بين العقل والقلب
السؤال: قرأت مقالة في موقعكم بعنوان (الذين اتَّبعوا الفطرة) وقد أجريْتم مقارنة بين قرار القلب وبين قرار العقل، وقد ذكرتم أنَّ القرار العقليَّ فيه حكمةٌ ورشاد على عكس القرار إن صدر من القلب، ثم يكون التَّعويل على القلب وما وقر فيه. أرجو توضيح هذه المسألة وجزاكم الله خيرا.

الجواب: إعمال العقل مجرَّدا عن الأهواء يقود إلى الحقِّ غالباً، ولذلك كثُرت الدَّعوات لإعمال العقل في القرآن الكريم، وقد أحصينا 59 آية جاءت الدعوة فيها إلى التَّعقُّل والتَّفكُّر، ومنها قوله تعالى {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} (الجاثية، 13)  {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} (يوسف، 2) {وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} (المؤمنون،80).

والاحتكام إلى العقل أو عدمه هو ما يفسِّرُ انقسام النَّاس إلى فريقين تجاه دعوة الأنبياء؛ فريق كان يقبلها وفريق آخر كان يردُّها بالرغم من أنَّ الدَّعوة لكلا الفريقين كانت واحدة وكذلك الأدلَّة والبراهين، فمن تلقَّى دعوة النَّبي وتفكَّر بها بشكلٍ موضوعيٍّ بعيداً عن التَّعصب للآراء المسبقة فإنَّه كان يقبل الحقَّ الَّذي جاء به النَّبي ويدخل الإيمان إلى قلبه، بينما من تمسَّك بالمعتقدات الموروثة ونظر إلى دعوة النَّبي على أنَّها ترفٌ لا داعيَ له، أو أنَّها دعوة من أجل السُّلطة أو المال فإنه كان لا يقبل الحقَّ الذي أظهره النَّبيُّ؛ ففرعون _مثلا_ لم يقبل دعوة موسى بالرُّغم من علمه اليقينيِّ بأنَّه رسولُ ربِّ العالمين، قال الله تعالى {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ} (النّمل، 14) ومَن ينظُر إلى حِجَجِ الأقوام المُنكِرة لدعوة الأنبياء يجدُها تدور في حلقتين:

الأولى: التَّمسُّك بدين الآباء والأجداد بغضِّ النِّظر عمَّا وقعوا فيه من ضلال، وموقفُهم هذا فيه تغييبٌ للعقل وتغليبٌ للهوى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ} (البقرة، 170)

{وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ. قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ. فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} (الزخرف،23_ 25)

الثانية: إظهار الأنبياء على أنَّهم يدعون لمصالحَ شخصيِّةٍ ويجادلونَ من أجل الحصول على المنافع الدنيوية، وأبرزها السُّطلة والحكم كما في حالة فرعون وملائه: {قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى} (طه، 63)

ولتبديد هذه المخاوف كان كلُّ نبيِّ يؤكِّد لقومه أنَّه لا يبتغي من دعوته إيَّاهم أيَّ منفعةٍ دنيويِّة. قال الله مخاطبا نبيَّه الخاتم {وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ} (يوسف، 104) وقد ورد ذات الخطاب على ألسنة كثيرٍ من الأنبياء (يونس 72، الفرقان 57، سبأ 47، ص 86 ، الشعراء 109، 127 و 145 و164 و180)

الدَّافع لرفض دعوة الأنبياء هو تغليب قرار القلب على قرار العقل، لذلك بيَّن الله تعالى أنَّ إنكار دعوة الأنبياء ليس نابعا من قلِّة الأدلَّة وإنَّما هو نتيجة التّعامي عنها: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} (الحج، 46)

يستطيعُ النَّاس التَّفريق بين من غلب عليه استعمال العقل فيقولون إنه متعقِّلٌ وصاحب حكمة، بينما الشخص الذي تتحكَّمُ فيه رغبات القلب وأُمنياته فغالبا ما تكون تصرفاته بعيدة عن الحقِّ والعدل، ونقصد بالرَّغبات المنافية لمقتضى العقل، أما تلك التي تتوافق مع مقتضى العقل فلا منازعة فيها.

وبعض أعمال القلب مطلوبة شرعا؛ فحبُّ الله تعالى _مثلا_ هي من أعمال القلب التي استقرَّت فيه بعد أن قامت الأدلةُ والبراهينُ العقليَّةُ على أحقيَّته بالعبادة والمحبَّة، أما الحسد _مثلا_ فإنه من أعمال القلب لكن العقل لا يؤيده ولا يدعو اليه، ونصوص القرآن تحذِّر منه، ومن هنا قلنا إن العقل لا يمكنه قبول الخطأ إلا إذا غلب عليه هوى القلب.

وبالرغم من ظهور القلب على العقل المغيَّب إلا أنَّه _العقل_ لا يقتنع بما صار إليه من قبول الخطأ، لذا يعمل صاحبُه على تحييده قدر الإمكان، ويظهر أثر ذلك التحييد عندما يُذكَّرُ العاصي بالحقائق فإنَّه يضطرب ويظهر عليه انقباض القلب، وسبب انقباض قلبه نابعٌ من صراعه مع عقله الذي يرفض ما عليه من الخطأ، وفي هذا يقول الله تعالى:

{وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} (الزمر، 45)

أما المؤمن فينشرحُ صدرُه عند تذكيره بالله تعالى، لأنَّه يتأكَّد لديه ما استقر في قلبه، يقول تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} (الأنفال، 2) قلب المؤمن يوجل وينشرح عندما يسمع الحقائق لأنَّ قلبه متوافقٌ مع منطق الحقِّ (أي مقتضى العقل)، بينما الكافر يفتقد لعنصر التوافق بين قلبه وعقله لذلك تجده يشمئزُّ كلَّما تذكَّر الحقائق.

إذن الفرق بين المؤمن والكافر أنَّ المؤمن يكون قلبُه تابعاً لعقله، بينما الكافر يجعل من عقله تابعا لقلبه. والمعوَّلُ عليه هو القبول من القلب؛ لأنَّه مصدر التَّحكم في الإنسان، فمن عبدَ الله تعالى موقناً بقلبه فعبادتُه مقبولة، ومن عبده دون قرار قلبه فإن عبادته لا تكون مقبولة، ولذلك قلنا إنَّ المعوَّل عليه قرارُ القلب وليس قرار العقل. فبِهِ يتميَّزُ المؤمن عن المنافق، فإن المنافق قد يقوم بالأعمال الصَّالحة كالمؤمن لكنَّها لا تُقبل منه؛ لأنَّ تلك الأعمال لا تصدر من قلبه.

يقول الله تعالى في المنافقين: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} (البقرة، 14)

{وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} (آل عمران، 119)

{وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} (المنافقون، 4).

Facebook'ta PaylaşTwitter'da Paylaş

تعليقك على الموضوع  
التعليق *
* ضرورة إدخال هذا الحقل باللغة العربية

شوهد 1.322 مرة/مرات
الموضوعات ذات الصلة بهذا الموضوع