لا قضاء على من أفطر متعمدا في نهار رمضان
السؤال: سمعت مَن يقول أن مَن يُفطر يوما في رمضان متعمِّدا فلا يكفِّرُه أن يقضيَ يوماً مكانه، بل عليه التوبة والاستغفار. فهل هذا صحيح؟

الجواب: ما سمعتَه كان موافقا للحق، لأن الله تعالى شرع العبادات بأوقات مخصوصة لا تصحُّ إلا فيها، ومن ذلك صيام رمضان، حيث قال الله تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}

فصيامُ يومٍ في غيره لا يُعتبر منه، ويكون الصيام عندئذ في غير محله. وقد استُثني من ذلك المريض والمسافر، حيث جعل الله تعالى لهما الرخصة في الإفطار على أن يقضوا بعد رمضان ما فاتهم من الصيام بسبب المرض أو السفر: {وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ}

ثم يذكر سبحانه علة هذا الاستثناء بقوله {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } (البقرة، 185)

أما الإفطار متعمدا فليس من قبيل المرضِ أو السفر، ولا يصحُّ بحالٍ أن يُقاس عليهما، فالقول بايجاب القضاء على المفطر عمدا هو تقوُّل بغير دليل.

وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يوافق الآية السابقة، حيث قال: (من أفطر يوماً في رمضان من غير رخصة ولا مرض لم يقض عنه صوم الدهر وإن صامه)[1]

وبالرغم من وضوح الآية والحديث إلا أن هناك من ادعى الإجماع على أن من أفطر متعمدا فعليه القضاء.

قال الإمام البغوي: [العلماء مجمعون على أنه يقضي يوماً مكانه][2]

والإجماع الذي ادعاه الإمام البغوي لا يؤيده قرآن ولا سنة. وإن قيل كان القياسُ مُستَندَ الإجماع، فذلك أبعد من سابقه، لأنه لا يمكن قياس المفطر متعمدا على المريض والمسافر، لانعدام العلة الجامعة، فهما معذوران بالسفر أو المرض، وهو معاند جاحد، فلا يمكن استقامة القياس مع الفارق الكبير.

وإن قيل إن إلزامه بالقضاء كان من باب الجزاء، فهذا لا يستقيم أيضا، لأن الله تعالى لم يذكر للمفطر متعمدا جزاء دنيويا، فلا يصحُّ أن يُشرِّعَ العبادُ ما لم يأذن به الله تعالى، كما لا يصح الافتراض أن الله تعالى أغفل ذِكْرَ المفطر عامدا فيمن يجب عليهم القضاء. {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} (مريم، 64)

إن القول بوجوب القضاء على المفطر متعمدا يهوِّن المعصية عليه؛ لظنِّه أن قضاء يومٍ يحلُّ المشكلةَ، لكنَّ الأمرَ أشدُّ من ذلك.

فمن أفطر عامدا فعليه التوبة النصوح، وذلك بالاستغفار من ذنبه، وعدم الرجوع إلى فعلته مرة أخرى، وأن يبادر إلى فعل الصالحات، فعسى الله تعالى أن يُكفِّر عنه.

فبعد أن ذكر الله تعالى الوعيد في حق من أتى الكبائر قال:{إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} (الفرقان، 70)

 


[1]  أخرجه الترمذي (723) ، والنسائي في “الكبرى” (3279) ، والطحاوي في “شرح مشكل الآثار” (1523) ، والبغوي (1753) وإسحاق بن راهويه (274). وقد رواه البخاري معلقا، وذكر بعض المحققين ضعف إسناده، إلا أنه من حيث المعنى صحيح.

[2]  شرح السنة 6/ 290.

Facebook'ta PaylaşTwitter'da Paylaş

تعليقك على الموضوع  
التعليق *
* ضرورة إدخال هذا الحقل باللغة العربية

شوهد 1٬449 مرة/مرات