حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ

حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ

المقدِّمة:

لم تكن طبيعةُ العلاقة التي يجب أن تحكم المسلمين بغير المسلمين من الإشكاليَّات الكبرى في عهد رسول الله عليه الصّلاة والسّلام لأنّه كان ينظر لها بمنظار القرآن الذي يتنّزل عليه ويضبط قواعدَها بضوابط القرآن الحازمة القائمة على أساسين راسخين: الأوّل هو حريّةُ العقيدة فلا إكراهَ في القَبول أو الرّفض والثاني الحفاظ على العلاقة السلميّة مع غير المسلمين ماداموا قد التزموا بعهد السّلام مع جماعة المسلمين ولم يجاوزوه إلى حالة الاعتداء.

لكنْ مع تقدّم الأزمنة ابتعدَ المسلمون شيئاً فشيئاً عن الالتزام بهذه الضّوابط إلى أن وصلْنا اليوم إلى مرحلةٍ يتصوّر البعضُ من خلالها أنّ أساس علاقة جماعة المسلمين مع المختلفين عنهم عقديّاً يقوم على أمرٍ واحدٍ هو إكراهُ الآخرين على قَبول معتقَد الجماعة المسلمة ولو اقتضى ذلك شنَّ الحروب.

هذا الانحرافُ عن النّهج الذي رسمه اللهُ لهذه العلاقة يتجلّى اليوم بوضوح في حالة الخوف المتبادَل وانعدام الثقة بين المسلمين وغيرهم ممّن يعيشون في المجتمع الواحد وكلٌّ من الطرفين ينظر بتوجّسٍ وريبة إلى الآخر ويعتبره عدوَّاً ينبغي إخضاعه بالقوة حين تحين الفرصة، ولَعلّ من المؤسف أن نقولَ إنّ بعضَ فقهاء المسلمين لعبوا دوراً كبيراً، بقصدٍ أو بغير قصد، في تعزيز هذا الانحراف من خلال السَّير بآيات الله القرآنيّة بعيداً عن معناها الحقيقي فأصبحتْ تُرى من منظار الكثير من المسلمين و غير المسلمين كحاملٍ لهذا الانحراف الخطير الذي يهدّد أمنَ مجتمعاتنا اليوم ويقوّض السلمَ الاجتماعيَّ فيها، وكيف لا يكون لهُ مثلُ هذا الدور المرعب وقد أصبح الكثيرُ من فقهاء المسلمين محنّكين في فنّ تحويل المسالِمين المختلفين معهم عقديّاً أو فكريّاً إلى أعداء؟!

أتناولُ في هذه الدراسة المختَصرة واحدةً من الإشكاليّات التي طَبَعَتْ علاقةَ جماعة المسلمين مع غيرهم من أهل الكتاب: موضوع الجزية.

الجزية في القرآن:

يقول اللهُ تعالى: {قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} التّوبة (29:9).

تبدأ الآية القرآنيةُ بالأمر الإلهي “قاتلوا”، الجماعة المعنيّة بتنفيذ هذا الأمر هي جماعة المسلمين الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر ويحرِّمون ما حرّم اللهُ ورسولُه ويدينون دين الحقّ.

من المعلوم في اللغة العربيّة أنّ الفعل “قاتَلَ” يفيد معانيَ أوسع من الفعل “قَتَلَ”، فالمقاتَلَةُ تختلف عن القَتْل، وقد يكون القتلُ واحداً من نتائج المقاتَلَة.

حين يأتي الأمرُ الإلهيُّ في هذه الآية بصيغة “قاتلوا”، علينا فوراً استذكارُ واستحضارُ الآية المُحكَمة في موضوع المُقَاتَلَة:

{وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ} البقرة (190:2).

من الواضح أنّ هذه الآية المُحكمة تمنع جماعةَ المسلمين من مباشرة العدوان على الطّرف المقابل لهم دون أن يتعرّضوا هم لعدوانٍ منه، فإذا ما تعرّضوا للعدوان وَجَبَ عليهم ردُّه دون مجاوزةٍ ولا انتهاكٍ لحدود الله الذي يقول:

{وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} التّوبة (36:9).

{أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ} التّوبة (13:9).

{الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} البقرة (194:2).

حين نقرأُ الآية المذكورة من سورة التّوبة على ضوء الآية المُحكَمة المذكورة من سورة البقرة نجد أنّ جماعة المسلمين لا تمتلك الحقّ بالاعتداء على ” الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ” ما لم يباشر هؤلاء عدواناً على المسلمين: { لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} الممتحنة (8:60).

نفهمُ من آية سورة التّوبة أنّ الله لا يشمل المسلمين بعبارة “من الذين أوتوا الكتاب” لأنّ معالجة الاقتتال بين جماعتين من المسلمين موضّحٌ في الآية القرآنيّة:{وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} الحجرات (9:49).

الاقتتالُ بين جماعتين من المسلمين يوجب الإصلاحَ بينهما، وفي حالة بغي جماعة منهما على الأخرى فإنّ واجب جميع المسلمين مقاتلة هذه الجماعة الباغية حتّى ترجع إلى أمر الله وتلتزم به.

تخصّ آيةُ سورة التّوبة إذاً طائفةً من “الذين أُوتُوا الكتاب” من غير المسلمين، أفرادُ هذه الطائفة لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرّمون ما حرّمَ اللهُ ورسولُه ولا يدينون دين الحقّ ويباشرون العدوانَ على جماعة المسلمين، لذلك يأتي الأمرُ الإلهي بمقاتلتهم”لا قَتْلهم” والفرقُ بين الكلمتين كبير.

إلى متى تستمرّ هذه المقاتلة؟! إلى أن يبيدَ المسلمون الجماعةَ المعتدية؟ إلى أن يطردَ المسلمون الجماعة المعتدية من بيوتهم وأرزاقهم؟ يأتي الجواب من الله: ” حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ”.

حتّى لا تفيد “الغاية” هنا، والآية لا تأتي بمعنى “باشروا العدوانَ على هذه الطائفة ابتغاء تحصيل الجزية” لأنّه لا عدوان في دين الله، والحقيقة أنّ “حتّى” المذكورة في هذه الآية تفيد الظرف الزماني بمعنى:” إذا باشروا العدوان عليكم فقاتلوهم إلى أن يصلوا إلى مرحلةٍ من الضَّعف يقبلون فيها بدفع مقابلٍ لعدوانهم”.

مثال آخر عن “حتّى” الزمانيّة:{وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ } البقرة (187:2).

مثال عن “حتّى” بمعنى الغاية: {وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ} يونس (99:10).

“الجِزية” اسمٌ مشتّقٌ من الفعل الثلاثي “جزى”، فما المعنى اللغويُّ الذي يفيده الفعل “جزى”؟

المعنى اللغويُّ للفعل “جزى”:

 جَزَى: [ج ز ي ]. ( فعل : ثلاثي لازم متعد بحرف ). جَزَيْتُ ، أَجْزِي ، اِجْزِ ، مصدر جَزَاءٌ.  يَجْزِي هَذَا عَنْ ذَاكَ :-: يَقُومُ هَذَا مَقَامَ ذَاكَ.

إذاً فالمعنى اللغويُّ للفعل “جَزَى”: أقامَ أمراً مقام آخر ومنه الجِزية.

وأمّا كلمة “يدٍ” المذكورة في الآية مترافقةً مع حرف الجر “عن” فإنّها تُفيد الاستسلام والخضوع[1].

كلمة “صاغرون” وردتْ في القرآن الكريم عدّة مرّات بهذا اللفظ، لكنّ المعنى المشترك لهذه الكلمة في كلّ الآيات التي وردتْ فيها يشير بوضوح إلى حالةٍ من التحدّي والمقاتلة بين طرفين يعقبها انهزامُ واحدٍ منهما وانقلابه من حال التعالي إلى حالة الذلِّ والانكسار.

 مثلاً في الآية المذكورة من سورة التّوبة وفي الآية السابعة والثلاثين من سورة النّمل ارتبطتْ صفةُ الصّغار بالحرب العسكريّة بين طرفين ينتهي الحالُ بأحدهما إلى الصّغار في نهاية الحرب، يقول الله في سورة النّمل:

{ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَّا قِبَلَ لَهُم بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُم مِّنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ} النّمل (37:27)

في الآيتين ارتبطت كلمة “صاغرون” بحدث انتهاء الاقتتال وهزيمة وانكسار وذلّة أحد طرفيه من بعد جبروته، إذاً فكلمة “صاغرون” تعني هنا “مهزومون معترفون بانكسارهم متحوّلون من جبروت ما قبل الهزيمة إلى الصّغار بعدها”.

ووصفَ اللهُ تعالى إبليس ب “الصّاغر” لأنّه تحوّل من حالة الاستكبار على أمر الله الذي أوجَبَ عليه السجود لآدم إلى حالة الطّرد والإبعاد من رحمة الله فأصبحَ بذلك صاغراً  كما يقول اللهُ تعالى:

{قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ} الأعراف (13:7).

وكذلك وَصَف اللهُ فرعون وأتباعه بالصّاغرين حين دخَلَ سحرتُهم مستكبرين ميدان التحدّي مع موسى عليه السّلام فأبطلَ اللهُ سحرهَم وأقرّ السّحرةُ بانكسارهم وخضوعهم لربِّ موسى وهارون:

 {فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ وَانقَلَبُواْ صَاغِرِينَ، وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ} الأعراف (119:7_120).

وهدّدتْ امرأةُ العزيز يوسُفَ بالصّغار لأنّه رَفَضَ الخضوع لأهوائها: {قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسَتَعْصَمَ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّاغِرِينَ} يوسُف (32:12).

وأمّا الصّغارُ عند الله يوم القيامة فهو الذلّة التي يستحقها المكذّبون بآياته:

{وَإِذَا جَاءتْهُمْ آيَةٌ قَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللّهِ اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُواْ صَغَارٌ عِندَ اللّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُواْ يَمْكُرُونَ} الأنعام (124:6).

إذا فَهمنا معنى الجِزية على أنّه إقامةُ أمرٍ بدلاً عن آخر، وإذا سلّمنا بصحّة المعنى اللغوي للصَّغار على أنّه تبدّل الحال من القوّة والجبروت والاستكبار إلى الضّعف والذلّة والانكسار، إذاً لا نستطيع أن نفهم موضوع الجزية خارج إطار المقابل الذي يتوجّب على الطائفة المعتدية المستكبرة التي تنتمي لأهل الكتاب دفعُه لمرّةٍ واحدة كتعويضٍ وتكفيرٍ عن مباشرة عدوانها على جماعة المسلمين وكبديلٍ عن إبادة أفرادها أو تهجيرهم من أرضهم وكردعٍ عن عدوانٍ جديد.

يعزّزُ هذا الفهمَ الكثيرُ من الآيات القرآنيّة التي تميّزُ بين قسمين من أهل الكتاب، أي أنّهم ليسوا سواءً في علاقتهم مع المسلمين، توضّح ذلك الآياتُ التالية:

{قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّىَ تُقِيمُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} المائدة (68:5).

” وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا” يعني أنّ الله لا يشمل كلَّ أهل الكتاب بوصف الطغيان والكفر.

{وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاء مَا يَعْمَلُونَ} المائدة (66:5).

{كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ} آل عمران (110:3).

{الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} الأعراف (157:7).

فما العلاقة التي يجب أن تسود بين جماعة المسلمين والجماعات الآخرى”سواء أكانت هذه الجماعات من أهل الكتاب أو من غيرهم” في حالة عدم مباشرة أيّةِ جماعةٍ منها لعدوانٍ على جماعة المسلمين؟

يعيشُ الجميعُ “مسلمين وغير مسلمين” في المجتمع الواحد بسلام وآمن جنباً إلى جنب مع الالتزام التام بالقوانين التي ارتضاها وأقرّها أفرادُ هذا المجتمعُ  دستوراً يحكم وينظّم العلاقات بين أفراده ..

يقول الله تعالى: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} الممتحنة (8:60).

{إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىَ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ أَوْ جَآؤُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَاتِلُونَكُمْ أَوْ يُقَاتِلُواْ قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاء اللّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً} النساء (90:4).

ولا يسمح اللهُ تعالى للمسلمين بإسباغ معتقداتهم بالقوّة والإكراه على الآخرين الذين يعيشون معهم في نفس المجتمع، كما لم يُلزمهم بتطبيق الشّريعة الإسلاميّة في حلّ مشكلات غير المسلمين ما لم يبادر هؤلاء بأنفسهم إلى طلب الحلول من جماعة المسلمين:

{سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِن جَآؤُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُم أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} المائدة (42:5).

فالناس مختلفون في توجهاتهم وأفكارهم ومشاربهم لكنّ عدم الإكراه هو الأساس الذي ينبغي أن يظلّ راسخاً..

{وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} المائدة (48:5).

{الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} المائدة (5:5).

حين يدخل المسلمون إلى بيوت غير المسلمين ليأكلوا من طعامهم فهذا يعني حتماً أنّ العلاقةَ بين الجماعتين يجب أن تكون في أحسن حال في الحالة السلميّة.

الروايات المنسوبة للنّبيِّ التي تتوافق مع معنى الآية القرآنيّة:

عن بريدة رضي الله عنه قال: “كان رسولُ اللّه صلّى الله عليه وسلّم إذا أمّر أميرًا على جيش أو سريّة أوصاه في خاصّة نفسه بتقوى اللّه ومَن معه من المسلمين خيراً، ثمّ قال: اغزوا باسم اللّه في سبيل اللّه، قاتلوا مَنْ كَفَرَ باللّه، اغزوا ولا تغلّوا ولا تغدروا ولا تمثّلوا ولا تقتلوا وليداً.

وإذا لقيتَ عدوّك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال – أو خلال – فأيّتهنّ ما أجابوك فاقبل منهم وكفّ عنهم، ثمّ ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم وكفّ عنهم، ثمّ ادعهم إلى التّحوّل عن دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنّهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين، وعليهم ما على المهاجرين.

فإن أبوا أن يتحوّلوا منها فأخبرهم أنّهم يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكمُ اللّه الّذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء ، إلاّ أن يجاهدوا مع المسلمين.

“فإن هم أبوا فسلهم الجزية” ، فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكفّ عنهم فإن هم أبوا فاستعن باللّه وقاتلهم[2].

تتحدث هذه الرواية بوضوح عن جوّ حربٍ وقتالٍ وَجَدَ فيه المسلمون أنفسَهم في مواجهة “عدوٍّ” قد أعدّ العدّة وتجهّز مسبقاً لقتالهم، وكلمة “العدوّ” الموجبة لمقاتلته ارتبطت بثلاثة محدّدات فقط في القرآن كما تبيّن الآيةُ التالية:

{إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} الممتحنة (9:60).

{قَالُواْ وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} البقرة (246:2).

فواجبُ المسلمين في هذه الحالة يقتضي منهم “المقاتَلَة” دفاعاً عن أنفسهم وردّاً للعدوان، لكن تبقى خياراتُ إنهاء المقاتَلَة قبل بدء الاشتباك أو أثناءه قائمة، تحدّدُ الروايةُ السابقةُ هذه الخيارات بما يلي:1 . الإسلام والهجرة لدار الإسلام 2. الإسلام دون الهجرة لداره 3. الجزية كخيار ثالث لإنهاء المقاتَلَة.

لكن لو رفضتْ الطائفةُ المعتديةُ الخياراتِ الثلاثةَ وبدأتْ الاشتباكَ مع جماعة المسلمين كان على هذه الأخيرة أن تقاتلَ المعتدين بكلّ قوّة وليس من حقّها عرضُ إنهاء الاشتباك مع الجماعة المعتدية دون أن تبادرَ هذه الأخيرةُ من تلقاء نفسها إلى الاستسلام وإعلان الهزيمة:

{فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ} محمّد  (47:35).

فالمهانة المقترنة بعرض إنهاء القتال والجنوح إلى السِّلم يجب أن تكون من نصيب الطائفة المعتدية، وحينها وَجَبَ على جماعة المسلمين القبولُ بإنهاء الاقتتال: {وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} الأنفال (8:61).

لكنّ التعويضَ عن الأضرار التي لحقت بالمسلمين بسبب العدوان عليهم يجب أن تؤدّيه الجماعةُ المعتدية وفق ما يتّفق عليه الطَّرفان.

أي أنّ الجماعةَ المعتدية تعصم دَمَ أفرادها في حالة قبولها بواحد من العروض الثلاثة المذكورة في رواية بريدة قبل بدء الاشتباك، وتعصم دم مَن يبقى من أفرادها حيّاً أثناء الاشتباك إذا بادرتْ هي إلى طلب إنهاء الاشتباك والقبول بدفع الجِزية، أمّا المسالِمون من غير المسلمين الذين يرفضون أن يكونوا طرفاً مشاركاً في العدوان على جماعة المسلمين فليس لهذه الأخيرة عليهم من سبيل كما يقول الله تعالى:

{وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} العنكبوت (46:29).

قصّة غزوة تبوك تؤكّد أنّ الجزية تُفرضُ فقط على الطائفة المعتدية:

(تبوك) موضع معروف من بلاد البلقاء، ذو قلعة حصينة رفيعة الجدران، عند عين ماء على منتصف طريق المدينة إلى دمشق.

كانت في شهر رجب من السّنة التّاسعة من الهجرة النبويّة المباركة، وهي آخر غزوات رسول اللّه عليه السلام.

سببها: إنّ نصارى العرب الذين كانوا يقطنون المناطق الحدوديّة للشّام كانوا قد كتبوا إلى هرقل ملك الروم يطلبون منه أن يبعث إليهم من يجهّزهم لمحاربة هذا الرجل الذي خرج يدّعي النبوّة، ومَن معه من المسلمين.

فبعث إليهم رجلاً من عظمائهم وجهّز معه أربعين ألفاً.

فبلغ ذلك النبيَّ عليه الصّلاةُ والسّلام من التجّار الذين كانوا يأتون إلى المدينة ، حيث كانوا يقدُمون إلى المدينة من الشّام لبيع أمتعتهم، فأشاعوا في المدينة: إنّ الروم قد اجتمعوا يريدون غزو رسول اللّه في عسكرٍ عظيم، وإنّ هرقل قد سار في جمعه وجنوده، وجلب معه غسّان وجذام وفهراً وعاملة، وقد قَدِمَ عساكرُه البلقاءَ، ونزل هو حمص.

فأمر اللّهُ تعالى رسوله بحرب الرّوم وغزوهم، وأمر رسولُ اللّه أصحابَه بالتهيّؤ إلى تبوك، كما وبعث إلى القبائل من العرب وإلى أهل مكّة ـ وكانوا كلُّهم مسلمين في هذا الوقت ـ يستنفرهم.

وحضّ رسولُ اللّه مَن عنده من المسلمين على الجهاد، وأمر بعسكره فضرب في ثنيّة الوداع، وأمر أهل الجدّة أن يعينوا من لا قوّة به، ومن كان عنده شيء أخرجه، وحملوا وقوّوا وحثّوا على ذلك.

كان خبر جيش محمّد للرومان صاعقة لم تكن بالحسبان فشلّتهم عن الحركة وأوقفتهم في مكانهم ولم يتقدّموا أكثر، إلى أن تفرّقوا في الأمصار، وتبدّدت قواهم ولم يحدث أيُّ صدام بين الجيشين.

عندما وصل النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم إلى مشارف الشام (قريبا من تبوك) لم يجد أثراً للحشود الرومانيّة ولا القبائل العربيّة المتحالفة مع الروم آنذاك، وبالرغم من أنّ الجيش مكث عشرين ليلة في تبوك، لم تفكر القيادةُ الرومانيّة مطلقاً في الدخول مع المسلمين في قتال، حتّى القبائل العربيّة المنتصرة آثرت السكون، أمّا حكّام المدن في أطراف الشّام فقد آثروا الصّلح ودفع الجزية، فقد أتى النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم يحنة بن رؤبة -صاحب أيلة-، فصالح رسولَ الله صلى الله عليه وسلّم وأعطاه الجزية، وأتاه أهل جرباء وأذرح، فأعطوه الجزية فكتب رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم لهم كتابا، وأرسل صلّى الله عليه وسلّم خالد بن الوليد على سرية من الفرسان بلغ عددها أربعمائة وعشرين فارساً إلى دومة الجندل، واستطاع خالد بن الوليد أن يأسر أكيدر بن عبد الملك الكندي -ملكها-، وهو في الصيد خارجها، فصالحه النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم على الجزية[3].

وهذا ما يرويه أبو داوود في كتابه: عن حديث محمّد بن إسحاق ، حدّثني يزيد بن رومان وعبد الله بن أبي بكر : { أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بعث خالد بن الوليد إلى أكيدر بن عبد الملك } – رجل من كندة كان ملكاً على دومة ، وكان نصرانيّاً – فذكره مطوّلاً . ورواه أبو داود من حديث أنس بن مالك ، كما ساقه المؤلف مختصراً[4].

كما جاء بعد ذلك وفدُ نصارى نجران “عام الوفود” الذين كانوا حالفوا الروم في عدوانهم وصالحهم رسولُ الله على أن يؤدّوا الجزية كما تذكر ذلك كتبُ السِّيرة.

وهذا كان التطبيق الأوّل لمفهوم الجزية كما فهمه رسولُ الله عليه الصّلاة والسّلام وكما جاء في القرآن الكريم.

كيف فهم بعضُ فقهاء المسلمين مسألة الجِزية؟

قال القرطبي في تفسيره لآية سورة التوبة:” قوله تعالى: «قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر» لمّا حرّم اللهُ تعالى على الكفّار أن يقربوا المسجد الحرام، وجد المسلمون في أنفسهم بما قُطع عنهم من التّجارة التي كان المشركون يوافون بها، قال الله عز وجل: «وإن خفتم عيلة» {التوبة:28} (الآية). على ما تقدّم. ثم أحلّ في هذه الآية الجزية وكانت لم تُؤخذ قبل ذلك، فجعلها عوضاً مما منعهم من موافاة المشركين بتجارتهم. فقال الله عز وجل: «قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر» الآية. فأمر سبحانه وتعالى بمقاتلة جميع الكفار لاتّفاقهم على هذا الوصف، وخصّ أهل الكتاب بالذكر إكراماً لكتابهم، ولكونهم عالمين بالتّوحيد والرُّسل والشّرائع والملل، وخصوصا ذكر محمّد صلّى الله عليه وسلّم وملّته وأمّته. فلمّا أنكروه تأكّدت عليهم الحجّة وعظمت منهم الجريمة، فنبّه على محلّهم ثم جعل للقتال “غاية” وهي “إعطاء الجزية بدلاً عن القتل”. وهو الصّحيح. قال ابن العربي: سمعت أبا الوفاء علي بن عقيل في مجلس النظر يتلوها ويحتج بها. فقال: «قاتلوا» وذلك أمر بالعقوبة. ثم قال: «الذين لا يؤمنون» وذلك بيان للذنب الذي أوجب العقوبة. وقوله: «ولا باليوم الآخر» تأكيد للذنب في جانب الاعتقاد. ثم قال: «ولا يحرِّمون ما حرّم الله ورسوله» زيادة للذنب في مخالفة الأعمال. ثم قال: «ولا يدينون دين الحقِّ» إشارة إلى تأكيد المعصية بالانحراف والمعاندة والأنفة عن الاستسلام. ثم قال: «من الذين أوتوا الكتاب» تأكيد للحجّة، لأنّهم كانوا يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل. ثم قال: «حتى يُعطوا الجزية عن يد» فبيّن الغاية التي تمتدُّ إليها العقوبة وعين البدل الذي ترتفع به”[5].

يقول القرطبي إنّ الله شرعَ الجزية كتعويضٍ للمسلمين عن فقدانهم للعلاقات التجاريّة مع المشركين، وبناءً عليه فقد ألزمَ اللهُ تعالى جماعة المسلمين بمباشرة العدوان على جميع الكفار وخصّ بالذكر الذين أوتوا الكتاب “إكراماً” لكتبهم وابتغاء تحصيل الجزية منهم!!

يبدو من كلام القرطبي أنّ المسلمين ملزمون بابتداء العدوان على “الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ” ابتغاء هدفٍ واحد: تحصيل الجزية من جميع أفراد أهل الكتاب دون تمييزٍ بين المسالم منهم والمعتدي!

يظهر المسلمون بهذا التفسير كجماعة معتدية تحاول اغتصاب أموال المختلفين معها عقديّاً بالقوة لتعويض خسارة ماديّة “حدثت بسبب انقطاع العلاقات التجاريّة مع المشركين” ودون وجه حق مع أنّ كتاب الله قد نهى عن العدوان {وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ} البقرة(190:2) وأعطى حرّية العقيدة للجميع دون استثناء ودون تخيير بين القتل والجزية:

{لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} البقرة (256:2).

{وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءتْ مُرْتَفَقًا} الكهف (29:18).

{وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ} يونُس (99:10).

وقد ذكر الرّازي أيضا في تفسيره للآية المذكورة في الأعلى:” قال الواحدي: الجزية هي ما يُعطي المعاهد على عهده، وهي فعلة من جزى يجزي إذا قضى ما عليه، واختلفوا في قوله: {عن يد} قال صاحب الكشّاف قوله: {عن يد} إمّا أن يُراد به يد المعطي أو يد الآخذ، فإن كان المراد به المعطي، ففيه وجهان: أحدهما: أن يكون المراد {عن يد} مؤاتية غير ممتنعة، لأنّ من أبى وامتنع لم يعط يده بخلاف المطيع المنقاد، ولذلك يقال: أعطى يده إذا انقاد وأطاع، ألا ترى إلى قولهم نزع يده عن الطاعة، كما يقال: خلع ربقة الطّاعة من عنقه. وثانيهما: أن يكون المراد حتى يعطوها عن يد إلى يد نقداً غير نسيئة ولا مبعوثاً على يد أحد، بل على يد المعطي إلى يد الآخذ.

وأما قوله: {وهم صاغرون} فالمعنى أنّ الجزية تؤخذ منهم على الصّغار والذُّلِّ والهوان بأن يأتي بها بنفسه “ماشياً غير راكب، ويسلّمها وهو قائم والمتسلِّم جالس”. ويُؤخذ بلحيته، فيقال له: “أدِّ الجزية وإن كان يؤدّيها ويُزَجُّ في قفاه، فهذا معنى الصّغار”. وقيل: معنى الصّغار هاهنا هو نفس إعطاء الجزية، وللفقهاء أحكامٌ كثيرة من توابع الذُّلِّ والصَّغار مذكورة في كتب الفقه”[6].

لا يختلف الرّازي في تفسيره عن تفسير القرطبي لكنّه يضيف معنىً جديداً لكلمة “صاغرون” يتناقض كلّياً ليس فقط مع مقصود الآية القرآنيّة التي يفسّرها بل يتناقض حتّى مع كلِّ مبادئ الإسلام التي تدعو لمعاملة غير المسلمين بالبِرِّ والعدل ما لم يعتدوا، فحسب تفسيره لا ينبغي لمعطي الجزية أن يأتي بها راكباً، وإذا جاء راكباً فعليه أن يعود من حيث أتى ليعود مرةً أخرى ماشياً، وينبغي أن يسلّم الجزية واقفاً بينما المتسلّم جالسٌ، ويجب أن يكون له لحيةٌ وأن يُؤخذ من لحيته ويُضرب وإذا كان يلبس ثياباً جديدةً وجميلة عليه أن يبدّلها قبل تسليم الجزية إلى ثيابٍ رثّةٍ وبالية، وبعد أن يؤدّي الجزية يجب أن يُضرب من قفاه!! لَعمري إنّ هذا الإسلام الذي يدعو له الرّازي يختلف عن الإسلام الذي يريده الله القائل: { وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} (البقرة، 83) والذي حصر مهمة نبيه بقوله تعالى {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} (الأنبياء، 107)

وقد جاء في تفسير البغوي كلامٌ مماثلٌ لسابقيه:”قال الله تعالى: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر} فإن قيل: أهل الكتاب يؤمنون بالله واليوم الآخر؟ قيل: لا يؤمنون كإيمان المؤمنين، فإنهم إذا قالوا عزير ابن الله والمسيح ابن الله، لا يكون ذلك إيمانا بالله. {ولا يحرِّمون ما حرّم الله ورسوله ولا يدينون دين الحقّ} أي: لا يدينون الدين الحقّ، أضاف الاسم إلى الصِّفة. وقال قتادة: الحقُّ هو الله، أي: لا يدينون دين الله، ودينه الإسلام. وقال أبو عبيدة: معناه ولا يطيعون الله تعالى طاعة أهل الحق. {من الذين أوتوا الكتاب} يعني: اليهود والنصارى. {حتى يعطوا الجزية} وهي “الخراج المضروب على رقابهم”، {عن يد} عن قهر وذل. قال أبو عبيدة: يقال لكل من أعطى شيئا كرها من غير طيب نفس: أعطاه عن يد. وقال ابن عبّاس: يعطونها بأيديهم ولا يرسلون بها على يد غيرهم. وقيل: عن يد أي: عن نقد لا نسيئة. وقيل: عن إقرار بإنعام المسلمين عليهم بقبول الجزية منهم، {وهم صاغرون} أذلّاء مقهورون. قال عكرمة: يعطون الجزية عن قيام، والقابض جالس. وعن ابن عباس قال: “تؤخذ منه ويوطّأ عنقه” أقول:”يُداس بالأقدام على عنقه”. وقال الكلبي: “إذا أعطى صُفع في قفاه”. وقيل: يُؤخذ بلحيته ويضرب في لهزمتيه. وقيل: يُلبّب “يُمسك من ثيابه”ويجر إلى موضع الإعطاء بعنف. وقيل: إعطاؤه إياها هو الصّغار”[7].

وإذا نظرْنا في تفسير الطبري سنجدُ أنّه ينقل عن قتادة قولاً عجيباً، نقرأ من تفسير الطبري: “حدّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:”لا إكراه في الدِّين”، قال: كانت العرب ليس لها دين، فأُكرهوا على الدِّين بالسّيف. قال: ولا يُكره اليهود ولا النصارى والمجوس، إذا أعطوا الجزية”.

الله يقول: “لا إكراهَ في الدِّين”، لكنّ قتادة يقول إنّ العربَ أُكرهوا على الدين بالسّيف، مَن أكرههم إذاً؟ أيُّ دينٍ هذا؟ ويخيّر اليهود والنّصارى والمجوس بين سيف الإكراه على قبول الدِّين أو دفع الجزية ؟!!

ويرى الطبري أنّ في القرآن آياتٍ منسوخةً حين يقول أنّ الآيةَ المذكورةَ من سورة التّوبة قد نسخت الآيات التي يأمر الله فيها بالعفو والصُّفح عن طائفة من أهل الكتاب لا ترجو الخير للمسلمين لكنّها لا تعتدي عليهم:  {وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} البقرة (109:2).

لا يمكننا القبول بأنّ في القرآن آياتٍ منسوخة، لأنّ القولَ بذلك هو كفرٌ ببعض القرآن، لكنْ حين لم يميّز الطبري بين حالتي المختلفين فكريّاً عن جماعة المسلمين وبين المعتدين على جماعة المسلمين آثَرَ أن يضعَ المختلفين فكريّاً والمعتدين عمليّاً في سلّةٍ واحدة لإنهاء المشكلة لكنّها لم تنته بل تعقّدت.

لكنّ بعض الإشكاليّات تحوم حول هذا الحديث الذي يتحدّث عن الجزية وعن الهجرة إلى دار المسلمين مع أنّ آية الجزيةَ قد نزلت في السّنة التّاسعة للهجرة “أي بعد فتح مكّة” والبخاري ومسلم وآخرون يروون في كتب الحديث أنّ رسول الله قال يوم فتح مكّة: لا هجرة ولكن جهاد ونيّة وإذا استُنفرتم فانفروا[8].

الروايات المنسوبة للنبيِّ في موضوع الجزية:

1. عن جبير بن حية أن المغيرة بن شعبة قال لكسرى: “أمرنا نبيُّنا رسولُ ربّنا صلّى الله عليه وسلّم أن نقاتلكم حتى تعبدوا الله وحده أو تؤدّوا الجزية”[9]

تتناقض هذه الرّواية بالمطلق مع حريّة العقيدة التي أتاحها القرآنُ الكريم لكلّ الناس، فلا إكراهَ في الدِّين ولا إجبارَ على قبول العقائد، فكيف لعقولنا أن تصدّق أنّ رسولَ الله يخيّر الناس بين الإسلام أو أداء الجزية؟ وهو ذات الرسول الذي حمل الرسالة الإلهيّة القائلة: {لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ} الغاشية (22:88).

{وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ} يونُس (99:10).

2. «عَنْ مُعَاذٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لَمَّا بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ أَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا أَوْ عَدْلَهُ مَعَافِرَ[10]»

قال أبو داود : هو حديث مُنكَر ، قال : وبلغني عن أحمد أنّه كان ينكره ، وذكر البيهقي الاختلاف فيه، فبعضهم رواه عن الأعمش ، عن أبي وائل ، عن مسروق ، عن معاذ ، وقال بعضهم : عن الأعمش ، عن أبي وائل ، عن مسروق.

وأعلّه ابنُ حزم بالانقطاع ، وأنّ مسروقاً لم يلق معاذا[11].

3. حدّثنا قتيبة بن سعيد حدّثنا الليث عن ابن شهاب عن ابن المسيّب أنّه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول:

قال رسولُ الله صلّى الله عليه و سلّم: ( والذي نفسي بيده ليوشكنَّ أن ينزل فيكم ابنُ مريم حكماً مقسطاً فيكسر الصَّليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويفيض المال حتّى لا يقبله أحد)[12].

ما يرويه أبو هريرة منسوباً لرسول الله يتناقض مع جوهر القرآن الكريم، فكيف يحقّ لأحدٍ من البشر كائناً مَن كان تعطيلُ أحكام الله وأخذُ دوره؟

خلقَ اللهُ الخنزيرَ وجعلَ لحمَه محرّماً فما قيمةُ أمر الله إذا قتلَ عيسى ابنُ مريم الخنزير؟ وما قيمة آية سورة التوبة إذا ألغى عيسى ابنُ مريم الجزية؟

لا يمكننا قبولُ هذه المرويّة التي تعطي لواحدٍ من البشر مات بنصّ القرآن حقّ الحياة من جديد وأخذ مكان الله في إلغاء تشريعاته.

4.  حديث أنّ رسولَ الله قد أخذ الجزيةَ من مجوس هجر..

أخرجه البخارى (2/291) وكذا الشافعى (1184) وأبو داود (3043) والنسائى فى ” الكبرى ” (54/1) والترمذى (1/300) والدارمى (2/234) وابن الجارود (1105) والبيهقى (9/189) وأحمد (1/190 و194)

عن بجالة بن عبدة قال: ” لم يكن عمر أخذ الجزية من المجوس , حتّى شهد عبدُ الرّحمن بن عوف أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أخذها من مجوس هجر”.

يُجمع كلُّ المسلمين أنّ المجوسَ ليسوا من أهل الكتاب لكنّهم يقبلون حديث آحاد يقول أنّ رسولَ الله قد أخذ الجزيةَ منهم!

ونجد رواية أبو داوود كما يلي:

حدّثنا محمد بن مسكين اليمامي ثنا يحيى بن حسان ثنا هشيم أخبرنا داود بن أبي هند عن قشير بن عمرو عن بجالة بن عبدة عن ابن عبّاس قال:

جاء رجل من الأسبذيّين من أهل البحرين وهم مجوس أهل هجر إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فمكث عنده ثم خرج فسألته ما قضى اللهُ ورسولُه فيكم ؟ قال: شرٌّ. قلتُ: مَهْ ؟ قال الإسلام أو القتل قال وقال عبدُ الرّحمن بن عوف قبل منهم الجزية قال ابن عبّاس فأخذ الناس بقول عبد الرّحمن بن عوف وتركوا ما سمعت أنا من الأسبذيِّ ( يُقال هي قرية هجر يُنسبوا إليها ويقال هو اسم رجل نسبوا إليه وقال الخشني اسبذا اسم فرس بالفارسيّة . هامش د).

 يتبادر إلى الفهم من هذا الحديث أنّ رسول الله كان يحتفظ بمال الجزية الذي يأخذه من الآخرين لنفسه دون أن يشاور المقرّبين منه كعمر وأبي بكر وغيرهما. لا يمكنُ القبول بصحّة هذه الرّواية الركيكة لأنّها تفتقد إلى التوثيق اللازم وتتعارض قطعيّاً مع آية سورة التوبة التي تحدثّت بوضوح عن أهل الكتاب من غير المسلمين.

“وأمّا قَوله عليه السلام : “سنّوا بهم سنّة أهل الكتاب ، غير ناكحي نسائهم ، [ ص: 35 ] ولا آكلي ذبائحهم “; قلت : غريب بهذا اللفظ ; وأخرج عبدُ الرّزاق ، وابن أبي شيبة في ” مصنّفيهما ” عن قيس بن مسلم عن الحسن بن محمّد بن علي “أنّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم كتب إلى مجوس هجر يعرض عليهم الإسلام ، فمن أسلم قبل منه ، ومن لم يسلم ضُربت عليه الجزية ، غير ناكحي نسائهم ، ولا آكلي ذبائحهم “انتهى

قال ابن القطان في ” كتابه ” : هذا مُرسلٌ ، ومع إرساله ففيه قيس بن مسلم وهو ابن الربيع ، وقد اختُلف فيه ، وهو ممن ساء حفظه بالقضاء ، كشريك ، وابن أبي ليلى انتهى”[13]

وروى ابن سعد في ” الطبقات ” أخبرنا محمّد بن عمر الواقدي حدّثني عبد الحكم بن عبد الله بن أبي فروة عن عبد الله بن عمرو بن سعيد بن العاص  ” أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كتب إلى مجوس هجر يعرض عليهم الإسلام ، فإن أبوا عرض عليهم الجزية ، بأن لا تُنكح نساؤهم ، ولا تُؤكل ذبائحهم ” ، وفيه قصّة ; والواقدي مُتكلّم فيه.

لم يكنْ تعاملُ رسول الله عليه الصلاة والسلام مع قبائل اليهود الذين تشاركوا المعيشة مع المسلمين في المدينة خارج إطار النصّ القرآني الواضح، فلم يجبر أحداً منهم على قبول عقيدةٍ لا يريدها ولم يطلب منهم أموالاً لقاء بقائهم على معتقداتهم، بل كَتَبَ عليه الصلاة والسّلام الدّستور الذي يقنّن هذه العلاقة ويضبط الأمنَ الاجتماعيّ مرتكزاً إلى البنود الثلاثة المذكورة في سورة الممتحنة: 1. عدم العدوان من اليهود على المسلمين2. عدم إخراج المسلمين من أرضهم3. عدم مساعدة أعداء المسلمين.

ونذكر هنا بعض الشواهد التي تبيّن سلوك رسول الله مع غير المسلمين:

زار النبي صلّى الله عليه وسلّم أبا طالب وهو في مرضه، كما عاد الغلام اليهودي لما مرض[14].

[15].«إذا رأيتم الجنازة فقوموا حتى تُخلِّفكم»، فمرت به يومًا جنازة، فقام، فقيل له: إنها جنازة يهودي، فقال: «أليست نفسًا»

لمّا قَدِم وفدُ نجران -وهم من النّصارى-على محمّد صلّى الله عليه وسلّم بالمدينة، دخلوا عليه مسجدَه بعد العصر، فكانت صلاتُهم، فقاموا يصلّون في مسجده، فأراد الناس منعَهم فقال محمّد صلّى الله عليه وسلّم : «دعوهم»، فاستقبلوا المشرق فصلّوا صلاتَهم.

 تقول عائشة : تُوفّي رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم ودرعُه مرهونةٌ عند يهودي بثلاثين صاعًا من شعير.[16]

هذا هو المجتمع الذي أراده اللهُ ورسولُه..

لم يكن الأذى الذي لحق ببعض القبائل اليهوديّة بعد ذلك إلّا ردّ فعلٍ من المسلمين على انتهاكات ارتكبَتْها تلك القبائلُ لواحدٍ من تلك الخطوط الثلاثة الواضحة، ولم يلحق العقابُ إلّا بالمشاركين في تلك الانتهاكات، فيما عاش المسالمون في المدينة دون أن يتعرّضوا لشيءٍ من الأذى.

أي أنّ رسولَ الله قد طبّق النصّ القرآنيّ أفضل تطبيق وكان لنا أسوةً في طريقة صياغة العيش المشترك في المجتمع الذي تتعدّد فيه العقائد، وهو ما نجد أنفسَنا اليوم بأمسّ الحاجة له: لا إكراهَ ولا عدوان.

 الجزية في المذاهب الأربعة:

أجمعَ الفقهاء الأربعة”مالك وأبو حنيفة والشافعيّ وأحمد ابن حنبل” أنّ الجزية تُؤخذ من جميع الذّكور البالغين من أهل الكتاب من غير المسلمين ومن المجوس دون تمييز بينهم، لكنّهم اختلفوا في مقدار الجزية كما اختلفوا فيمَن تُوضع عنهم الجزية..

المذهب الحنفي يرى أن تُؤخذَ الجزيةُ من أهل الكتاب والمجوس وعبدة الأوثان من العجم ولا تُؤخذ من عبدة الأوثان من العرب..

وأمّا مقدارُ الجزية: يوضع على الغني ثمانية وأربعون درهماً وعلى المتوسّط أربعة وعشرون وعلى الفقير اثنا عشر. ثم اختلفوا في حدِّ الغنيِّ والفقير والمتوسِّط. قال: والمختار أن ينظر في كلِّ بلد إلى حال أهله وما يعتبرونه في ذلك فإنّ عادة البلاد في ذلك مختلفة.

وقال الشافعيّ: ويُجعل على الفقير المعتمل دينار وعلى المتوسّط ديناران وعلى الغنيِّ أربعة دنانير وأقلُّ ما يُؤخذ دينار وأكثره ما وقع عليه التراضي ولا يجوز أن ينقص من دينار.

وقال: أصحاب مالك: أكثر الجزية أربعة دنانير على أهل الذَّهب وأربعون درهماً على أهل الورق1 ولا يزاد على ذلك فإن كان منهم ضعيف خُفِّف عنه بقدر ما يراه الإمام.

وأمّا الإمام أحمد رحمه الله تعالى فقد اختلفت الرواية عنه فنقل أكثر أصحابه عنه أنها مقدّرة الأقل والأكثر فيؤخذ من الفقير المعتمل1 اثنا عشر درهما ومن المتوسّط أربعة وعشرون ومن الموسر ثمانية وأربعون.

وتجب الجزية في آخر الحول ولا يطالبون بها قبل ذلك هذا قولُ الإمام أحمد والشافعي،  وقال أبو حنيفة: تجب بأوّل الحَوْل وتُؤخذ منه كلَّ شهر بقسطه ولأبي حنيفة رحمه الله تعالى أصل في الجزية وهي أنّها عنده عقوبة محضة يسلك بها مسلك العقوبات البدنيّة ولهذا يقول إذا اجتمعت عليه جزية سنين تداخلت كما تتداخل العقوبات ولو أسلم وعليه جزية سنين سقطت كلُّها كما تسقط العقوبات ولو مات بعد الحول وقبل الأخذ سقطت عنه.

ولا جزية على صبيٍّ ولا امرأة ولا مجنون: هذا مذهب الأئمّة الأربعة وأتباعهم. قال: ابن المنذر ولا أعلم عن غيرهم خلافهم. وقال: أبو محمّد [ابن قدامة] في المغني “لا نعلم بين أهل العلم خلافاً في هذا”.

فإذا بلغ الصبيُّ من أهل الذمّة وأفاق المجنون لم يحتج إلى تجديد عقد وذمّة بل العقد الأوّل يتناول البالغين ومن سيبلغ من أولادهم أبداً وعلى هذا استمرّت سنّةُ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وسنّةُ خلفائه كلِّهم في جميع الأعصار حتّى يومنا هذا لم يفردوا كلَّ من بلغ بعقد جديد.

وقال الشافعيُّ: يُخيَّر البالغون والمفيق بين التزام العقد وبين أن يُردَّ إلى مأمنه فإن اختار الذمّة عُقدت له وإن اختار اللحاق بمأمنه أُجيب إليه.

قال: القاضي في الأحكام السلطانيّة وقول الجمهور أصحُّ وأولى فإنّه لم يأت عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم ولا عن أحد خلفائه تجديدُ العقد لهؤلاء ولا يُعرف أنّه عمل به في وقت من الأوقات ولا يُهمل الأئمّةُ مثل هذا الأمر لو كان مشروعاً. ولأنّهم دخلوا في العقد تبعاً مع أوليائهم كما كانوا يدخلون في عقد الهدنة تبعاً ولأنّه عقدٌ مع الكفار فلم يحتج إلى استئنافه لهؤلاء كعقد المؤمنين وكيف يجوز إلحاقه بمأمنه وتسليطه على محاربتنا بماله ونفسه؟ وأيُّ مصلحة للإسلام في هذا؟ وأيُّ سنَّة جاءت به وأيُّ إمام عمل به؟

وإذا كان البلوغ والإفاقة في أوّل حول قومه أُخذت منه الجزيةُ في آخره معهم وإن كان في أثنائه أُخذ منه في آخره بقسطه ولم يُترك حتّى يتمَّ حوله لئلّا يحتاجَ إلى إفراده لحول وضبط حول كل واحد منهم وذلك يفضي إلى أن يصير لكلِّ واحدٍ حول مفرد.

وقال أصحابُ مالك: وإذا بلغ الصبيُّ أُخذت منه عند بلوغه ولم ينتظر مرور الحول بعد بلوغه.

ولا جزية على فقير عاجز عن أدائها: هذا قولُ الجمهور.

وللشافعيِّ ثلاثةُ أقوال هذا أحدها.

والثاني: يجب عليه وعلى هذا قولان:

أحدهما: أنّه يُخرَجُ من بلاد الإسلام أو لا سبيل إلى إقامته في دار الإسلام بغير جزية.

والثّاني: تستقرُّ في ذمته وتُؤخذ منه إذا قدر عليها.

ولا جزية على شيخ فان ولا زمن ولا أعمى ولا مريض لا يُرجى برؤه بل قد أيس من صحّته وإن كانوا موسرين وهذا مذهب أحمد وأصحابه وأبي حنيفة ومالك والشافعيّ في أحد أقواله لأنّ هؤلاء لا يُقتلون ولا يُقاتلون فلا تجب عليهم الجزيةُ كالنساء والذريّة.

قال الشافعيُّ في القول الآخر: تجب عليهم الجزية بناء على أنّها أجرةُ السّكنى وأنّهم رجالٌ بالغون موسرون فلا يقيمون في دار الإسلام بغير جزية.

أمّا الرّهبان فإن خالطوا النّاس في مساكنهم ومعايشهم فعليهم الجزية باتّفاق المسلمين وهم أولى بها من عوامِّهم فإنّهم رؤوس الكفر وهم بمنزلة علمائهم وشمامستهم وإن انقطعوا في الصّوامع والدّيارات لم يخالطوا الناس في معايشهم ومساكنهم فهل تجب عليهم الجزية؟ فيه قولان للفقهاء وهما روايتان عن الإمام أحمد أشهرهما لا تجب عليه وهو قول محمّد والثانية تجب عليه وهو قولُ أبي حنيفة إن كان معتملاً. وقال أحمد: تُؤخذ من الشمّاس والرّاهب وكلِّ من أنبت وهو ظاهر قول الشافعيّ.

وأمّا الفلّاحون الذين لا يُقاتلون والحرّاثون فظاهر كلام الأصحاب أن تُؤخذ منهم الجزية لأنّهم لم يستثنوهم مع من استُثني وظاهر كلام أحمد أنّه لا جزية عليهم فإنّه قال: من أطبق بابه على نفسه ولم يُقاتل لم يُقتل ولا جزية عليه. وقال في المغني: فأمّا الفلّاحُ الذي لا يُقاتل فينبغي ألا يُقتل لما رُوي عن عمر بن الخطّاب رضي الله عنه أنّه قال: اتّقوا الله في الفلّاحين الذين لا ينصبون لكم في الحرب. وقال: الأوزاعيُّ: لا يُقتل الحرّاثُ إذا عُلم أنّه ليس من المقاتلة. وقال الشافعيُّ: يُقتل إلّا أن يؤدّيَ الجزية لدخوله في عموم المشركين وأمّا قولُ عمر فإنّ أصحاب النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم لم يقتلوهم حين فتحوا البلاد ولأنّهم لا يقاتلون فأشبهوا الشّيوخ والرّهبان.

وأمّا العبدُ فإن كان سيّدُه مسلماً فلا جزية عليه باتفاق الفقهاء ولو وجبت عليه لوجبت على سيِّده فإنّه هو الذي يؤدّيها عنه.

فإنْ عُتق العبد فهل تجب عليه الجزية؟ فيه روايتان عن أحمد إحداهما أنّ الجزية واجبةٌ عليه سواء كان المُعتِق مسلما أو كافرا: وهذا ظاهر المذهب وقول أكثر أهل العلم منهم الإمام الشافعيّ وأبو حنيفة والليث بن سعد وسفيان الثوريّ وغيرهم.

وعن الإمام مالك روايتان أيضاً: إحداهما أنّ عليه الجزية إن كان المُعتِقُ له مسلماً فلا جزية عليه إنّ عليه الولاء لسيّده وهو شعبةٌ من الرِّقِّ وإنَّه عبدُ المسلم.

ومَنْ أسلم سقطت عنه الجزية سواء أسلم في أثناء الحول أو بعده. ولو اجتمعت عليه جزيةُ سنين ثمَّ أسلم سقطت كلُّها هذا قول فقهاء المدينة وفقهاء الرّأي وفقهاء الحديث إلّا الشافعيّ وأصحابه فإنّه قال: إنْ أسلم بعد الحول لم تسقط لأنّه دَيْنٌ استحقّه صاحبُه واستحقّ المطالبةَ به في حال الكفر فلم تسقط بالإسلام.

فإن مات الكافر في أثناء الحول سقطت عنه ولم تُؤخذ بقدر ما أدرك منه وإن مات بعد الحول فذهب الشافعيُّ إلى أنّها لا تسقط وتُؤخذ من تركته وهو ظاهر كلام أحمد. وقال أبو حنيفة: تسقط بالموت وحكاه أبو الخطّاب عن شيخه القاضي. قال أبو عبيد: وأمّا موت الذّمّي في آخر السَّنة فقد اختُلف فيه.

فإن اجتمعت عليه جزية سنين استُوفيت كلُّها عند الجمهور.

اختلف الفقهاء في قبول الجزية من المشركين‏:‏

فذهب جمهور الفقهاء من الشّافعيَّة، والحنابلة في أظهر الرِّوايتين عن أحمد وابن الماجشون من المالكيَّة إلى أنَّ الجِزية لا تُقبَلُ من المشركين مطلقاً، أي سواء أكانوا من العرب أو من العجم، ولا يُقبَل منهم إلاّ الإسلامُ، فإنْ لم يُسلموا قُتِلوا‏.‏ واستدلُّوا لذلك بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قَاتِلُوا الَّذينَ لا يُؤمنونَ باللَّهِ‏}‏‏.‏ ‏{‏من الَّذينَ أُوتوا الكِتابَ حتَّى يُعطُوا الجِزْيةَ عَنْ يَدٍ وهم صَاغِرُون‏}‏‏.‏ فالآيةُ تقضي بجواز أخذ الجزية من أهل الكتاب خاصَّة، ولا دلالة للّفظ في حقِّ غيرهم من المشركين‏.‏ وروى البخاريُّ – بسنده – إلى أبي هريرة رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول اللّه صلَّى الله عليه وسلَّم‏:‏ «أُمرتُ أن أقاتل النَّاس حتَّى يقولوا لا إله إلاّ اللّه فمن قال لا إله إلاّ اللّه فقد عصم منّي نفسَه ومالَه إلاّ بحقّه وحسابُه على اللّه»‏.‏ فالحديث عامٌّ يقتضي عدم قبول الجزية من جميع الكفّار، ولم يُخصَّصُ من هذا العموم إلاّ أهل الكتاب والمجوس فمن عداهم من الكفّار يبقى على قضيَّة العموم، فلا تقبل الجزيةُ من عبدة الأوثان سواء أكانوا عرباً أم عجماً ولأنّ المشركين من عبدة الأوثان لم يكن عندهم مقدّمة ‏(‏سابقة‏)‏ من التّوحيد والنّبوّة وشريعة الإسلام، فلا حرمة لمعتقدهم‏.‏

 وذهب الحنفيّة ومالك في رواية حكاها عنه ابن القاسم، وأخذ بها هو وأشهب وسحنون وكذا أحمد بن حنبل في رواية حكاها عنه الحسن بن ثواب، ذهبوا إلى أنَّ الجزية تُقبل من المشركين إلاّ مشركي العرب‏.‏ واستدلّوا لذلك بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَاقتُلُوا المُشركينَ حيثُ وجدتموهم‏}‏‏.‏ فهو خاصّ بمشركي العرب، لأنّه مرتّب على قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فإذا انْسَلَخَ الأشْهرُ الحُرمُ فَاقتلُوا المشْرِكينَ‏}‏‏.‏ وهي الأشهر الأربعة الّتي كان العرب يحرّمون القتال فيها‏.‏ ولأنّ النّبيَّ صلَّى الله عليه وسلّم لم يأخذ الجزية من مشركي العرب‏.‏

روى عبد الرّزّاق من حديث الزّهريّ «أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم صالح عبدة الأوثان على الجزية إلاّ من كان منهم من العرب»‏.‏

وقال ابن جرير الطّبريّ‏:‏ ‏”‏ أجمعوا على أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلّم أبى أخذ الجزية من عبدة الأوثان من العرب، ولم يقبل منهم إلاّ الإسلام أو السّيف ‏”‏‏.‏

واستدلّوا من المعقول‏:‏ بأنّ كفرهم قد تغلّظ، لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم نشأ بين أظهرهم، والقرآن نزل بلغتهم، فالمعجزة في حقّهم أظهر، لأنّهم كانوا أعرف بمعانيه ووجوه الفصاحة فيه‏.‏ وكلّ من تغلّظ كفره لا يقبل منه إلاّ الإسلام، أو السّيف لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ من الأعْرَابِ سَتُدعَونَ إلى قَومٍ أُولي بَأسٍ شَديدٍ تُقَاتِلُونَهمْ أو يُسْلِمُونَ‏}‏ أي تقاتلونهم إلى أن يسلموا‏.‏ وذهب مالك في قول وهو الرّاجح عند المالكيّة، والأوزاعيّ إلى أنّ الجزية تقبل من جميع الكفّار، ومنهم المشركون وعبدة الأوثان، سواء أكانوا من العرب، أم من العجم، وسواء أكانوا قرشيّين أم غير قرشيّين‏.‏

واستدلّوا لذلك بحديث بريدة قال‏:‏ «كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إذا أمّر أميراً على جيش أو سريّة، أوصاه في خاصّة نفسه بتقوى اللّه‏.‏‏.‏‏.‏ وقال‏:‏ اغزوا باسم اللّه‏.‏ وإذا لقيت عدوّك من المشركين، فادعهم إلى ثلاث خصال أو خلال‏.‏ فأيّتهنّ ما أجابوك فاقبل منهم وكفّ عنهم» وذكر من هذه الخصال الجزية‏.‏ فقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «عدوّك من المشركين» إمّا أن يكون خاصّاً بعبدة الأوثان ونحوهم من غير أهل الكتاب، وإمّا أن يكون عامّا في جميع الكفّار من أهل الكتاب وعبدة الأوثان‏.‏ وعلى كلّ منهما يحصل المقصود وهو قبول الجزية من عبدة الأوثان، لأنّه لو اختصّ بغير أهل الكتاب من عبدة الأوثان‏.‏

فالحديث يفيد قبول الجزية من عبدة الأوثان، وإذا كان عامّا فيستفاد منه أيضا قبول الجزية من عبدة الأوثان وأهل الكتاب‏.‏ واستدلّوا لقبول الجزية من عبدة الأوثان بالقياس على أهل الكتاب والمجوس‏.‏ ونقل عن مالك أنّ الجزية تقبل من جميع الكفّار إلاّ مشركي قريش‏.‏

وقد أخذ بهذا النّقل كلّ من ابن رشد صاحب المقدّمات، وابن الجهم من المالكيّة‏.‏

وقد اختلف المالكيّة في تعليل عدم أخذ الجزية من مشركي قريش‏:‏ فعلّله ابن الجهم بأنّ ذلك إكرام لهم، لمكانهم من النّبيّ صلى الله عليه وسلّم‏.‏

وعلّله القرويّون بأنّ قريشاً أسلموا كلّهم قبل تشريع الجزية، فلم يبق منهم أحد على الشّرك، فمن وجد منهم بعد ذلك على الشّرك فهو مرتدّ، فلا تؤخذ منه الجزية‏.‏

الخاتمة:

إنّ فهمَ بعض الفقهاء المسلمين لموضوع الجزية بعيداً عن جوهره لا يمكن أن يكون ملزماً لنا ولا حجّةً علينا، فكتاب الله بين أيدينا، كما أنّنا لن نُسأل عن ممارسات بعض الحكّام المسلمين الذين راحوا يفرضون الأتاوات الماليّة على الناس باسم الدِّين، فتلك أمّةٌ قد خلتْ لها ما كسبتْ وعليها ما اكتسبتْ، ولعلّنا نذكر هنا مثالاً عن سوء تطبيق الآية القرآنيّة التي تحدّثت عن الجزية:

عياض بن غنم رأى نبطاً يُشَمّسون في الجزية فقال: إنّي سمعتُ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: (إن الله تبارك وتعالى يعذِّب الذين يعذِّبون النَّاس في الدُّنيا) رواه الإمام أحمد في المسند (3/404) رقم (15370).

لم يثبتْ عن النبيّ عليه السّلام أنّه أخذ الجزية من اليهود الذين كانوا يعيشون معه واستمرّ بعضُهم في العيش في المدينة بعد نزول سورة التّوبة مع أنّهم كانوا الأوْلى بتطبيق مفهوم الجزية لو كان صحيحاً ما فهمه الكثير من المفسِّرين والفقهاء الذين وضعوا آيةً واحدةً أمام أعينهم وراحوا يشرّقون ويغرّبون في تحليلها وتفسيرها بعيداً عن ربطها بالآيات الأخرى وتناسوا أنّ كتاب الله وحدةٌ كاملةٌ من الآيات التي تفسّر بعضُها بعضاً فلا نستطيع اقتطاع جزءٍ منه لفهمه بشكلٍ صحيح دون المرور على كل الآيات المتعلِّقة به.

وقف السليمانية/ مركز بحوث الدين والفطرة

الموقع: حبل الله www.hablullah.com

هشام العبد



[1] معجم المعاني الجامع” يَدْ”

[2] مسلم، كتاب الجهاد 3261

[3] ابن الأثير، الكامل في التاريخ/ سيرة ابن هشام/ المغازي للواقدي

[4] أبو داوود والبيهقي

[5] تفسير القرطبي، سورة التوبة، الآية 29

[6] تفسير الرازي، سورة التوبة، الآية 29

[7] تفسير البغوي، سورة التوبة، الآية 29

[8] البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب لا هجرة بعد الفتح، 2912

[9] البخاري، 2925

[10]. أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي والدارقطني وابن حبان والحاكم والبيهقي

[11] العسقلاني، التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير، ص 224

[12] البخاري، باب نزول عيسى، 2109/ مسلم، باب نزول عيسى

[13] نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية

[14] البخاري 1356

[15] البخاري ومسلم

[16] البخاري ومسلم

Facebook'ta PaylaşTwitter'da Paylaş


 تعليقات القراء:

  1. بسام dedi ki:

    السلام عليكم ورحمة الله
    انا اتعجب لأمر بعض الفقهاء المسلمين انهم عندما يعجزون عن تفسير آية من آيات القرآن (بسبب عدم رؤية الآية من ابعاد مختلفة وقياسها وفق ما يوافقها ويخالفها من الآيات الاخرى)
    فإنهم لا يعترفون بأنهم لم يجدو تفسيرا لها رغم ان هذا لن يعيبهم فبالنهاية هم من البشر ولكنهم يلجأون لأفكار أخرى لحل هذه المشكلة بإبتداع أقوال مختلف تساعدهم على حل مشكلتهم مثل ابتداع ان آية تنسخ آية اخرة وهذا خطأ وهم بهذه الطريقة يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض ولعل ما وصل إليه الإسلام اليوم وما يتعرض له من انتقادت على انه يحرض على القتل والاعتداء و… هو بسبب تفسير بعض الفقهاء للنصوص القرآنية بما لا يتناسب مع هذه الآية ومضمونها و على علماء المسلمين المعاصرين اعادة النظر لهذه التفاسير و ارشاد المسلمين الى المنهج الصحيح و الطريق القويم ليصل لإسلام كما اراده الله ورسوله فهؤلاء الفقهاء اجتهدو ونحن نقدر جهودهم و نقد ما اوضحوه لنا مما كنا نجهل ولكنهم بشر وهم غير معصومين عن الخطأ كما عصم الرسول صل الله عليه وسلم.

  2. أحمد محمد dedi ki:

    شغلتنا هذه القضية سنين طويلة ولم أرَ من قبل طرحاً جميلاً كما فعل صاحب المقالة، بارك الله بكم

  3. أنس عالم أوغلو dedi ki:

    إنّ البحوث العلميّة التي أُجريت في وقف السليمانيّة لأبحاث الدِّين والفطرة جديرةٌ بالاهتمام لأنّها تستند على منهج الرّبط بين آيات القرآن لاستخلاص الحكمة منها في الوقت الذي ترك فيه النّاسُ هذا المنهجَ منذ زمنٍ بعيد.
    إنّ منهجَ استخراج الحكمة من الآيات القرآنيّة الذي علّمه النبيُّ عليه الصّلاة والسّلام لأصحابه الكرام رضي الله عنهم وطبّقوه في حياتهم أدخلَ نورَ الإيمان في قلوب الناس ونشَرَ عدالةَ الإسلام في الدِّيار المختلفة.
    ولذلك أرى أنَّ كلَّ بحثٍ أُجري في هذا الوقف يُعدُّ اكتشافاً واختراعاً واجتهاداً طيّباً ويراه كثيرٌ من الناس شيئاً جديداً ولكنّ الحقيقة تقول أنّ المعنى الذي اشتمل عليه البحثُ موجودٌ في كتاب الله لهم، ولكنّهم لم يصلوا إليه باتّخاذهم ذلك الكتاب مهجوراً.
    يجتهدُ الوقفُ منذ تأسيسه في إزالة العقبات التي ألقيت على طريق فهم القرآن ومنعت كثيراً من الناس من الوصول إليه، تلك العقبات التي أُلقيت دون كتاب الله باسم التفسير تارةً وباسم الفقه تارةً وباسم الرواية تارةً أُخرى فعرقلتْ فهم الناس لكتاب الله، وقد اتّخذ الوقفُ من إزالة هذه العقبات وظيفةً له.
    أعتقدُ أنّ البحث الذي بين أيدينا”علاقة المسلمين مع غير المسلمين..الجزية نموذجاً” هو من تلك البحوث القيّمة التي عالجََها الوقف، وأرى أنّ كاتب هذا البحث قد تجرّد في بحثه عن الأحكام المُسبقة، وركّزَ بحثّه في فهم هذه المسألة من الآيات التي تؤصّلُ قواعد العلاقة التي ينبغي أن تسود بين المسمين وغير المسلمين ومن الآيات التي تضبط قواعد الحرب في الإسلام.
    أعتقدُ أنّ بحث أخي هشام العبد في “الجزية” بحثٌ رائعٌ جدّاً يليق بالطبع والنشر في مجلّة “الكتاب والحكمة” وفي المواقع الألكترونيّة الشبكيّة.
    لله درُّك يا أخي! بارك اللهُ فيك وسلمتَ يداك من الآلام وقلبُك من الأحزان.

تعليقك على الموضوع  
التعليق *
* ضرورة إدخال هذا الحقل باللغة العربية

شوهد 1.817 مرة/مرات
الموضوعات ذات الصلة بهذا الموضوع