

ولأن هذه المداخلة شملت الكتب جميعها فإن تثبيت الأخطاء وتصحيحها يحتاج إلى بذل جهود كبيرة والتحلي بالصبر. ولأننا لم ننج سابقا من تأثير تلك المداخلات التخريبية فقد توصلنا في دراسة سابقة لهذه المسألة إلى النتيجة التالية:

“الزوجة التي جاءت بفاحشة مبينة (الزنا) فإن لزوجها الحق في هجرها وضربها (أي إيذائها جسديا)”

استمرار بحثنا في ظلال علم تفسير القرآن أوصلنا إلى النتائج الواردة أعلاه.

والله وحده الموفق والهادي إلى سواء السبيل.

وقف السليمانية/ مركز بحوث الدين والفطرة

الموقع: حبل الله www.hablullah.com


[1] السنن الكبرى للبيهقي (7/ 500)

[2] انظر (البقرة، 2/228)

[3] انظر (الطلاق، 56/4)

[4] الطلاق حق للرجل في الافتراق عن زوجته، أما الافتداء فهو حق المرأة في الافتراق عن زوجها، وسميناه طلاقا لأنه في معناه ، أما في الاصطلاح الشرعي فقد سماه الله تعالى افتداء بقوله تعالى {فلا جناح عليهما فيما افتدت به} (البقرة، 2/229)

[5] سنن أبي داوود (2228)

[6] سنن النسائي (3462) , سنن أبي داوود (2227) , الحاكم (27484)

[7] مسند أحمد، حديث عم أبي حرة الرقاشي، 20695

[8] ذلك أن الله أنزل على نبيه الكتاب والحكمة (انظر النساء، 4/113)، فالكتاب هو مجموع السور والآيات في القرآن، وأما الحكمة في الأحكام الصحيحة المستخرجة منه، كما أنها المواعظ والعلوم المستفادة من إيجاد الروابط والمناسبات بين الآيات. وقد ظهرت الحكمة في أقوال نبينا وتطبيقاته في المجالات المختلفة، لذا لا بد أن تكون أحاديثه معبرة عن مقتضى الحكمة في الكتاب. لكن التراث فصل بين الحديث والقرآن فقد جعل الحديث وحيا مستقلا عن وحي الكتاب فكان ذلك سببا في ايجاد مداخل كثيرة للوضع والكذب على نبينا لأنه لم يعد القرآن حكما على الأحاديث بل السند وحده هو الذي يحدد صحة الحديث أو ضعفه. للمزيد حول هذا الموضوع انظر مقالتنا (مفهوم الحكمة عند الامام الشافعي) على الرابط التالي http://www.hablullah.com/?p=1900

[9] الإبانة الكبرى لابن بطة، باب ذكر ما جاءت به السنة من طاعة 88، 1/253

[10] الكفاية في علم الرواية، للخطيب، باب تخصيص السنن لعموم حكم، 1/14، والسنة للمروزي، 104، 1/33

[11] صحيح مسلم، باب حجة الوداع، 147 – (1218)

[12]  سنن أبي داوود، ميراث ذوي الأرحام، 2901 ومتن الحديث كاملا كما يلي: حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ عَتِيقٍ الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُبَارَكِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ حُجْرٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ يَحْيَى بْنِ الْمِقْدَامِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «أَنَا وَارِثُ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ، أَفُكُّ عَانِيَهُ، وَأَرِثُ مَالَهُ، وَالْخَالُ وَارِثُ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ، يَفُكُّ عَانِيَهُ وَيَرِثُ مَالَهُ»

[13] وردت هذه العبارة في بعض روايات حديث خطبة الوداع. كما أخرجه الترمذي (1197) و (3341)، والنسائي في “الكبرى” (9124) من طريق حسين بن علي الجعفي، بهذا الإسناد. وقال الترمذي: حسن صحيح. وابن ماجة، (1851) وهو في “مسند أحمد” (15507)

Facebook'ta PaylaşTwitter'da Paylaş

تعليقك على الموضوع  
التعليق *
* ضرورة إدخال هذا الحقل باللغة العربية

شوهد 932 مرة/مرات
الموضوعات ذات الصلة بهذا الموضوع