تأثير البلاسيبو
حبل الله > الفتاوى > فقه الصحة العامة تاريخ النشر: 19/04/2016 Tavsiye Et Yazdır
السؤال: قرأت قبل يومين موضوع حول الايحاء النفسي او الذاتي و كيف انه شيء خارق للعادة حيث يمكنك أن تُشفى من أي مرض ويمكنك أن تمرض بل إنه قد يؤدي بك إلى الموت ,,, و قد تحدث الملحدون في هذه الجزئية بالضبط حيث قالوا ,, ان الدعاء هو مجرد ايحاء نفسي فقط وأنه كما ان الناس تشفى عند الذهاب الى الحرم المكي ,, اخرون يشفون عند الذهاب الى الكنيسة وآخرون عند القبور وما الى ذلك,,, فان الدعاء هو نوع من أنواع الايحاء الذاتي فقط,, وأن الناس التي تشفى عند الدعاء هي تشفى بالإيحاء و لا دخل للدعاء أو الإله في أي شيئ ,,, بل يذهبون الى انه مثلا لو قال لك شخص سوف تموت غدا و صدقته سوف تموت غدا,, وهذا معزز بتجارب لعلماء كبار وانها معروفة في الطب باسم البلاسيبو,,, يقولون ايضا ان الشفاء نحن من نجلبه لانفسنا,,ان كنت انا من يشفي نفسي و انا من امرض نفسي و انا من يرزق نفسي و انا من يطعم نفسي جميع هذه الاشياء بالايحاء , فما الفائدة من وجود اله على حسب هذا القول وما الفائدة من الدعاء ؟.

الجواب:

يعرف العلماء البلاسيبو بأنه أي إجراء علاجي يتم إيهام المريض بأنه إجراء فعَّال، وهو وهمي غير حقيقي، ومن الممكن أن تشمل البلاسيبو حبوب الأدوية الوهمية والحقن المائية وحتى العمليات الجراحية الكاذبة.
وعلى مدى عقود خضع كثير من الناس لتجارب متعددة واستعملوا آلاف الوصفات والأدوية الوهمية في محاولة لفهم تأثير البلاسيبو ودائماً ما كانت النتائج مربكة ومحيرة وتدل على تعقيد عملية التفكير لدى الإنسان وتباينها من شخص لآخر.

ففي إحدى التجارب قام الأطباء بإعطاء حقن للمرضى وأخبروهم أنها تحتوي على مسكن قوي ضد الألم، و الواقع أن نصف المرضى فقط هم الذين أخذوا مسكناً حقيقياً، في حين أخذ نصفهم الآخر محلولاً ملحياً فقط، لكن العجيب أن كلا الفريقين أبدى استجابة مشابهة في درجة تحمل الألم.

وفي دراسة أخرى أجريت في جامعة دنفر الأمريكية عام 2004، تم إخضاع مرضى بحالات متقدمة من داء الباركنسون إلى جراحة تجريبية تهدف لزرع خلايا عصبية جنينية في أدمغتهم تساعد على تعويض مادة الدوبامين التي تفقدها خلاياهم العصبية، وقد تم إخضاع نصف المجموعة لجراحة حقيقية ونصفهم لجراحة كاذبة، والعجيب في الأمر أن كلا الفريقين أبدى شعوراً متقارباً بالتحسن في طبيعة الحياة اليومية بعد الجراحة.!

ولا يقتصر تأثير البلاسيبو على الإجراءات المباشرة كالأدوية والجراحة بل إنَّ لاوعي المريض يلعب دوراً كذلك، فمجرد رؤية المريض للمعطف الأبيض للطبيب أو دخوله للمستشفى أو حتى تنشقه لرائحة المطهرات المميزة في المستشفيات كفيلة بإشعاره بنوع من التحسن.

ليس كذلك وحسب بل حتى سعر الدواء واسمه وجرعته تلعب دوراً في تأثير البلاسيبو الذي يرافقه. فبين دواء يكلف عشرة سنتات ودواء يكلف دولارين ونصف الدولار أبدى المرضى الذين تعاطوا الدواء الأغلى شعوراً أفضل بالتحسن على الرغم من أن كليهما وهمي.

لكن ما مدى أخلاقية وصف الأدوية الوهمية للمرضى؟ و هل هي حقاً فعَّالة على المدى الطويل؟ و هل استجابة المريض لدواء وهمي كفيلة بشفائة أم إنها تحجب التشخيص الدقيق لحالته و تؤخر شفاءه الفعلي؟

في الدانمارك خلصت دراسة أجريت على أطباء العموم أن 50 ٪ منهم يصفون أدوية وهمية للمرضى معظمها مضادات حيوية لحالات الرشح الفيروسي أو بعض الفيتامينات لحالات الإجهاد، وبرر الأطباء تلك الوصفات رغم علمهم بعدم جدواها بأنها تمنح المريض نوعاً من الارتياح والثقة[1].

هذه الخاصية المعقدة التي أودعها الله تعالى في الانسان هي أساس استجابته للعلاجات الخارجية، فلو لم يكن في الانسان هذه الطبيعة القابلة للشفاء لما نفع الدواء ولأصبح محتاجا للاصلاح المادي المكنيكي كالآلة تماما.

إن الانسان مخلوق من مادة وروح، وطبيعة خلقه تتجلى في كل نواحي حياته، فبقدر ما يحتاج إلى الطعام والشراب كغذاء لمادة خلقه، فإنه بحاجة إلى العلم والمعرفة لاشباع جانبه الروحي، وهذا ما يُفسر العلاقة القائمة بين العلاج بصفته المادية وبين القناعة بجدواه بوصفها المحفز اللامادي لاستجابة الجسم له.

أما الدعاء فله علاقة وثيقة بالشفاء؛ لقناعة المريض بجدواه أولا، وهذا الجانب يتفق عليه البشر جميعا مؤمنهم وكافرهم. أما استجابة الله تعالى لدعاء المؤمن وشفاؤه نتيجة للدعاء فهذا ما يختلف به المؤمن عن الكافر، والمؤمن يعتقد جازما أن الله تعالى يستجيب دعاءه وهو على يقين من قوله تعالى {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} (غافر،60) وليس غريبا أن يذكر الله تعالى المستكبرين عن عبادته بعد بيانه انه يستجيب دعوة المؤمن، لأن من يترك الدعاء عتوا وكبرا فلا يستحق سوى أن يكون داخرا في جهنم.

أن فصل العلم عن الدين أدى إلى الشطط في الأفكار المتعلقة بالموضوع، فتراهم يخلطون الحق بالباطل، ويستدلون بما هو علائم إبداع الله تعالى في الخلق على عدم وجوده سبحانه، حيث ينطبق عليهم قوله تعالى {وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ. فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} (الأنعام، 5)

الباحث إذا تجرد عن الدين فستكون نتائج بحثه مشوهة، تماما كعالم الدين الذي يتجرد عن العلم فسيكون نتائج بحثه مشوهة بالقدر نفسه. ولو صدقوا في زعمهم لا يبقى حاجة الى الطب والمستشفيات والعلاج، ولما يبقى حاجة إلى العمل والجد والاجتهاد لأنه _بحسب زعمهم_ يمكنك أن تكون غنيا بتفكيرك بالغنى ويمكنك أن تعيش أبد الدهر إذا فكرت بالحياة الأبدية. وكما ترى فإن كلامهم يخالف مسلّمات المعرفة. لذا لا يصح نسبة مثل هذه الملومات الزائفة إلى (العلماء الكبار).

إن آيات الله قسمان؛ منزلة: متمثلة بالقرآن الكريم، ومخلوقة: متمثلة بهذا الكون الفسيح وما فيه من عجائب الخلق. والمسلم الحق هو الذي يربط بين الآيتين في كل بحوثه وسعيه للمعرفة، فإن فعل توصل إلى المعارف الساطعة والحقائق المطلقة، وإن أغفل إحدى الآيتين فنتائج بحثه سيشوبها العور والخلل.



[1]  انظر فراس عالم، صحيفة الشرق http://www.alsharq.net.sa/2012/10/13/532999

Facebook'ta PaylaşTwitter'da Paylaş


 تعليقات القراء:

  1. مقال يستحق القراءة جزاكم الله خيرا

تعليقك على الموضوع  
التعليق *
* ضرورة إدخال هذا الحقل باللغة العربية

شوهد 1٬487 مرة/مرات