من هو الرسول المصدِّق؟
حبل الله > الإيمان > التفسير > الفتاوى تاريخ النشر: 14/05/2016 Tavsiye Et Yazdır
السؤال: قال الله تعالى {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ} (آل عمران، 81) هل هذا _فعلا_ دليلٌ على أن هناك رسولا سيأتي بعد النبي محمد , حيث ان النبيين هم جميع الأنبياء أي أن النبي محمد هو أيضا ضمن الأنبياء الذين أخذ منهم الميثاق؟

الجواب:

لا بد أولا من التفريق بين مصطلحي النبي والرسول، حيث أن النبي هو من اصطفاه الله تعالى لتلقي الوحي وتبليغه للناس، وبناء على ذلك فهو رسول بالضرورة. أما الرسول فهو حامل الرسالة ومبلغها. وعليه ربما يكون الرسول نبيا وربما لا يكون. فكل من بلغ القرآن إلى الناس كما أنزله الله تعالى فهو رسول، ويمكننا القول إن كلّ نبيٍّ رسول وليس كل رسول نبيا. فالرسالة قائمة بعد محمد صلى الله عليه وسلم لكن النبوة قد ختمت به[1].

أما الرَّسول المذكور في الآية التي أوردتها في سؤالك فهو محمد صلى الله عليه وسلم وليس غيره. وهناك ثلاثة أدلة على ذلك:

الدليل الأول:

لقد وردت الآية التي ذكرتها في سياق آيات طوال تتحدث عن أهل الكتاب وموقفهم من خاتم النبيِّين محمد صلى الله عليه وسلم، وقد كانت البداية من الآية 19 من سورة آل عمران، حيث قال الله تعالى:

{إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ. فَإِنْ حَاجُّوكَ (الخطاب هنا للنبي) فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (آل عمران، 19_20)

وفي سياق الآيات يأمر الله تعالى نبيه محمدا بخطاب أهل الكتاب بما يلي:

{قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ. قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} (آل عمران، 31_32)

وتواصل الآيات الحديث عن مكر أهل الكتاب بالنبيِّ وأتباعه ومحاولات إضلالهم وصدِّهم عن دينهم.. ثم تأتي الآية 81 من السورة لتذكِّر أهل الكتاب بالعهد الذي أخذه أنبياؤهم عليهم الذي يقتضي الايمان بخاتم النبيين واتِّباعه ونصرته؛ لأنه يأتي بالرسالة الأخيرة المُصدِّقة لما معهم:

{وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ} (81)

وقد وردت كلمة رسول نكرة؛ لأنّ الحديث عن رسول لم يُبعث بعد، لكن وردت ذات الكلمة (الرسول) بصيغة المعرفة في الآية 86 من نفس السورة :

{كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ (محمد) حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} (آل عمران، 86) فكلمة الرسول جاءت محلاة بالأف واللام ، وهي لام العهد والمقصود الرسول المذكور سابقا، أي الذي ورد ذكره في الآية 81 من السورة.

الدليل الثاني:

اُنظر إلى قوله تعالى في سورة البقرة: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} (البقرة، 91) فلو أقمت العلاقة بين الآية التي ذكرت في سؤالك وهذه الآية لعرفت أن المقصود بالرسول هو محمد صلى الله عليه وسلم، فالآية التي ذكرتها تحدثت عن الرسول المصدِّق، وهذه الآية (19 من سورة البقرة) تحدثت عن الكتاب المصدق، والكتاب المصدق هو القرآن والرسول المصدق هو محمد صلى الله عيه وسلم.

الدليل الثالث:

ثم لو تتبعت الكتب السابقة لوجدت الأنبياء جميعهم بشَّر بالنبي محمد وأمر باتباعه، لذا كان أهل الكتاب على علم تام بمبعثه، بل كانوا بانتظاره.

يقول الله تعالى: {وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ} (البقرة، 89)

وقال أيضا: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} (الأنعام، 20) والهاء في يعرفونه تعود على النبي صلى الله عليه وسلم، لأن الآية في سياق نكرانهم له ولرسالته.



[1]  انظر مقالة (النبي والرسول وضرورة التفريق بينهما ) على هذا الرابط http://www.hablullah.com/?p=1239

Facebook'ta PaylaşTwitter'da Paylaş

تعليقك على الموضوع  
التعليق *
* ضرورة إدخال هذا الحقل باللغة العربية

شوهد 3.019 مرة/مرات
الموضوعات ذات الصلة بهذا الموضوع