الكرامة والاستدراج

الكرامة والاستدراج

أ.د عبد العزيز بايندر

أولا: الكرامة

لا ينبغي للمسلم أن يُنكر الكرامة، وإنما أكره أن تُحرَّف الكلمة عن أصلها وتُستعمل من قبل بعض شيوخ الصوفية لأغراض سيئة؛ ليجعل أحدهم من نفسه وليا مزعوما. فليست الكرامة التي يزعمونها سوى الإستدراج الذي يؤدي إلى الهلاك.

الكرامة في اللغة هي العزة والقوة، وهي ضد الهوان والضعف؛ وقد أعطى الله تعالى هذه الكرامة لبني الإنسان كما قال تعالى: « وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا» (الإسراء، 17/70). فقد سخر الله سبحانه وتعالى الحيوان للإنسان ليحمله ومتاعه حيث أراد، ووهب الله للإنسان قوة تمكنه أن يصنع أنواعا مختلفة من وسائل النقل. وكذلك من أنواع الكرامات التي أعطاها الله تعالى للإنسان هي هدايته إلى الإيمان، فالإيمان هو أكبر كرامة من الله تعالى على الانسان، لأن فيها ضمان الأمن في الدنيا وفي الحياة الأبدية. قال الله تعالى: «الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ» (الأنعام، 6/82).

وقد بين الله تعالى من هم أكرم الناس عنده: فقال: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ» (الحجرات، 49/13). فأكرم الناس من كثرت عندهم الكرامة. ونفهم من ترتيب الآية الكرامةَ على التقوى أنَّ الكرامة معللة بالتقوى؛ فحيث كانت التقوى أعظم في نفس المسلم كانت الكرامة لديه أكبر.

ولكن الكرامة أصبح يقصد بها الأمور الخارقة للعادة، تظهر على يدي ولي من الأولياء المزعومين، حتى استوت الكرامة والمعجزة فقيل: هي أمور خارقة للعادة إذا ظهرت على يد نبي فهي معجزة وإلا فهي كرامة. وقد دخل هذا التحريف لكلمة “اَلْوَلِي” فقيل لأولياء الشياطين أولياء الله زورا وبهتانا. والحقيقة أن كل مؤمن ومسلم هو وليُّ الله كما قال تعالى: « أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ.الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ. لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ» (يونس، 10/62-64). وعلى هذه الآية فالكرامة هي عدم الحزن للمؤمنين، فقد أكرمهم الله بها. ومن أنواع الكرامة الخلاص من المصائب قال تعالى: « فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا. وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا» (الطلاق، 65/2-3).

والناصر لعباده المؤمنين هو الله تعالى، ينصرهم بالسنن الكونية التي أودعها الله في هذا الوجود ، كما ينصرهم بخوارق العادات، فإذا نصر الله عبده بالخوارق قيل عنه كرامة لأنه أكرمه بالنصرة. والكرامة نعمة من الله تعالى، وكل نعمة تستحق الشكر عليها. ومن الكرامات ما قد يضل بها الإنسان كالمال والمُلك والمنصِب الشريف والجاه، فعلى الإنسان أن يسعى لإرضاء ربه تعالى، لا أن يبحث عن الكرامة.

ونفهم من الآية  السابقة أن الله تعالى يكرم عباده المؤمنين في ساعات العسرة بوجه أو بآخر، فعلى الإنسان أن يعلم أن هذا إكرام من عند الله تعالى، وليس من عند نفسه فعليه أن يشكر ربه.

ولقد نصر الله المؤمنين في غزوة بدر أثناء الضيق، فأرسل إليهم ملائكته وأكدَّ في الآية أن النصر من عنده سبحانه وليس من عند الملائكة، كما أخبر الله تعالى بقوله: « إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ. وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ» (الأنفال، 8/9-10).

ولا يحسبن الذين ظهرت لهم الكرامات بأنهم قد وصلوا إلى هدفهم المنشود، بل عليهم أن يجتهدوا في العبادة شكرا لله ما داموا على قيد الحياة. قال تعالى: «وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ» (الحجر، 15/99).

ثانيا: الإستدراج

معناه الإدناء والتقريب بالمخادعة. وتستعمل في الإصطلاح بمعنى استجلاب إنسان بما يشتهيه لإيقاعه في الهلاك غير المنتظَر، وهو يحسب أنه خير له.

واقتضت حكمة الله البالغة ألا يوقع عبده في هذا الإستدراج حتى يحذره منه، قال تعالى: « وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ» (التوبة، 9/115).

وهؤلاء حين نظروا إلى ما بين أيديهم من النعم ظنوا أنهم على الحق، ولو أنهم فكروا في آيات الله الواضحات لما وقعوا في ضلالهم.

وهذا ما يصنعه بعض المتصوفة تماما، إذ نظروا إلى الناس الملتفين من حولهم قالوا: لو كنا على ضلال لما تبعنا كل هذا الجمع من الناس.. والحق أنه لا ينبغي لهم أن تنخدعوا بالكثرة.

فهذا “ماو” الزعيم الشيوعي الصينيي كان قد جمع من الأتباع ما لم يجمعه غيره، ولكنه لن ينفعه جمعه يوم القيامة.

فما يملكون من إمكانات مادية، ومن أتباع يستمعون إليهم، ويظهرون لهم التقدير والإحترام، كل ذلك جعلوه دليلا وشاهدا على كونهم على الحق، ولكنهم في واقع الأمر يترفعون عن الحق، ويدعون أتباعهم لأن يعتقدوا أن ارتباطهم بشيخهم في أمور دنياهم وآخرتهم سينقذهم وينفعهم، يدَّعون هذا بالرغم من هذه الاية الدالة على بطلان معتقدهم، يقول الله تعالى آمرا نبيه صلى الله عليه وسلم: «قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا. قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا. إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ ..» (الجن، 72/21-23).

فأنتم _الخطاب الى بعض الجماعات الصوفية_ لن تكونوا ورثة النبي صلى الله عليه وسلم حتى تعلموا القرآن الذي جاء به، وتقدموه للناس بينا وواضحا، لأن هذه هي الوظيفة الوحيدة التي بقيت لنا منه. أما أنتم فتأخذون بأقوال الأولياء والشيوخ الذين زعمتموهم وتجعلونها معايير تفسرون بها القرآن. فحالكم هذه خير ما يبينها ويشرحها هو هاتان الآيتان: « وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ. وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ» (الزخرف، 43/36-37).

وذكر الرحمن هو القرآن، وأنتم تعرضون عن الكثير من الآيات، ولكنكم تظنون أنفسكم في طليعة من كان على طريق الحق. فعليكم أن تعيدوا النظر في موضوع وراثة النبي وموضوع الذكر لخطر شأنهما.

وقف السليمانية/ مركز بحوث الدين والفطرة

الموقع: حبل الله www.hablullah.com

من كتاب: نظرة الى الطرق الصوفية في ضوء القرآن الكريم/ أ.د عبد العزيز بايندر

Facebook'ta PaylaşTwitter'da Paylaş


 تعليقات القراء:

  1. يقول:  Reda Elshekh

    الكلام حق فى بعض من يرتدون عباءة التصوف و يدعون أنهم متصوفة. أم عن التصوف فى ذاته-التصوف الحق- فلا يمت هذا الكلام له بصله. حيث العلماء اﻷجلاء و العارفين بالله-قديمآ و حديثآ-

تعليقك على الموضوع  
التعليق *
* ضرورة إدخال هذا الحقل باللغة العربية

شوهد 1.059 مرة/مرات
الموضوعات ذات الصلة بهذا الموضوع