زواج الصِّغار

زواج الصِّغار

أ.د عبد العزيز بايندر

حدَّدَ الإسلام للزِّواج عهدا لا يصحُّ قبله، وهذا العهد هو البلوغ والرُّشد، فالبلوغ هو بداية النُّضوج الجنسيِّ المتمثِّل بالاحتلام مع الإنزال عند الذُّكور ونزول دم الحيض عند الإناث، أمّا الرُّشد فهو حالة من النُّضوج العقليِّ تمكِّن الشَّخص من تدبُّر أموره بنفسه.

لقد ذهب جمهور الفقهاء إلى أنَّه لا يوجد سنٌّ أدنى لصحَّة عقد النِّكاح، لذا يجوز عندهم لوليِّ الأمر أن يزوِّجَ الصَّغيرةَ أو الصَّغيرَ إذا غلب على ظنِّه تحقُّق المصلحة في ذلك[1]، حتى إن البعض صرَّح بجواز تزويج الرَّضيعة وأوردوا من التَّفصيلات ما يخجل العاقل من قوله أو حتى تصوره.

ونحن نرى أنّ زواج الصِّغار قبل البلوغ غير جائز، وأنّ البلوغ وحده لا يكفي لصحة عقد النِّكاح، بل يُشترط الرُّشد أيضا. ويختلف سنُّ الرُّشد بحسبِ الشَّخصِ نفسِه. ودليلنا على ما ذهبنا إليه القرآن والسنة والمعقول، حيث إنَّ النَّظر والتَّمعُّن في آيات القرآن الكريم لهو السَّبيل القويمُ للوصول إلى حكم الله عزَّ وجلَّ، وهو الكلام الفصل الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولا يضلُّ من اعتصم به، ولا يزيغ عنه إلا هالك. فتعالوا بنا نقرأ الآيةَ السَّادسة من سورة النِّساء ثمَّ الآيةَ الثانيةَ والثَّالثة من السُّورة نفسِها ليتبيَّن لنا بوضوح أنّ البلوغ والرُّشد شرطان في صحَّة النِّكاح.

قال الله تعالى «وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ …» (النساء، 6). وقوله تعالى {إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ} و {فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا} دليل على اشتراط البلوغ والرشد لصحة عقد النكاح. في هذه الآية يأمر الله تعالى أولياء اليتيم بدفع أمواله إليه بعد بلوغه واستئناس رشده، والآية الثانية من نفس السُّورة يأمر الله تعالى بإعطاء الأموال إلى اليتامى «وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ…» (النساء، 2) ولا يمكن فهم هذه الآية إلا مع لاحقتها حيث اشترطت الآية السَّادسة استئناس الرُّشد لدفع المال إليه، والأمرُ نفسُه يُقال عن اشتراط الرُّشد لصحَّة النِّكاح؛ لأنّ الله تعالى تحدّث في الآية الثالثة من السورة عن نكاح اليتمية، فلا يُفهم إلا الرَّاشدات منهنّ.

والآيات والأحاديث التَّالية تزيد الحُكمَ وضوحا:

1_ قال تعالى: «وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا» (النساء 21) فأيُّ ميثاق غليظ تأخذه الصَّغيرة؟ وأي ميثاقٍ غليظٍ يعطيه الصَّغير؟ أم أنّ القرآن الكريم يوجِّه الخطاب لمن هو ليس أهلا له؟! هذا مستحيل.

2_ قال تعالى «يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا» (النساء، 19) أوليس تزويجُ الصَّغيرةِ من قبيل هذا؟

3_ قال تعالى «وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ» (الروم، 21) وأيُّ سكن سيكون مع الصغيرة فاقدة الأهلية؟، والآية تشير بشكل واضح إلى الحكمة والهدف من الزَّواج، وهو السكن والإستقرار لا مجرد المتعة البهيميَّة. فسكنُ الزَّوج لا يحصل إلا مع راشدةٍ تقدِّرُ الحياةَ الزَّوجيَّة. فالزَّواج من القاصرة هو خروجٌ عن منطق الحكمة الإلهية والتي اقتضت أن يكون الزَّواج سكناً واستقرارا.

5- قال عليه الصلاة والسلام (لاَ تُنْكَحُ البِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ)[2] والصَّغيرة لا إذن لها، فاقتضى الإنتظار حتى يصبح إذنها معتبرا، ولا يتحقَّقُّ ذلك إلا برشدها. فإن قِيلَ أمرُها إلى وليِّها. قلنا إنّ تصرفَ الوليِّ منوطٌ بمصلحة الصَّغير أو الصَّغيرة، كالقيام بما يلزمهما من رعاية وحماية وتربية، وليس له مطلق التَّصرف فيهما كما يحبُّ ويشتهي، وإنكاحهما ليس ممَّا يدخل في اختصاص الوليِّ؛ لأنَّ قرار النِّكاح يملكه الشَّخصُ ذاتُه عند بلوغه ورشده كما دلَّت عليه الآيات من سورة النِّساء.

6- قال عليه الصلاة والسلام ( أيما امرأت نَكَحَت بغير إذن وليها فنكاحها باطل..)[3]  ووجه الدَّلالة في هذا الحديث أنّ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلم أسند فعل النِّكاح إلى المرأة، والنِّكاح عقد لا بدَّ فيه من الرِّضا وهو غير معتبر من الصَّغيرة فاشترط أن تكون راشدةً حتى يُعتبر رضاها.

7- الفطرة السَّليمة لا تقبل بزواج الصَّغيرة، ولا تستسيغه النُّفوس السَّويِّة، ولا يشتهي زواج الصَّغيرة إلا منحرف الفطرة شاذّ الطباع؛ إذ أنّ الله _ جلت قدرته _ جبل النُّفوس على حبِّ الإستئناس مع الشبيه والنَّظير، ولا يخفى أنّ زواج الكبير من الصغيرة أو العكس يخلو من مثل هذه المعاني.

8- الزَّواج مسؤوليَّة كبرى كلٌ تجاه صاحبه، إذ هو ليس لهواً ومجوناً، بل هو حياة مليئة بالتزام كلٍّ من الزَّوجين تجاه الآخر، والصِّغارُ لا يُكلَّفون بما هو أدنى من تبعات الزَّواج، فكيف يُكلفون به وهو فوق طاقتهم واستيعابهم.

تفنيد أدلة القائلين بجواز زواج الصِّغار

1_ احتجُّوا بقوله تعالى «وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ» (الطلاق 4) حيث قالوا إن قوله تعالى {وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ} دليل على جواز نكاح الصغيرة قبل بلوغها، لأنَّها من ضمن اللواتي لا يحضن.

فقد جعلوا (لم) الواردة في الآية بمعنى (لما) فصارت الآية عندهم (وَاللَّائِي لَمَّا يَحِضْنَ) ولا شكَّ أنَّ هذا هو التَّحريف بعينه. والحقُّ أنَّ الآية الكريمة لا تشير إلى الصَّغيرة التي لم يأتها الحيض بعدُ، وإنَّما إلى ممتدة الطُّهر من النِّساء، أو المرأة التي لا تحيض أصلا.

2_ احتجاجهم بزواج النَّبي صلَّى الله عليه وسلم من عائشة وهي ابنة تسع سنين. ويُجاب على هذا الإحتجاج من عدَّة وجوه:

أ_ الحديث لا يتفق مع الآيات التي سقناها في الاستدلال على وجوب البلوغ والرُّشد لصحَّة عقد النَّكاح، كما أنَّه مخالفٌ لدلالة الأحاديث الصَّحيحة في الباب، ولذلك يجب التوقُّف عن الاحتجاج بهذه الرِّواية في المسألة.

ب_ وجه البعض الحديث بقوله إن آيات سورة النَّساء التي سقناها كأدلَّة على جواز نكاح الصِّغار نزلت في المدينة المنوَّرة والنَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلم تزوَّج عائشة رضي الله عنها في مكة وذلك قبل نزول هذه الآيات. وهذا التوجيه مستبعدٌ إذا أخذنا بعين الاعتبار أنَّ فطرة الرّجل السَّليمة لا تقبل نكاح الطِّفلة الصَّغيرة، وحاشا النَّبيَّ أن يكون صاحب فطرة فاسدة.

ج_ رواية زواج النَّبيِّ من عائشة وهي بنت تسعٍ لا تتوافق مع الكثير من الرِّوايات التَّاريخيَّة التي تفيد بأنَّ عمْر عائشة عندما تزوجها النَّبيُّ تجاوز الثَّامنة عشرة، ولا بدَّ من ترجيح هذه الرِّوايات لتوافقها مع القرآن الكريم الذي يشترط البلوع والرُّشد لصحَّة النَّكاح.

وقف السليمانية/ مركز بحوث الدين والفطرة

الموقع: حبل الله www.hablullah.com



[1]  انظر البناية شرح الهداية، دار الكتب العلمية – بيروت، لبنان الطبعة: الأولى، 1420 هـ – 2000 م ، 5/90

[2]  صحيح البخاري، باب في النكاح، 6968

[3]  رواه أبو داود في النكاح: باب في الولي2083، والترمذي في النكاح: باب ما جاء لا نكاح إلا بولي1102 وابن ماجه في النكاح: باب لا نكاح إلا بولي1879 وأحمد 6/47 و 165-166

Facebook'ta PaylaşTwitter'da Paylaş

تعليقك على الموضوع  
التعليق *
* ضرورة إدخال هذا الحقل باللغة العربية

شوهد 19.036 مرة/مرات
الموضوعات ذات الصلة بهذا الموضوع