هوية عزير عليه السلام

هوية عزير عليه السلام

أ.د عبد العزيز بايندر

ورد ذكر عزير في الآية 30 من سورة التوبة، وظلت هويته محل نقاش بين العلماء، كما برز تساؤل إن كان اليهود يقولون أنه ابن الله أم لا؟

ولا يوجد بيان واضحٌ في الآية على كونه نبياً، وسبب عدم وصول المسلمين في مثل هذه المناقشات إلى نتائج نهائية هو نسيان أصول اكتشاف الحكمة، لذا ينبغي لاكتشافها تأسيس فريقٍ يقوم بجمع الآيات المتشابهة المتعلقة بالموضوع، ولأن المسألة متعلقة بما ورد ذكره في الكتب السابقة فلا بد من جمع البيانات منها وتمحيصها إلى جانب الآيات القرآنية ذات الصلة، وبذلك تتكون الصورة الكاملة للموضوع وتظهر التفاصيل التي نستطيع من خلالها الوصول إلى القول الحق.

موضوعنا له علاقة وثيقة بالأحداث التالية: هدم بيت المقدس، ونفي اليهود إلى بابل، والعودة إلى القدس وبناء بيت المقدس من جديد. وفي هذه المقالة سنحاول قراءة الآيات المتعلقة بالموضوع بالإضافة إلى تمحيص المقاطع المتعلقة من سفري عزرا ونحميا من التوراة ثم نجري التقييمات اللازمة للوصول الى النتيجة المأمولة.

أ_ هدم بيت المقدس

تمَّ هدمُ بيت المقدس مرتين، وقد أُعيد بناؤه بعد هدمه في المرة الأولى، لكنه لم يُعد بناؤه بعد الهدم الثاني، وفي هذا يقول الله تعالى:

{وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا. فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا. ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا. إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا} (الإسراء، 4_7)

والمسجد المذكور في الآية هو بيت المقدس، وقد أمر ببنائه النبي سليمان عليه السلام حوالي 960 (ق م)، وقد بقي المسجد قائما حتى 586 (ق م) حين غزا المدينة نبوخذ نصر ملك بابل في العراق الذي هدم المدينة وبيت المقدس ثم سبى مَن بقي حيا من اليهود واقتادهم إلى بابل فيما سُمّيَ تاريخيا بالنفي أو السبي البابلي. أما الهدم الثاني فقد تمَّ على يد القائد الروماني تيطوس عام 70 م[1] .

في العام 539 (ق م) احتل الملك الفارسي كورش مدينة بابل، وكان ذلك في السنة الأولى من حكمه حيث أعاد اليهود الذين سباهم نبوخذ نصر إلى مدينة القدس ليبنوها مرة أخرى (عزرا/1_3 )[2]، لكنهم لم يتمكنوا من بناء المسجد بسبب منع خليفة كورش الملك أَرْتَحْشَسْتَا الأول [3] إعادة بنائه، لكن أعيد بناؤه في السنة الثانية من حكم الملك داريوس (عزرا 24-11/4) الموافق لعام 515 (ق م)[4].

وقد كان عزير عليه السلام من ضمن أولئك الذين أعيدوا من المنفى إلى القدس، وكان هو النبي الذي جاء بالتوراة مجددا بعد فقدها أثناء النفي وقرأها على بني إسرائيل وعلَّمهم إياها من جديد.

ب_ نبوّة عزير (عزرا)

في السنة 539 (ق م) قام الملك كورش فاتح مدينة بابل بإرجاع اليهود الذين سباهم نبوخذ نصر إلى القدس من أجل إعادة بناء بيت المقدس، وكان ذلك في السنة الأولى من حكمه (عزرا، 1/1_3)، ومن ضمن العائدين كان هناك الكهان (عزرا، 2/ 2،36) ولا يحظى بلقب الكاهن سوى من كان من سلالة هارون عليه السلام حيث كان عزير (عزرا) واحدا منهم (عزرا، 7/1_6). منع الملك أَرْتَحْشَسْتَا الأوّل بناء المسجد، لكن تمّ بناؤه في عهد الملك داريوس في السنة الثانية من حكمه عام 515 (ق م) (عزرا24-11/4) الملك نحميا أعاد بناء القدس وهيكلة شعب يهوذا بدعمٍ من أَرْتَحْشَسْتَا الثاني 398-444 (ق م)

 وصل عزرا إلى القدس في الشهر الخامس من السنة السابعة من حكم الملك أَرْتَحْشَسْتَا الثاني 437 (ق م) (عزرا 7/8) وقد طلب الملكُ منه تطبيق أوامر الله (عزرا 14/7) لأنّه أتى بالتوراة التي ضاعت ونسيت أثناء التدمير والسبي وقرأها عليهم ووضّحها لهم، وكان هذا القدوم الثاني لعزير، أما قدومه الأوّل فكان بعد خروجه من بابل في عام 538 (ق م). ولو كان وصوله إلى القدس في عام 538 (ق م) فيكون بين قدومه الأوّل والثاني مائة سنة من الزمن، ولعدم توضيح ما فُعل في هذه المدّة أدّى لفتح باب الشبهات في حقّ عزير. نحميا أيضاً مثل عزير غادر بابل في السنة الأولى من حكم الملك كورش 538 (ق م) (عزرا 2/2)، وقد وصل إلى القدس 537 (ق م) على أبعد تقدير، ويقال أيضاً أن قدومه كان في عهد أَرْتَحْشَسْتَا الثاني في السنة العشرين من حكمه (نحميا 20-1/2) يعني في عام 424 ق م، ولا يفهم الفرق بين التاريخين الذي هو مائة وأربعة عشر عاماً، وتخبرنا الآية بأنّ أهل الكتاب يخفون بعض المعلومات :

{يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ} (المائدة، 5/15)

وبحسب هذه الآية يمكننا كشف ما أخفوه مستعينين بالقرآن الكريم: {وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ} (يونس، 10/ 37)

عزير من سلالة هارون (عزرا 6/1_7) وبالتفكّر في الآية 84 من سورة الأنعام وما بعدها من الآيات يُفهم إمكانيّة إرسال الأنبياء الذين أُعطوا الكتاب والحكمة من ذرّية هارون عليه السلام، ومن الطبيعي أن يكون عزير من هؤلاء الأنبياء، وسيأتى التوضيح في القسم الآتي:

ج- إعطاء الكتاب لعزير عليه السلام

ليكون عزير نبيّاً فلا بدّ أن يأتي بكتابٍ لأنّ الله تعالى عدّد أسماء ثمانية عشر نبياً مع هارون عليه السلام في الآية 83 من سورة الأنعام وما بعدها، ثمَّ أردف سبحانه قائلا:

{وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم} (الأنعام، 6/87)

فكلّ نبيٍّ ممّن روي بأنّ عددهم مائة وأربعةٌ وعشرون ألف نبيّ إمّا أن يكونوا من آباء أو من إخوان أو من ذرّية الثمانية عشر نبياً المذكورين في الآية، وبعد ذلك يقول الله تعالى :

{أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ} (الأنعام 6/89)  وهذا يقودنا إلى التفكّر في الآيات التالية المتعلّقة بالموضوع:

{إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا. وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} (النساء، 4/163-164)

إتيان عزرا بالتوراة إلى القدس يدلّ على كونه نبيّ الله، وينبغي أن يكون الكتاب الذي أُعطي له مثل الكتاب الذي أنزل على موسى عليه السلام لأنّ الله تعالى قال:

{شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاء وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ} (الشورى 42/13) في عرف وتقليد اليهود فإنّ عزيراً ليس نبيّاً ولكنه فوق درجة الأنبياء، وعلى رأي أحبار اليهود فإن التوراة لو لم تُعط لموسى من قبل لأُعطيت لعزرا، ولو يؤخذ بعين الاعتبار كونهم أخفوا كثيراً من الأشياء فليس من الصعب أن نفهم كون عزيرٍ نبيّاً وأن التوراة أُنزلت عليه من جديدٍ.

د- ذكرعزير (عزرا) في القرآن الكريم

ذُكر عزيز في القرآن الكريم مرة واحدة في الآية التالية:

{وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} (التوبة ،9/30)

وبحسب طريقة القرآن في شرح بعضه بعضا فإن الآية المحكمة في المسألة لا بد أن يكون هناك آية أو آيات أخرى تفصِّلها، وفي هذا يقول الله تعالى:

{الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِير. أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ} (هود، 11/ 1-2)

وإذا انطلقنا في فهم الموضوع من هذه الأصول سيظهر لنا أن الآية 259 من سورة البقرة وكذلك الآيات المتعلقة من سورة الإسراء تعطيان تفاصيل إضافية عن هوية عزير:

{أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (البقرة، 2/259).

هناك مشابهة كبيرة بين الآية السابقة وبين ما أوردته التوراة عن عزير، ويمكننا أن نورد هذا التشابه بالنقاط التالية:

1_ القرية الخاوية على عروشها

إذا قابلنا الآية 259 من سورة البقرة مع الآيات المتعلقة من سورة الإسراء فإنه من السهولة الفهم أن المكان المهدم الخاوي على عروشه هو القدس وأن المسجد الذي سيدخله الفاتحون هو مسجد بيت المقدس. والجدول التالي يوضح ذلك

 الآية 7 من سورة الإسراء المتعلقة بالموضوع

 الآية 259 من سورة البقرة تتحدث عما رآه الرجل

 وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَاعَلَوْا تَتْبِيرًا

 مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا

أرسل الملك كورش عزيرا عليه السلام لاعادة بناء بيت المقدس لذا كان الملك محل ثقته، لكن عزيرا اصطدم بمعارضة خليفة كورش؛ الملك أَرْتَحْشَسْتَا الأول، وقد دفعه ذلك إلى اليأس والقنوط من إعادة بناء المدينة وبيتها المقدس قائلا كما أورده القرآن الكريم: “قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا”؟

2- موت عزير ( عزرا ) وإحياؤه بعد مائة سنة

عندما وقع عزير رهينة اليأس أماته الله تعالى مئة عام ثم بعثه: {فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ}

إن المئة سنة المفقودة من تاريخ عزير عليه السلام قد أظهرت الآية 259 من سورة البقرة أنها الفترة التي قضاها ميتا إلى أن أحياه الله مرة أُخرى، وبذلك يتضح لنا على وجه اليقين ان عزرا المذكور في التوراة هو عزير الذي ورد ذكره في القرآن، وبذلك تنغلق الحلقة المفرغة حوله.

3- كون عزير (عزرا) معجزةً

هذه الآية تعلّمنا كون عزير عليه السلام مثل عيسى عليه السلام ذا شخصيّةٍ معجزوية. وليكون عزير معجزة فكان لا بد مِن وجود مَن يعرفونه حينما عاد إلى القدس بعد مائة عام ليشهدوا على معجزته، ونحميا الذي وظّف لبناء القدس هو أهمّ شخصٍ سيشهد على ذلك. وفي مصادرنا تُحكى حكاية متعلقة بعزير عليه السلام كما يلي: عن ابن عباس قالوا: لمّا أحيا الله عزيرا بعد ما أماته مائة سنة ركب حماره حتّى أتى محلّته فأنكره الناس وأنكر الناس وأنكر منازله، فانطلق على وهم منه حتّى أتى منزله فإذا بعجوز عمياء مقعدة قد أتى عليها مائة وعشرون سنة كانت أمة لهم فخرج عنهم عزير وهي بنت عشرين سنة كانت عرفته وكفلته فلما أصابها الكبر أصابها الزمانة فقال لها عزير: يا هذه أهذا منزل عزير؟

قالت: نعم هذا منزل عزير وبكت وقالت: ما رأيت أحدا من كذا وكذا سنة يذكر عزيرا وقد نسيه الناس، قال: فإنّي أنا عزير.

قالت: سبحان الله إنّ عزيرا قد فقدناه من مائة سنة فلم نسمع بذكره.

قال: فإنّي أنا عزير كان الله عزّ وجلّ أماتني مائة سنة ثم بعثني.

قالت: فإنّ عزيرا كان مستجاب الدعوة يدعو للمريض وصاحب البلاء بالعافية والشفاء، فادع الله حتّى يردّ عليّ بصري حتّى أراك فإنّ كنت عزيرا عرفتك، قال: فدعا ربّه ومسح يده على عينيها ففتحت وأخذ بيدها وقال: قومي بإذن الله، فأطلق الله عزّ وجلّ رجليها فقامت صحيحة بإذن الله كأنّها نشطت من عقال، فنظرت فقالت: أشهد إنّك عزير، فانطلقت إلى محلة بني إسرائيل وهم في أنديتهم ومجالسهم، وابن لعزير شيخ ابن مائة سنة وثمانية عشر سنة وبني بنيه شيوخ في المجلس فنادت: هذا عزير قد جاءكم، فكذّبوها.

فقالت: أنا فلانة مولاتكم[5] دعا لي ربّه عزّ وجلّ فردّ عليّ بصري وأطلق رجلي وزعم إنّ الله تعالى كان أماته مائة سنة ثم بعثه.

قال: فنهض الناس فأقبلوا إليه، فقال ابنه: كانت لأبي شامة سوداء مثل الهلال بين كتفيه، فكشف عن كتفيه فإذا هو عزير[6].

كان عزير مثل عيسى عليهما السلام ذا شخصيّة معجزويّةٍ، عيسى عليه السلام ولد من غير أبٍ وكان آيةً ومعجزةً للناس من هذه الجهة[7]، وعزير عليه السلام أماته الله تعالى مائة عام ثمّ أحياه وجعله للناس معجزةً[8]، ولم يستخدم وصف المعجزة في القرآن لأيّ إنسانٍ في غير هذين النّبيين.

هـ_ الادّعاء بأنّ عزيرا ابن الله

الآية التالية تورد هذا الادعاء:

{وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} (التوبة، 9/30)

ادعاء النصارى بأن المسيح ابن الله بالنظر لكونه خلق من دون أب يتساوق مع ادعاء اليهود قبلهم أن العزير ابن الله، والدافع لكلا الادعاءين أن كلا الرجلين معجزة بحد ذاته.

كما تدل عليه الآيتان التاليتان:

 الآية المتعلقة بالمسيح

 الآية المتعلقة بالعزير

 وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ

 وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ

الفرق الوحيد بين الجملتين هو استخدام ضمير المخاطب مع عزير (ولنجعلك) واستخدام ضمير الغائب بحق المسيح (ولنجعله).

القرآن الكريم مصدِّقٌ لما جاء في التوراة، والادعاء بأن عزيرا ابن الله لا يمكن أن يكون منصوصا عليه في التوراة كإقرار بذلك، وإنما أورد القرآن ادعاء اليهود أنهم أبناء الله تعالى، وهو ادعاء كاذب.

وفي ذلك يقول الله تعالى :

{وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاء اللّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ} (المائدة، 5/18)

وإدعاء اليهود بما تتضمنه عبارة (ابن الله) يمكن أن نجده في ترجمات التوراة الحالية، وإليك بعض الأمثلة:

“أَنَا قُلْتُ: إِنَّكُمْ آلِهَةٌ وَبَنُو الْعَلِيِّ كُلُّكُمْ. لكِنْ مِثْلَ النَّاسِ تَمُوتُونَ وَكَأَحَدِ الرُّؤَسَاءِ تَسْقُطُونَ” (المزامير، 82/6-7)

“فَتَقُولُ لِفِرْعَوْنَ: هكَذَا يَقُولُ الرَّبُّ: إِسْرَائِيلُ ابْنِي الْبِكْرُ. فَقُلْتُ لَكَ: أَطْلِقِ ابْنِي لِيَعْبُدَنِي، فَأَبَيْتَ أَنْ تُطْلِقَهُ. هَا أَنَا أَقْتُلُ ابْنَكَ الْبِكْرَ” (سفر الخروج، 4/22-23)

“هُوَ يَبْنِي بَيْتًا لاسْمِي، وَهُوَ يَكُونُ لِيَ ابْنًا، وَأَنَا لَهُ أَبًا وَأُثَبِّتُ كُرْسِيَّ مُلْكِهِ عَلَى إِسْرَائِيلَ إِلَى الأَبَدِ” (1 الاخبار، 22/10)

“وَقَالَ لِي: إِنَّ سُلَيْمَانَ ابْنَكَ هُوَ يَبْنِي بَيْتِي وَدِيَارِي، لأَنِّي اخْتَرْتُهُ لِي ابْنًا، وَأَنَا أَكُونُ لَهُ أَبًا، 7وَأُثَبِّتُ مَمْلَكَتَهُ إِلَى الأَبَدِ إِذَا تَشَدَّدَ لِلْعَمَلِ حَسَبَ وَصَايَايَ وَأَحْكَامِي كَهذَا الْيَوْمِ” (1 الاخبار، 28/6-7)

“إِنِّي أُخْبِرُ مِنْ جِهَةِ قَضَاءِ الرَّبِّ: قَالَ لِي: أَنْتَ ابْنِي، أَنَا الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ” (المزمور الثاني، 7)

“أَقُولُ لِلشَّمَالِ: أَعْطِ، وَلِلْجَنُوبِ: لاَ تَمْنَعْ. اِيتِ بِبَنِيَّ مِنْ بَعِيدٍ، وَبِبَنَاتِي مِنْ أَقْصَى الأَرْضِ” (سفر اشعياء، 43/6)

في النهاية نستطيع أن نقول التالي:

الذين قاموا بترجمة الكتاب المقدس بهذا الشكل فإنه من الطبيعي جدا أن يدَّعوا أن العزير ابن الله، لذا فالجدال في كونهم لم يدعوا ذلك لا طائل فيه.

وقف السليمانية/ مركز بحوث الدين والفطرة

الموقع: حبل الله www.hablullah.com


[1]  يوسف باسالال، الموسوعة اليهودية 1/109 اسطنبول 2001

[2]  اليهودية، أحمد غوتشا DİA

[3]  بحسب التوراة فإن اثنين من ملوك الفرس يحملون اسم أَرْتَحْشَسْتَا ، الأول منهما هو الذي منع اليهود الذين اعادهم كورش الى القدس من بناء بيت المقدس، لكن ربما بدأ البناء في السنة الثانية من حكم الملك داريوس. (سفر عزرا، 4/11) اليهودية، سليمة ليلى غورقان، DİA

[4]  اليهودية، سليمة ليلى غورقان، DİA

[5] أي خادمتكم، ومولى من كلمات الأضاد حيث تطلق على السيد والخادم

[6]  الكشف والبيان عن تفسير القرآن، الثعلبي، أبو إسحاق (المتوفى: 427هـ) دار إحياء التراث العربي، بيروت – لبنان الطبعة: الأولى 1422، هـ – 2002 م ، 2/249

[7] انظر سورة مريم 19/21

[8] انظر سورة البقرة 2/ 259

Facebook'ta PaylaşTwitter'da Paylaş

تعليقك على الموضوع  
التعليق *
* ضرورة إدخال هذا الحقل باللغة العربية

شوهد 955 مرة/مرات
الموضوعات ذات الصلة بهذا الموضوع