بيان القرآن الكريم لأحكام الأضحية

بيان القرآن الكريم لأحكام الأضحية

جاء في سورة الكوثر وهي من أوائل السُّور المكيَّة أمرُ الله تعال نبيَّه بالنَّحر بقوله {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} (الكوثر، 2) ولم يُروَ عن النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّه ضحَّى في مكَّة، والسَّبب أنَّ الآيةَ مُحكمةٌ وتحتاج إلى تفصيل بحسب المنهج الذي بيَّنه اللهُ تعالى في سورة هود بقوله {الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ. أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ} (هود، 1_2)

ولم يكنِ النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم ليشرع في تنفيذ أمر الله تعالى إلا بتمام الآيات المُتعلِّقة بالموضوع التزاماً بأمر ربه إيَّاه بقوله {وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} (طه، 114)

ولقد جاء تفصيلُ أمر الله تعالى بالنَّحر الوارد في سورة الكوثر المكِّيَّة في موضعين من سورة الحجِّ المدنيَّة :

قال الله تعالى {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ . لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} (الحج، 27_28)

هذه الآيةُ تُبيِّنُ أنَّ ما يُنحر هو الأنعام، ويكون ذلك في الأيَّام المعلومات، وهي أيَّام عيد الأضحى، ثم بيَّنت وجوبَ التَّسمية والتَّكبير عند الذَّبح.

والأنعام هي المعز والضأن والإبل والبقر، كما فصله قوله تعالى {وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ. ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ. وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} (الأنعام، 142_144)

ثم بيَّن الله تعالى هيئةَ الأنعام التي تُذبح وسِنَّها وكيفيَّةَ التصرُّف في اللَّحم بقوله تعالى :

{وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (الحج، 36)

والبُدْنُ، هي ما اكتملَ سِنُّها من الأنعام وكانت سمينةً[1] ، لذا جاء بيانُ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّه لا يصحُّ أن يُذبحَ من الأنعام إلَّا المُسنَّةُ والتي لا عيبَ فيها بقوله : “لا تذبحوا إلَّا مُسنَّةً، إلَّا أن تَعسُر عليكم، فتذبحوا جَذعةً من الضَّأن “[2]

ولا يُطلق على الأنعام كلمةُ البدن إلَّا أن تكون كاملةَ السِّنِّ واللَّحم ولا عيب فيها. ولأنَّ الله تعالى طيِّبٌ لا يقبل إلَّا طيِّباً وَرَدَ نهيُ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم عن ذبح ما يخلُّ بكونها مكتملةَ الأوصاف (بَدَنَة) بقوله : (أربعٌ لا تجوز في الأضاحي: العوراء البيِّن عورُها، والمريضة البيِّن مرضُها، والعرجاء البيِّن ضلعُها، والعجفاء- يعني الهزيلة- التي لا تنقى)[3].

وقد بينت الآية أن المضحي وأهل بيته يأكلون من لحم الأضحية، ويطعم منها الفقراء، كما يطعم منها غير الفقراء من معارفه.

وروت عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إنما نهيتكم (أي عن أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث) من أجل الدافة التي دفت. فكلوا وادخروا وتصدقوا”[4]

الأضحية فرض كفاية

لم يأمرِ النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم كلَّ مسلمٍ بالأضحية لأنَّها فرضُ كفاية لا فرضَ عين، فهي واجبٌ على الأُمَّة إن قام بها البعضُ سَقَطَ الإثمُ عن الباقين وهذا مفهومُ قولِه تعالى {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ} (الحج، 34).

وقد وَجَدنا النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم يُضحِّي عن نفسه وأهل بيته وعمَّنْ لم يضحِّ من أمَّتِه.

فعن جابر بن عبد الله، قال: شَهِدتُ مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم الأضحى بالمُصلَّى، فلمَّا قضى خطبتَه نزلَ من منبره، وأتى بكبشٍ فذبَحَه رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم بيده، وقال: “بسم الله والله أكبر، هذا عنِّي، وعمَّنْ لم يُضحِّ من أمَّتي” [5]

كما ترى فإنَّ الأحكام التي أوردها القرآنُ في الأضحية هي غايةٌ في الوضوح والبيان، وما فعلَه النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم هو ما أمرتْ به الآياتُ، فكانتْ أفعالُه وأقوالُه صلَّى الله عليه وسلَّم الحكمة المستقاة من الكتاب.

وقف السليمانية/ مركز بحوث الدين والفطرة

الموقع: حبل الله www.hablullah.com

جمال احمد نجم

 



[1]  انظر لسان العرب مادة بدن

[2]  مسند أحمد (14348) (15280) وأخرجه مسلم (1963) ، وأبو داود (2797) ، وابن ماجه (3141) ، والنسائي 7/218، وابن الجارود (904) ، وأبو يعلى (2324)

[3] أخرجه الإمام أحمد (4/284، 289، 300) وأبو داود، كتاب الأضاحي، باب ما يكره من الضحايا (رقم 2802) ، والترمذي، كتاب الأضاحي، باب ما لا يجوز من الأضاحي (رقم 1497)

[4]  أخرجه أحمد 6/102، والبخاري (5423) ، ومسلم (1971)

[5]  أخرجه أحمد (14895) (14837) وأخرجه أبو داود (2810) ، والترمذي (1521) وهو حديث صحيح وله طرق وألفاظ كثيرة بنفس المعنى

Facebook'ta PaylaşTwitter'da Paylaş

تعليقك على الموضوع  
التعليق *
* ضرورة إدخال هذا الحقل باللغة العربية

شوهد 1٬083 مرة/مرات
الموضوعات ذات الصلة بهذا الموضوع