مفهوم الجزية في القرآن الكريم

مفهوم الجِزية في القرآن الكريم

الجِزْية من الجزاء: ما فيه الكفاية من المقابلة، إنْ خيراً فخير، وإنْ شرَّاً فشرٌّ[1].ويكون الجزاءُ مقابلَ عمل الخير، كما يكون مقابلَ عمل الشَّر.

فإنْ كان الجزاءُ مُقابلاً لعمل الخير فأقلُّه أن يكونَ بمثله، والجزاءُ بما هو أعظم من شيم الكرام، لذا وَعَدَ الله _ذو الجلال والاكرام_ المؤمنَ بأعظم ممَّا عَمِلَ بقوله تعالى: {وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ} (الشُّورى، 23) وبقوله: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (النحل، 97)

أمَّا الجَزَاء على السَّيِّئة فلا يكونُ إلَّا بمثلها، هذا هو الأصل: قال اللهُ تعالى: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} (الشُّورى،40)، وقال أيضا: {وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} (الصَّافَّات، 39).

وإمكانيَّة العفو قائمةٌ أيضاً كما يدلُّ عليه قولُه تعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} (الشُّورى، 30)

المبدأ العامُّ في الجزاء

بحسب الآيات التي ورد فيها ذكرُ الجزاء على السَّيِّئة يمكننا أن نفهمَ التصوَّرَ العامَّ لمبدأ الجزاء في النقاط التالية:

1_ لا بُدَّ في الجزاء من المماثلة وإن أمكنَ العفوُ فهو أولى. قال الله تعالى:{وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ} (النَّحل، 126) وقال تعالى:{وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (التغابن، 14) وقال أيضاً: {وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} (البقرة، 237)

2_ لا يُجازى على الجريمة سوى صاحبُها، ولا يجوز بحالٍ إيقاعُ العقوبة على غير مُستحقِّها حتَّى لو كان أباً أو أخاً للمجرم، ولا يمكن أن نتصوَّر العدالةَ في فرض الجزاء على من ليس له علاقة بالجريمة. وَردَ في سورة يوسف براءتَه عليه السَّلام من أن يأخذ أحداً بذنب غيره: {قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ} (يوسف، 79)

3_ الجنايات التي تقع على المجتمع الإسلامي لا ينطبق عليها أسس الجزاء المقرر بين افراد المجتمع، لأن المماثلة متعذرة في مثل هذه الجنايات، فعند انتهاء الحرب فلا يتم تنفيذ مبدأ الجزاء الوارد في قوله تعالى {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ} (النَّحل، 126) لأننا لا نستطيع أن نجد المماثلة في هذه الجنايات. فلذلك استعمل في الآية لفظ الجزية وليس الجزاء، والجزية على وزن مصدر النوع، وهو لبيان نوع الفعل وصفتِه، وكونه معرفا بالألف واللام دليل على أن هذه الكلمة قد فُصِّلت في آية أخرى.

حتَّى يُعطوا الجِزية

وردت كلمةُ الجِزية في القرآن الكريم بقوله تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} (التَّوبة، 29)

وقد جاءتْ كلمةُ الجزية في الآية مُحلَّاة بالألف واللام كما ذكرنا، وهذا يدلُّ على أنَّها معروفةٌ في الكتاب ومعرَّفٌ بأحكامها، وإذا عرفنا أنَّ الجزية هي الجزاء المُترتب على العدوان فلا بد أن نبحث في كتاب الله عن الآيات التي تُوضح الجزاء الذي يدفعه مَنْ حاربَ جماعة المسلمين، ولا شكَّ أننا سنجده في قوله تعالى:

‏{فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا} (محمد، 4)

فنصت الآيتان على أن هذا النوع من الجزاء ما يدفعه الكفار المحاربون من أهل الكتاب أو المشركين بعد إصغارهم في القتال وهو إثخانهم فيه وجعلهم أسارى.

وإذا قارنَّا بين الآية 29 من سورة التَّوبة وبين الآية 4 من سورة مُحمَّد سنجد التَّشابه بينهما كبيراً، فآيةُ سورة محمَّد تفصيلٌ لآية التوبة:

فقوله تعالى :{قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} توصيف منه لكفار أهل الكتاب وإدخالهم في حكم غيرهم من الكفار بقوله تعالى: {فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ} .

ويمكننا أن نجمل التشابهة بين الآيتين في ثلاث نقاط:

الأولى منها قوله تعالى: “فضرب الرقاب” وهو مجاز في القتل وقوله في آية التوبة: “قَاتِلُوا” حقيقة فيه لأن المقاتلة تقع بين الطرفين فيقتل بعضهم البعض الآخر. وقوله: “وهم صاغرون” نص في أن الطرف القاتل في هذه المقاتلة هم المسلمون فظهر التشابه بينهما.

والثانية ما بين قوله “حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ” وقوله ” وَهُمْ صَاغِرُونَ” لأن إثخانهم منعهم من الحركة وهو من ثخن الشيء إذا غلظ وصَلُب فلم يستمر في ذهابه وإيابه.

والمشابهة الثالثة والأخيرة بين الآيتين ما بين قوله تعالى: “فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً “وقوله: “حَتّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ” فتبين أن الجزية تجزية الأسارى من الكفار بالمن أو الفداء فيصيرون أحرارا.

إذن بين الآيتين تشابهٌ كبيرٌ، ففي آية التَّوبة أمر بمقاتلة الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يُحرِّمون ما حرَّمَ الله ورسولُه من أهل الكتاب، وآيةُ محمَّد تُبين أنَّ الأمر بالقتال يكون عند اللقاء في الحرب، والمسلمون لا يكونوا سبباً لبدء الحرب أبداً، وإنما خروجهم إليها يكون بهدف ردِّ العدوان كما بيَّنه قوله تعالى {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} (البقرة، 190).

ثم تتحدَّث آيةُ التوبة عن الجِزية، وهو ما يدفعه الأسير لفكاك أسره، وانسجاماً مع قاعدة الجزاء التي تفتح باباً للعفو شرَّعتِ الآيةُ إمكانيَّة المنِّ على الأسير.

كما تتحدَّث آيةُ التَّوبة عن صغاره عندما يدفع الجزية، وليس هناك صغارٌ كإثخان العدو ووقوعه في الأسر بعد أن كان يصول ويجول في الميدان.

الجِزية كما يُقرِّرها التراث

جاء في كتاب العناية شرح الهداية وهو من الكتب الفقهيَّة الحنفيَّة المعتبرة: “وَالْجِزْيَةُ اسْمٌ لِمَا يُؤْخَذُ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ بِهَا لِأَنَّهَا تُجْزِي عَنْ الذِّمِّيِّ: أَيْ تَقْضِي وَتَكْفِي عَنْ الْقَتْلِ، فَإِنَّهُ إذَا قَبِلَهَا سَقَطَ عَنْهُ الْقَتْلُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [التوبة: 29] إلَى قَوْلِهِ {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة: 29] فَإِنْ قِيلَ الْكُفْرُ مَعْصِيَةٌ وَهُوَ أَعْظَمُ الْكَبَائِرِ فَكَيْفَ يَصِحُّ أَخْذُ الْبَدَلِ عَلَى تَقْرِيرِهِ؟ أُجِيبَ بِأَنَّ الْجِزْيَةَ لَمْ تَكُنْ بَدَلًا عَنْ تَقْرِيرِ الْكُفْرِ، وَإِنَّمَا هِيَ عِوَضٌ عَنْ تَرْكِ الْقَتْلِ وَالِاسْتِرْقَاقِ الْوَاجِبَيْنِ فَجَازَ كَإِسْقَاطِ الْقِصَاصِ بِعِوَضٍ”[2]

ولنا على ما سبق المآخذُ التالية:

1_ الجِزية أو الجزاء يكون مقابل عمل قام به المعتدي، ولا يصحُّ من حيث اللُّغة أن يُقال عما يدفعه مقابل ترك قتله جزاء أو جزية.

2_ في حال انتهاء القتال ووقوع أفراد العدو أسرى في يد المسلمين، فالحكم فيهم نصَّت عليه الآية 4 من سورة محمَّد بقوله تعالى {فإما منا بعد وإما فداء} وما ادَّعاه الفقهاء من قتل الأسير واسترقاقه لا أصل له في كتاب الله او سيرة نبيِّه صلَّى الله عليه وسلم[3].

3_ اعتبر قتال من لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر الأصل في التعامل معهم، لأنَّه أخذ بالآية منفردةً دون الرجوع الى ما يُفصِّلها من آيات، حيث إنَّ الآياتِ المفصَّلةَ تُبيِّن أنَّ قتال هؤلاء لا يكون إلَّا عند اعتدائهم،كما بيَّنا سابقاً.

ويقول الرَّازي في تفسيره: الجِزية هي ما يعطي المُعاهد على عهده، وأمَّا قوله: {وهم صاغرون} فالمعنى أن الجزية تُؤخذ منهم على الصَّغار والذُّل والهوان بأن يأتي بها بنفسه ماشياً غيرَ راكب، ويُسلِّمُها وهو قائم والمُتسلِّمُ جالسٌ. ويؤخذ بلحيته، فيقال له: أدِّ الجزية وإن كان يؤديها ويزُجُّ في قفاه، فهذا معنى الصَّغار. وقيل: معنى الصغار هاهنا هو نفس إعطاء الجزية، وللفقهاء أحكامٌ كثيرة من توابع الذُّل والصَّغار مذكورة في كتب الفقه”[4].

وهنا ايضاً لم يُكلِّف الرازي نفسَه للبحث عن معنى الصَّغار من كتاب الله تعالى، بل أطلق لنفسه العنان لتفسير الكلمة، وبدلا من القول إنَّ الصغار هو حالُ العدوِّ عند الإثخان الوارد في الآية 4 من سورة محمد، أطلق المعنى ليصفَ به كلَّ من يعيش في ظلِّ دولة المسلمين من غير المسلمين ولو كانوا يعيشون فيها منذ أجيال عديدة.

يتبيَّن مما سبق أنَّ التصوَّر الفقهيَّ السائد عن الجزية قد صِيغ على غير هدي القرآن الكريم، حيث تحوَّلت من جزاء يدفعه المعتدي نظير اعتدائه إلى قاعدة عامة في التعامل مع غير المسلمين في البلدان الإسلامية.

ويمكنُني نقدُ ما قرَّره الفقهاء بخصوص الجزية بالنقاط التالية:

1_ الجزية كما قرَّرها الفقهاء تُشرع معاقبةَ غير المعتدي، لأنَّ الجزية حسب مفهومهم لا تُؤخذ فقط مممن شاركوا بالحرب، بل تؤخذ من ذراريهم وأحفادهم ما بقوا على دينهم، وهذا مُتعارض مع قاعدة قرآنية هامَّة في الجزاء، ألا وهي عقاب المذنب وحده فقط، كما تقرَّر في سورة يوسف. وفي قوله تعالى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى} (فاطر، 18)

2_ انعدام المماثلة بين الجريمة والعقاب، ومعلومٌ أن إدامة دفع الجزية كل سنة مقابل اشتراكه بالحرب ليس فيه وجه للمماثلة، فضلا عن تكليف أبنائه وأحفاده من بعده بدفع ذات الجزية، فعنصر المماثلة بين الجريمة والعقاب مفقودٌ كليَّاً في موضوع الجزية كما تصوَّره الفقهاء.

3_ أخذ الأموال من جزء من مواطني الدولة عن رؤوسهم هو ظلم لا يقبله الله تعالى، وقد أمر الله تعالى نبيَّه أن يأخذ من أموال مواطنيه صدقة، لا أن يأخذ المال عن رؤوسهم، كما سنبينه بعد قليل، فكلُّ واحد سيدفع صدقته للدولة بنسبة تتناسب مع ما يجني من الأموال، فيتفاوت الناس بصدقاتهم بحسب مداخيلهم، وهذا هو العدل، أما أن يدفع مبلغاً مقطوعاً من المال يتساوى فيه الجميع هو الظلم بعينه.

ما يدفعه المواطن غيرُ المسلم لدولته

يختلط على كثيرٍ من الناس مفهوم الجزية التي هي جزاء العدوان وبين مفهوم المساهمة المالية التي يدفعها غير المسلم إلى دولته.

والحق أن القرآن الكريم لا يفرِّقُ بين المسلم وغيره بخصوص ما يُدفع إلى الدولة إلا بالقبول عند الله تعالى، وهو أمر أخروي ليس لأحدٍ سلطةٌ فيه على أحد.

يقول الله تعالى في سورة التوبة مخاطبا نبيَّه: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (التوبة، 103) وقوله تعالى خذ من أموالهم، أي من أموال مَنْ ذُكروا سابقاً في السُّورة، وإذا علمنا أنَّ الآياتِ السَّابقة كانت قد تحدَّثت عن اليهود والمنافقين والمؤمنين فلا بدَّ أنَّ الخطاب للنبيِّ يشملهم جميعاً بصفتهم مواطنين في المدينة حيث رسول الله رئيسُها، وسكانها باختلاف أعراقهم وأديانهم مواطنون.

ولا شكَّ أنَّ المواطن لا يكون مواطناً كاملاً إلَّا بمشاركته الماليَّة لدولته، فإذا أدى المواطن حقوق الدولة التي عليه فلا بدَّ أنه سيشعر بالطمأنية ويُكسبه ذلك حقَّ السُّكنى والمواطنة الصَّالحة في هذه الدولة التي تُوفِّرُ له الحماية وتُنظِّم شؤونَ المجتمع الذي ينتمي إليه. وهو مفهومُ قوله تعالى :{تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بهَا}

ثم يأمُرُ اللهُ تعالى نبيَّه أنْ يُديمَ الصِّلة بمَنْ يعيش تحت سلطانه من الناس مؤمنهم وكافرهم بقوله :{وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لهم} أي صلتك بهم سببٌ في سكونهم وانسجامهم في المجتمع.

والصَّدقة التي كان يأخذها النَّبيُّ من مواطنيه كانت السَّببَ في تزكيتهم وتطهيرهم من لوثة النقص والشذوذ عن الجماعة، لأنَّ عدم قبول النَّبيِّ الصَّدقة من بعضهم سيُؤدِّي بهم الى العزلة والابتعاد أكثر وأكثر عن جماعة المؤمنين، وليس هذا مقصود الاسلام حتماً.

ويؤكد أنَّ النَّبيَّ كان يأخذ الصَّدقة من جميع سكَّان المدينة ما جاء في الآيات التي قبلها:

{وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ. وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (التوبة، 99)

فالنَّبيُّ بحسب الآية كان يأخذ الصَّدقة حتَّى من المنافقين الذين يتربصون بالمؤمنين، ولا شكَّ أنَّ صدقتهم لا تجد قبولاً عند الله تعالى بعكس صدقة المؤمن التي يقبلها النَّبيُّ بوصفه رئيساً للدَّولة كما تقع قربة يثاب عليها عند الله تعالى.

علاقة النبي بمواطنيه من غير المسلمين

لم تكن علاقةُ النبي مع مواطنيه من غير المسلمين مبنيّةً على التوتُّر والمناكفة، بل كانت مثالاً لكلِّ رئيس دولة يرعى مواطنيه على قدم المساواة، ومن الأدلة على ذلك الوثيقة التي وضَّحت علاقة المسلمين بغيرهم بعد هجرة النبيِّ للمدينة، وكانت نصوصُ الوثيقة كلها شاهداً على رغبة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بالعيش المشترك القائم على تقاسم المسؤوليات العامة وأبرزها الدفاع المشترك عن حياض المدينة، ولم يغفل النبي رغبة غير المسلمين بممارسة طقوسهم الخاصة التي تمليها عليهم شرائعهم فكان من بنود الوثيقة إقرار الادارة الذاتية المتعلقة بالجوانب الروحية.

كان مما رد في الوثيقة:

لِلْيَهُودِ دِينُهُمْ، وَلِلْمُسْلِمَيْنِ دِينُهُمْ، مَوَالِيهِمْ وَأَنْفُسُهُمْ، إلَّا مَنْ ظَلَمَ وَأَثِمَ، وَإِنَّ بَيْنَهُمْ النَّصْرَ عَلَى مَنْ حَارَبَ أَهْلَ هَذِهِ الصَّحِيفَةِ، وَإِنَّ بَيْنَهُمْ النُّصْحَ وَالنَّصِيحَةَ، وَالْبِرَّ دُونَ الْإِثْمِ، وَإِنَّهُ لَمْ يَأْثَمْ امْرُؤٌ بِحَلِيفِهِ، وَإِنَّ النَّصْرَ لِلْمَظْلُومِ، وَإِنَّ الْيَهُودَ يُنْفِقُونَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ مَا دَامُوا مُحَارَبِينَ، وَإِنَّ يَثْرِبَ حَرَامٌ جَوْفُهَا لِأَهْلِ هَذِهِ الصَّحِيفَةِ، وَإِنَّ الْجَارَ كَالنَّفْسِ غَيْرَ مُضَارٍّ وَلَا آثِمٌ، وَإِنَّهُ لَا تُجَارُ حُرْمَةٌ إلَّا بِإِذْنِ أَهْلِهَا، وَإِنَّ بَيْنَهُمْ النَّصْرَ عَلَى مَنْ دَهَمَ يَثْرِبَ، وَإِذَا دُعُوا إلَى صُلْحٍ يُصَالِحُونَهُ وَيَلْبَسُونَهُ، فَإِنَّهُمْ يُصَالِحُونَهُ وَيَلْبَسُونَهُ، وَإِنَّهُمْ إذَا دُعُوا إلَى مِثْلِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَهُمْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، إلَّا مَنْ حَارَبَ فِي الدِّينِ، عَلَى كُلِّ أُنَاسٍ حِصَّتُهُمْ مِنْ جَانِبِهِمْ الَّذِي قِبَلَهُمْ”[5]

وقد قَبل جماعةٌ من اليهود على اعتبار أنفسهم أمة واحدة مع النبي والمؤمنين بالرغم من اختلاف دينهم كما يوضحه النص التالي من ذات الوثيقة:

“وَإِنَّ يَهُودَ بَنِي عَوْفٍ أُمَّةٌ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ، لِلْيَهُودِ دِينُهُمْ، وَلِلْمُسْلِمَيْنِ دِينُهُمْ، مَوَالِيهِمْ وَأَنْفُسُهُمْ، إلَّا مَنْ ظَلَمَ وَأَثِمَ، فَإِنَّهُ لَا يُوتِغُ إلَّا نَفْسَهُ، وَأَهْلَ بَيْتِهِ، وَإِنَّ لِيَهُودِ بَنِي النَّجَّارِ مِثْلَ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْفٍ، وَإِنَّ لِيَهُودِ بَنِي الْحَارِثِ مِثْلَ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْفٍ، وَإِنَّ لِيَهُودِ بَنِي سَاعِدَةَ مِثْلَ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْفٍ، وَإِنَّ لِيَهُودِ بَنِي جُشَمٍ مِثْلَ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْفٍ، وَإِنَّ لِيَهُودِ بَنِي الْأَوْسِ مِثْلَ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْفٍ، وَإِنَّ لِيَهُودِ بَنِي ثَعْلَبَةَ مِثْلَ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْفٍ، إلَّا مَنْ ظَلَمَ وَأَثِمَ”

وهذا يبين أنَّ مفهوم الأمَّة لا يقتصر على أصحاب دين معيَّن، لأنَّ هناك عوامل كثيرة تُحدد مفهوم الأمة كوحدة التراب واللغة والعادات وما إلى ذلك.

وقد كان النبي يقوم احتراماًاذا مرت جنازة غير المسلم من مواطنيه. فقد روي أنه مَرَّتْ بِهِ جِنَازَةٌ فَقَامَ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهَا جِنَازَةُ يَهُودِيٍّ، فَقَالَ: «أَلَيْسَتْ نَفْسًا»[6]

وتبين الرواية التالية تضحية النبي في سبيل الحفاظ على العلاقة الحسنة مع غير المسلمين من مواطنيه- فعَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ: – زَعَمَ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ – سَهْلُ بْنُ أَبِي حَثْمَةَ أَخْبَرَهُ: أَنَّ نَفَرًا مِنْ قَوْمِهِ انْطَلَقُوا إِلَى خَيْبَرَ، فَتَفَرَّقُوا فِيهَا، وَوَجَدُوا أَحَدَهُمْ قَتِيلًا، وَقَالُوا لِلَّذِي وُجِدَ فِيهِمْ: قَدْ قَتَلْتُمْ صَاحِبَنَا، قَالُوا: مَا قَتَلْنَا وَلاَ عَلِمْنَا قَاتِلًا، فَانْطَلَقُوا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، انْطَلَقْنَا إِلَى خَيْبَرَ، فَوَجَدْنَا أَحَدَنَا قَتِيلًا، فَقَالَ: «الكُبْرَ الكُبْرَ» فَقَالَ لَهُمْ: «تَأْتُونَ بِالْبَيِّنَةِ عَلَى مَنْ قَتَلَهُ» قَالُوا: مَا لَنَا بَيِّنَةٌ، قَالَ: «فَيَحْلِفُونَ» قَالُوا: لاَ نَرْضَى بِأَيْمَانِ اليَهُودِ، فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُبْطِلَ دَمَهُ، فَوَدَاهُ مِائَةً مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ.

إن قرينة المكان تشير ان قتلة الرجل من يهود خيبر، لكنها قاصرة عن اثبات الجريمة عليهم، فكان لا بد أن يطلب النبي شهوداً على مقتل الرجل، وإذ لم يكن ثمة شهود، فلا بد من طلب اليمين من اليهود، وعندما رفض القوم يمين اليهود فلم يبق لهم حق في الدعوى عليهم. والنبي الرحيم لا يقبل أن يضيع دم المقتول هدرا فدفع ديته من أموال الصدقة.

ما سبق دراسة مقتضبة سريعة ربما تنتظر من يثريها ويبني عليها ليخرج الى النور تصور مشرق يعكس الحالة التي كان عليها نبينا الكريم في تعامله مع مواطنيه من غير المسلمين، وتمحو الصورة القاتمة التي تراكمت عبر العصور.

جمال  نجم

وقف السليمانية/ مركز بحوث الدين والفطرة

الموقع: حبل الله www.hablullah.com


[1] انظر مفردات الراغب، كتب الجيم مادة جزا

[2]العناية شرح الهداية 6/44

[3] انظر مقالة أ.د عبد العزيز بايندر (استرقاق أسرى الحرب واتخاذ الجواري) على الرابط http://www.hablullah.com/?p=2742

[4]تفسير الرازي، سورة التوبة، الآية 29

[5] انظر سيرة ابن هشام، 1/503

[6] أخرجه البخاري (1312) ومسلم (961) والنسائي 4/45، والطبراني في “الكبير” (5606) ، والبيهقي 4/27

Facebook'ta PaylaşTwitter'da Paylaş


 تعليقات القراء:

  1. د طنطاوي عبد الرحيم dedi ki:

    تفسيرك للجزية يخالف ما ورد في كتب السيرة من أن عمر رضي الله عنه كان يأخذ الجزية من أهل الكتاب في الشام والبلاد الأخرى التي فتحها المسلمون وأستمر ذلك في عهود الخلافة الأموية والعباسية والعثمانية حتى وصل الى حد التواتر .

تعليقك على الموضوع  
التعليق *
* ضرورة إدخال هذا الحقل باللغة العربية

شوهد 1.287 مرة/مرات
الموضوعات ذات الصلة بهذا الموضوع