استرقاق أسرى الحرب واتخاذ الجواري

استرقاق أسرى الحرب واتخاذ الجواري

أ.د عبد العزيز بايندر

استرقاق الأسرى واتخاذ الجواري والاستمتاع الجنسي منهن بدون عقد النكاح قد تقرر على خلاف القرآن الكريم. وبالرغم من وضوح الآيات المتعلقة بهذا الموضوع إلا أنه تم تحريف معانيها وتطويعها لينتهي الأمر بخلق تصور جديد مؤداه إمكانية استرقاق أسرى الحرب واتخاذ الجواري من النساء بقصد المتعة الجنسية، والعجيب أن هذا التصور أصبح حكما فقهيا اتفقت عليه كلمة علماء المذاهب من أهل السنة والشيعة على حد سواء.

أ_ استرقاق أسرى الحرب

المسلم الحق من يعمل على تحكيم دين الله في شوؤنه وليس تحكيم أهوائه، وعندما يبدأ المسلم بتطويع أحكام دينه لتتناسب مع مصالحة الأنانية فإنه سيخرج لنا بدين جديد مخالف لدين الله الحق. البدء بالحرب دون مبرر لتحقيق المزيد من المكاسب هو الفساد بعينه، كما أن عدم مواجهة المعتدي من العدو سيؤدي الى نتائج وخيمة. يقول الله تعالى

{وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} (البقرة، 190)

معركة بدر كانت الحرب الأولى في الاسلام، وقبل حدوثها أنزل الله تعالى في كتابه:

{فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا} (محمد، 4)

إن إطلاق سراح الأسرى مباشرة بعد الحرب التي أُثخن فيها العدو يبدد كثيرا من الغيظ في نفوسهم، وهو يساعد على تشكل نظرة جديدة تجاه المسلمين تمنعهم من العودة لحربهم مجددا. يقول الله تعالى:

{وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} (فصلت، 34)

وفي معركة بدر اتخذ نبينا صلى الله عليه وسلم الأسرى قبل اثخان العدو، وقد عاتبه ربه عتابا شديدا على ذلك بقوله تعالى:

{مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ. لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ[1] لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ. فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (الأنفال، 67_69)

وقد امتثل النبي صلى الله عليه وسلم أمر الله تعالى الوارد في الآية الرابعة من سورة محمد، فقد أطلق سراح أسرى بدر قِسما بالفدية وأخر بالفداء.

وبعد انتهاء معركة الأحزاب توجه النبي وصحبه إلى حلفاء الأحزاب من بني قريظة وقد انتهت الحرب بمقتل فريق منهم، وبعد أن أُثخن القوم تمَّ أسرهم. وفي ذلك يقول تعالى :

{وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا. وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا} (الأحزاب، 26_27)

تبين الآيات أنه قد قُتل فريق من بني قريظة في الحرب، ومن ثم تم أسر البقية، وقوله تعالى {وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ} يشير بالضرورة الى أنه تمَّ المنُّ على جميع الأسرى لأنعدام امكانية عودتهم للحرب من جديد ولانعدام المال في أيديهم فلم يبق من الخيارين (المنّ أو الفداء) إلا خيار واحد وهو المنَّ [2].

وفي أعقاب غزوتي خيبر وبني المصطلق لقي الأسرى ذات المعاملة التي تنص عليها الآية الرابعة من سورة محمد، فعندما يأتي الحكم في كتاب الله فلا يمكن أن يأتي النبي صلى الله عله وسلم بتطبيق آخر.

وبالرغم من وضوح حكم الأسير في الآية الرابعة من سورة محمد إلا أن المذاهب سنتها وشيعتها قد أوهمت أنها تستند إلى هذه الآية بخصوص قتل الأسير واسترقاقه. يقول أبو بكر الجصاص في كتابه أحكام القرآن في معرض تفسيره للآية:

{فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ، وَإِمَّا فِدَاءً} فَجَعَلَ اللَّهُ النَّبِيَّ وَالْمُؤْمِنِينَ فِي الْأُسَارَى بِالْخِيَارِ، إنْ شَاءُوا قَتَلُوهُمْ، وَإِنْ شَاءُوا اسْتَعْبَدُوهُمْ، وَإِنْ شَاءُوا فَادُوهُم [3] قال ذلك بالرغم من عدم ذكر القتل والاسترقاق في الآية.

يقول عمر نصوحي بيلمان:

“أسرى الحرب يعود الأمر فيهم إلى الإمام يختار واحدا من أربع: له أن يقتل من يظنه قادرا على الحرب فيستأصل فساده، ومن رأى مصلحة في استرقاقهم استرقهم، وإن شاء أعطاهم حريتهم بدخولهم في أهل الذمة، وإن شاء بادلهم بما في أيدي العدو من الأسرى المسلمين”[4]

وقد جاء في تفسير الطباطبائي من المذهب الجعفري ما يلي:

وقوله {فإما منا بعد وإما فداء}  أي فأسروهم ويتفرع عليه أنكم إما تمنون عليهم منا بعد الاسر فتطلقونهم أو تسترقونهم وإما تفدونهم فداء بالمال أو بمن لكم عندهم من الآسارى[5]

كما يظهر فإن الشيعة والسنة قد حاولوا إظهار أن الاسترقاق هو حكم الآية بالرغم من عدم ذكره نصا ولا إشارة.

ب. الاستمتاع الجنسي من الجواري

استطاعت مذاهب أهل السنة والشيعة إظهار استرقاق الأسرى على أنه حكم القرآن الكريم بعد أن عمدوا إلى قطع المناسبات بين الايات 3 و 24 من سورة آل عمران والآيتان 5 و6 من سورة فاطر، ولم يقفوا عند هذا الحد بل  قرروا  أن الاستمتاع من الجواري بدون عقد النكاح هو حكم القرآن كذلك. ولهذا السبب سنتناول هذه الآيات واحدة بعد الأخرى بقصد إظهار مدى التحريف الذي ألحقوه بهذه الآيات.

1. الآية 3 من سورة النساء

{وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ} (النساء، 3)

والقسم المتخذ دليلا من الآية قوله تعالى {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ}

وقد فسرها علماء أهل السنة كما يلي:

{فإن خفتم أن لا تعدلوا … فواحدة } انكحوها { أو } اقتصروا على {  ما ملكت أيمانكم[6]

أما تفسير الشيعة الجعفرية فكان كالتالي:

فأن خفتم أن لا تعدلوا فواحدة أي فانكحوا واحدة … أو ما ملكت أيمانكم وهى الاماء …كان المراد بذكر ملك اليمين الاكتفاء باتخاذهن وإتيانهن بملك اليمين دون نكاحهن بما يبلغ العدد[7]

والحق أنه يستحيل فهم ما توصلوا إليه من الآية، لأن قوله تعالى (ما ملكت أيمانكم) معطوف على (واحدة) ولا يمكن من حيث الللغة أن يختلف العامل بين المعطوف والمعطوف عليه، فالعامل في (واحدة) هو (انكحوا) ولا بد أن تكون العامل في (ما ملكت أيمانكم) كذلك. وعلى هذا يكون معنى الآية: أن من خاف من عدم امكانية العدل بين زوجاته فعليه أن ينكح حرة واحدة أو جارية واحدة .

2.  الآية 24 من سورة النساء

يبدأ تعداد المحرمات من النساء من الآية 22 من سورة النساء، ثم يأتي قوله تعالى في الآية 24 معطوفا على ما سبق:

{وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ}

وهذه الآية تشير أن المرأة المتزوجة إذا وقعت في الأسر فإنه ينفسخ نكاحها بفعل الأسر. وبالتالي يمكن لها أن تتزوج من آسرها أو من شخص آخر بإذنه. وبالرغم من نصّ الآية على حرمة الزواج من ذات الزوج باستثناء الأسيرات إلا أن المذاهب زعمت أن الآية تبيح وطء الأسيرة بدون عقد النكاح. يقول الإمام البيضاوي الفقيه الشافعي والمتكلم الأشعري (ت 685) ما يلي:

والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم} يريد ما ملكت أيمانكم من اللاتي سبين ولهن أزواج كفار فهن حلال للسابين والنكاح مرتفع بالسبي{[8]

وجاء في تفسير الطبطبائي المنسوب الى المذهب الجعفري فيما يتعلق بالموضوع ما نصه:

قوله “إلا ما ملكت أيمانكم” رفعا لحكم المنع عن محصنات الإماء على ما ورد في السنة أن لمولى الأمة المزوجة أن يحول بين مملوكته وزوجها ثم ينالها عن استبراء ثم يردها إلى زوجها[9].

وبهذا يتضح كم كانت المذاهب بعيدة عن القرآن في هذا الموضوع، والمؤسف حقا أن ما جاء في آراء المذاهب مخالفا لنص القرآن قد انتقل الى ترجمات القرآن الكريم الى اللغات العالمية المختلفة.

3_ الآيتان 5و6 من سورة المؤمنون

هاتان الآيتان قد وردتا في سياق الآيات 1_ 11 من السورة كما يلي:

قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1)

 الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2)

 وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3)

وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (4)

وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5)

إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6)

فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (7)

وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (8)

وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (9)

أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (10)

الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (11) المؤمنون، 1_11

كما ترى فإن الخطاب في الآيات جميعها موجه إلى الرجال والنساء من المؤمنين على حد سواء، والمذاهب الفقهية بالرغم من قبولها بذلك إلا أنها استثنت الآية 6 واعتبرت أن الخطاب فيها موجه للرجال فقط، حيث اعتبروا أن الرجل يستطيع أن يستحل فرج من تقع تحت سلطته من الإماء بدون عقد الزواج، واعتبروا هذه الآية دليلا على ما ذهبوا إليه بالرغم من كون الخطاب أصلا موجها لكلاً من الرجال والنساء، وبالتالي لا يمكن اعتبارها دليلا على ما ذهبوا اليه.

يقول الطبري في تفسير الآية: “والذين هم لفروج أنفسهم وعنى بالفروج في هذا الموضع: فروج الرجال، وذلك أقبالهم. (حافظون) يحفظونها من أعمالها في شيء من الفروج. (إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ) يقول: إلا من أزواجهم اللاتي أحلهنّ الله للرجال بالنكاح. (أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ) يعني بذلك: إماءهم. و “ما” التي في قوله: (أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ) محل خفض، عطفا على الأزواج. (فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ) يقول: فإن من لم يحفظ فرجه عن زوجه، وملك يمينه، وحفظه عن غيره من الخلق، فإنه غير مُوَبَّخٍ على ذلك، ولا مذمومٍ، ولا هو بفعله ذلك راكب ذنبا يلام عليه”[10].

وبالرغم من وضوح السياق في اشتماله الذكر والأنثى في الخطاب الموجه إلا أن المفسرين قد جعلوا (وما ملكت أيمانهم) من الآية السادسة خاصة في الرجال فقط بغير دليل أو قرينة.

أ_ الخطأ اللغوي

ارتكب المفسرون في الآيتين 5 و6 من سورة المؤمنون خطأين بارزين؛ واحدا في الاستثناء والآخر في العطف

1_ الخطأ في الاستثناء

نص الآيتين كالتالي:

{وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ  .  إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} (المؤمنون، 5_6)

يقول أبو بكر الجصاص معلقا على هذه الآية:

فأما قوله: {إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} استثناء من الجملة المذكورة لحفظ الفروج وإخبار عن إباحة وطء الزوجة وملك اليمين[11].

ويقول الطبطبائي المنسوب للمذهب الجعفري شارحا الآية:

وقوله: “إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين” استثناء من حفظ الفروج، والأزواج الحلائل من النساء، وما ملكت أيمانهم الجواري المملوكة فإنهم غير ملومين في مس الازواج الحلائل والجواري المملوكة[12].

وبحسب ما ذهب إليه الفريقان فإنه يمكننا تلخيص ما توصلوا إليه من تفسير كما يلي:

والذين (الرجال والنساء) هم لفروجهم حافظون. إلا (الإستثناء هنا خاص بالرجال فقط) على أزواجهم و ما ملكت أيمانهم (أقام حرف العطف {و} بدلا من {أو} ) فإنهم غير ملومين في إظهار فروجهم لهن.

ولا يمكن أن يفيد الاستثناء في الآية المعنى الذي ذهبوا إليه. ولو كان الخطاب في الآية موجها للرجال خاصة وكان سياق الآيات موجها للرجال كذلك لاحتمل ما ذهبوا إليه من معنى. وفي ذلك الحال يصح للرجل أن يكشف عورته على زوجته أو جاريته لكن لا يصح للزوجة أن تكشف فرجها لزوجها، كما لا يصح للأمة أن تكشف فرجها على سيدها. لذلك كان لا بد من تجيير آخر متعلق بحرف العطف (أو) حتى يستقيم لهم ما يريدون

2_ العطف: الأخطاء التفسيرية المتعلقة بحرف العطف

حرف العطف “أو” الوارد في الآية أُعطي له معنى حرف العطف “و” . ومعلوم أن حرف العطف “أو” يفيد التخير بين اثنين، أما حرف العطف “و” فإنه يفيد الجمع بين المعطوف والمعطوف عليه، لذا لا يجوز استخدام أحدهما بديلا عن الآخر بوجه من الوجوه، وهو ما عمد إليه المفسرون مخالفين بذلك قواعد اللغة.

والمعنى الذي ينسجم مع قواعد اللغة في الاستثناء والعطف في الآية 6 من سورة المؤمنون ما يلي:

والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ملكت أيمانهم (من أزواجهم) .

ولو تم قبول التفسير الخاطئ للاستثناء في الآية بدون تغيير معنى حرف العطف “أو” لأدى ذلك إلى قبول أن يكشف الرجل عورته لزوجته ولجاريته دون العكس، وليس هذا ما يريده القوم. فالخطأ الأول لا بد من تدعيمه بخطأ ثانٍ كي يستقيم لهم ما يطلبون، فكان أن أعطوا حرف العطف “أو” معنى حرف العطف “و”.

وفي الآيات المتعلقة في الموضوع يظهر بوضوح أن الزوج رجلا كان أو امرأة حرا كان أو مملوكا يستطيع كل منهما أن يظهر فرجه لزوجه فقط

ب_ القاء الضوء على الايات المتعلقة بالموضوع

لا تستطيع المراة أن تنكح أكثر من زوج، أما الرجل فيستطيع أن ينكح أكثر من واحدة، ويمكن أن يكون زوجه حرة أو أسيرة. يقول الله تعالى:

{وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ} (البقرة، 221)

إذا أرادت الحرة أن تتزوج من أسير مملوك فليس ثمة قيود على هذا الزواج، بخلاف الرجل فإنه إن أراد التزوج من الأسيرة فإن ذلك مشروط بعدم قدرته على نكاح الحرة. كما قال الله تعالى:

{وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (النساء، 25)

بحسب الآية فإن زوجة الرجل إما أن تكون حرة أو أمة ولا يصح له الجمع بينهما البتة.

وقد أمرنا الله تعالى بالحرص على تزويج المملوكين كحرصنا على تزويج الأحرار. كما جاء في قوله تعالى:

{وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} (النور، 32)

بحسب الآيات السابقة فإنه يستطيع أن يتزوج الأحرار من الأحرار، والأسرى من الأسرى، والأحرار من الأسرى، ويمكننا تصنيف ذلك كالتالي:

الرجل الحر_ المرأة الحرة (النساء، 32)

الرجل الحر_ المرأة الأسيرة  (النساء، 25)

المرأة الحرة_ الرجل الأسير (البقرة، 221)

الرجل الأسير_ المرأة الأسيرة (النور، 32)

هؤلاء جميعا سواء كان حرا أم أسيرا لا يجوز للمؤمن منهم أن يكشف عورته إلا لزوجه سواء كان حرا أو أسيرا، والتشابه جد كبير بين الآيتين 5و6 من سورة المؤمنون والآيات الأخرى ذات الصلة من السور الأخرى.

كما نلاحظ فإن الآيات توازن الفوارق بين الزوجة الحرة وبين الزوجة الأسيرة، وفي الآيتين 5 و6 من سورة النور تأكيد على تلك الموازنة فحرف العطف “أو” جاء للتأكيد على عدم جمع الحرة مع الأمة كزوجتين لرجل واحد. ونذكر الآية مرة أخرى للتذكير:

{وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ  .  إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ}  (المؤمنون، 5_6)

4_ الآية الخمسون من سورة الأحزاب

قال الله تعالى {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} (الأحزاب، 50)

وقد اتخذت هذه الاية كذريعة لتجويز الاستمتاع من الجواري بدون عقد النكاح أيضا، ولما كانت هذه الآية خاصة بنبينا صلى الله عليه وسلم ولا تفيد حكما شرعيا لعموم المسلمين، كان لا بد من إغفال تلك الخصوصية واقتطاع جزء يسير من الآية وفصله عن سياقة ليثبتوا ما هم راغبون فيه.

فهذه الآية واضحة الدلالة على كون هذه الأحكام خاصة بنبينا؛ فقد بُدئت بقوله تعالى {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ} فهو المقصود به، ثم أكد ذلك بقوله تعالى { خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} ثم التفت إلا علم المؤمنين بما فُرض عليهم بهذا الخصوص {قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} وكل ذلك حتى يُؤمن اللبس. وبالرغم من ذلك أصر قوم على ذلك اللبس.

لقد بيّن الله تعالى في كتابه أحكام النكاح المتعلقة بعموم المسلمين ومنها تحديد النكاح بأربع. وهذه الآية لا تقيّد النبي بأربع لذلك جمع عليه الصلاة والسلام بين أكثر من أربع. وقد جاء في سورة الأحزاب تقييدا للنبي بخصوص الزواج، والخطاب فيها لا يشمل عموم المسلمين بالطبع:

{لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا} (الأحزاب، 52)

لا يُشترط دفع المهر لاتمام النكاح لعامة المسلمين كما يفهم من قوله تعالى:

{لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ} (البقرة، 236)

كما أن نكاح المؤمن لابنة عمه أو عمته أو خاله أو خالته لا يشترط هجرتها معه ليصح النكاح، ولذلك جاء تمام الآية كالتالي:

{قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} (الأحزاب، 50)

وتتميما لجعل الاستمتاع مشروعا من الأسيرات دون عقد النكاح أعطوا كلمة الفيء الواردة في الآية معنى الغنيمة بالرغم من اختلاف معناهما، فالفيئ هو ما عاد دون قتال، بينما الغنيمة ما يتركه العدو المنهزم من متاع وأموال وبالتالي هو أحد نتائج القتال.

الآية التالية متعلقة بالفيء:

{مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ} (الحشر ، 7)

والآية المتعلقة بالغنيمة هي:

{وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِاللّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (الأنفال، 41)

يحصل المقاتلون على أربعة أخماس الغنيمة بينما لا يحصلون على شيء من الفيء، لذلك فإن الآية 50 من سورة الأحزاب تبين أن مارية التي بعثها المقوقس للنبي كانت فيئا حلالا للنبي كحكم خاص له دون غيره. ولك أن تتصور عظيم ذنب من قصد تعميم هذا الحكم على جميع المسلمين بالرغم من النص على تخصيصه بالنبي صلى الله عليه وسلم وعرضه كحكم قراني لا يقبل النقد أو المناقشة.

ج_ أزواج نبينا من الأسيرات

لا يوجد من بين أزواج نبينا صلى الله عليه أي جارية، لأنه لا يجوز للمسلم أن يتزوج من الأمة في حال قدرته على التزوج من الحرة. وفي هذا يقول الله تعالى:

{وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ} (النساء، 25)

وقد علمنا أن مارية لم تكن أسيرة حرب بل هي فيء، والآية 50 من سورة الأحزاب قد نصت على حلها للنبي خالصة له من دون المؤمنين. أما زوجاته الأسيرات كريحانة وصفية فقد تزوجهن النبي صلى الله عليه بعد نيلهن حريتهن. ومن المفيد أن تناول زوجات النبي (اللاتي لهن علاقة بالموضوع) بشكل موجز .

1_ مارية القبطية

في السنة 7 من الهجرة (628 م) أرسل النبي صلى الله عليه وسلم رسالة إلى المقوقس ملك مصر يدعوه فيها إلى الاسلام. ويبدو أن المقوقس أعجب برسالة النبي لكنه لم يقبل الاسلام خوفا من الامبرطورية البيزنطية، وقد عبّر عن إعجابه بأن بعث بمارية بنت شمعون (ت 16/637) كهدية له. وقد اعتنقت مارية الإسلام فور وصولها للنبي. وبنص الآية 50 من سورة الأحزاب أحلها الله تعالى لنبيه، وقد أنجبت للنبي ابنه إبراهيم عليه السلام.

لقد كانت مارية على قدر من الجمال، ولبعدها عن وطنها كان نبينا يبدي لها مزيدا من الاهتمام، الأمر الذي جعل بعض أزواجه يشعرن بالحسد تجاهها وبالأخص عائشة وحفصة. وفي ذلك يقول ابن عباس:

 كانت حفصة وعائشة متحابتين وكانتا زوجتي النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، فذهبت حفصة إلى أبيها، فتحدثت عنده، فأرسل النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم إلى جاريته، فظلت معه في بيت حفصة، وكان اليوم الذي يأتي فيه عائشة، فرجعت حفصة، فوجدتهما في بيتها، فجعلت تنتظر خروجها، وغارت غيرة شديدة، فأخرج رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم جاريته، ودخلت حفصة فقالت: قد رأيت من كان عندك، والله لقد سُؤْتَنِي، فقال النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: “واللهِ لأرْضِيَنَّكِ فَإنّي مُسِرّ إلَيْكِ سِرًا فَاحْفَظِيهِ”؛ قالت: ما هو؟ قال: “إنّي أُشْهِدُك أنَّ سُرِّيَّتَي هَذِهِ عَلَىَّ حَرَامٌ رِضًا لَكِ”، كانت حفصة وعائشة تظاهران على نساء النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، فانطلقت حفصة إلى عائشة، فأسرّت إليها أن أبشري إن النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم قد حرّم عليه فتاته، فلما أخبرت بسرّ النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم أظهر الله عزّ وجلّ النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، فأنزل الله على رسوله لما تظاهرتا عليه[13]:

{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ.

قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ .

وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ.

إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ.

 عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا} (التحريم، 1_5)

ويصدق رواية ابن عباس الآيات المتعلقة بالموضوع:

{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ…} (الأحزاب، 50) حيث تشير إلى حلِّ مارية له.

{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ..} (التحريم، 1) وهي تشير إلى تحريم النبي صلى الله عليه وسلم مارية على نفسه.

وقوله تعالى لنبيه (لك) يفيد بحصر الحكم فيه، والتشابه جد كبير بين هذه الآية والآية 50 من سورة الأحزاب حيث تتحدث كلاهما عن مارية رضي الله عنها.

2_ جويرية

جويرية (ت 56/676) ، أبوها الحارث الملقب بأبي ضرار رئيس بني المصطلق إحدى قبائل خزاعة. قبل غزوة الخندق أعدّ بنو المصطلق العدة لحرب النبي وأتباعه في المدينة، ولما علم النبي بذلك باغتهم في عقر دارهم وتمكن المسلمون من هزيمتهم، واقتادوا معهم الكثير من الأسرى. كان من ضمن الأسرى جويرية بنت الحارث التي قتل زوجها في المعركة وكان عمرها إذ ذاك 20 عاما. وقد وقعت في سهم ثابت بن قيس بن شماس وابن عمه. وبعد أن تم تحديد مقدار فديتها توجه النبي إليها فعرفها وأبدى رغبته بالمساعدة في فدائها. وبالفعل قد فداها النبي بماله وبعد ذلك تقدم لخطبتها. وفي رواية أخرى عن جويرية فقد أتى أبوها إلى المدينة ليفتديها، ولما تم فداؤها زوَّجها للنبي صلى الله عليه وسلم. وبعد أن سمع المسلمون بزواج النبي منها أطلقوا سراح جميع الأسرى من بني المصطلق إكراما لزوج نبيهم، وقد قُلبت البغضاء إلى محبة بفضل هذا الزواج[14].

3_ ريحانة

ريحانة بنت شمعون بن زيد (ت10/632) من يهود بني النضير، وقد تزوجت من أحد يهود بني قريظة يُدعى عبد الحكم. وكان من نتائج غدر بني قريظة بالنبي في غزوة الخندق أن ذهب وحاصر بني قريظة حتى نزلوا للقتال فكان عبد الحكم زوجها ممن أُسِرَ في تلك الواقعة. يقول سبحانه:

{وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا. وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا} (الأحزاب، 26_27)

وقوله تعالى {وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ} يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أطلق سراح أسراهم بالمن عليهم، أي دون فدية؛ لأنهم لم يعد لهم مال ليفتدوا أنفسهم به، كما أنهم لم يعودوا يشكلوا أي خطر عسكري على المسلمين[15]

لقد كان زوج ريحانة من ضمن الأسرى. والأسر فاسخ لعقد النكاح بين الزوجين وهو الذي تدل عليه الآية التالية:

{وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} (النساء، 24)

وبعد شهر من الحادثة تقدم النبي لخطبتها بشرط اسلامها، فقبلت بذلك، وأمهرها النبي 12 أوقية من الفضة كباقي أزواجه، وكان ذلك في 5 ذي الحجة (أيار 627)[16]

4_ صفية

وهي بنت زعيم بني النضير حُيَيّ بن أخطب، وقد قتل زوجها في غزوة خيبر، بينما وقعت في أسر المسلمين. ولأنها بنت زعيم قبيلة بني النضير رأى المسلمون أن تكون في سهم النبي لا في سهم غيره، وقد خيرها النبي صلى الله عليه وسلم بين أن تُسلم ويتزوجها أو يعتقها ويرسلها إلى بيت أهلها. لكنها فضلت الاسلام، وقد افتداها النبي وتزوجها واعتبر مال الفداء بدلا من المهر.[17]

النتيجة

كما رأينا فإنه لا مجال لاستعباد الأسرى أو معاشرة الجواري بدون عقد النكاح، لأنه ليس ثمة دليل يعتمد عليه في المسألة. والآيات التي احتج بها القائلون بجواز استعباد الأسرى واتخاذ المحظيات من الجواري قد تمَّ تجييرها لما يريدون، وهو العوج بعينه، الذي حذر منه سبحانه بقوله:

{الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ. اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ. الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ } (ابراهيم، 3)

تجيير معاني الآيات لما تشتهيه النفس لم يقتصر على موضوع الاستعباد واتخاذ الجواري بل ظهر في موضوعات شتى، ومما يؤسف له حقا أن هذا التجيير والعوج قد شكل مانعا من فهم القرآن طوال العصور الفائتة، والناس يظنون أنه الحق الذي أنزله الله تعالى إليهم، فضاعت الحكمة وضل الناس ويحسبون أنهم مهتدون.

لقد أنزل الله تعالى لجميع النبيين الكتاب والحكمة ليتمكن الناس من الوصول لحل جميع مشاكلهم وبناء حياة ملؤها السعادة والأمل. وبضياع الحكمة تاه المسلمون بين الروايات المنسوبة للنبي فقبلوا المكذوب وتنكبوا للصحيح. لقد أفنى النبي حياته في تطبيق ما أنزل إليه من ربه بمقتضى الحكمة المركوزة في الكتاب، وقد ضاعت تلك التطبيقات عبر الكثير من الروايات المختلقة التي غطت الحق وأعمت بصيرة أقوام كثيرين. وقد تحول المسلمون من قوم مبدع في كافة المجالات إلى قوم منتج للمشاكل المستعصية. ومن قوم يلجأ الناس إليهم لحل مشاكلهم إلى قوم يستجدي الآخرين لحل مشاكله.

ومن الغريب حقا أننا لم نجد من رصد هذا “العوج” الذي تشكل حول الايات المتعلقة بهذا الموضوع فيما اطلعنا عليه من الكتب بالرغم من تطاول الزمان على هذا العوج، والسبب في ذلك أن أسلوب تعليم الدين لا يعتمد في الأساس على كتاب الله تعالى. فكتاب الله حسب الموروث هو كتاب مقدس يتلى في الصلوات وفي المناسبات الحزينة ولكسب الثواب. أما علم الدِّين فيعتمد أساسا على أقوال العلماء وآرائهم حيث يؤمن الناس أنها تعكس روح الكتاب والسنة. وقد أصبح هذا التلقيد كشرط مسبق للتعليم الديني، وهو ما يفسر تتابع الناس على نقل مثل هذه الأخطاء كأحكام واجبة التسليم لها دون تكليف النفس بالرجوع إلى آيات الكتاب وتطبيقات النبي التي تعكس الحكمة المركوزة فيه.

تعلم الدين وتعليمه للناس من خارج كتاب الله هو الأمية بعينها، وقد سمى الله تعالى من هذا شأنهم بالأميين، والأمي هو الذي لا يقرأ ولا يكتب، ومن قرأ الكتاب لمجرد التبرك والثواب فلا يعتبر قارئا، إنما القارئ من قرأ ليفهم ويتعلم. يقول الله تعالى في وصف بعض من علماء اليهود:

{وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ. فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ} (البقرة، 78_ 79).

جميع علماء المذاهب السنية والشيعية لم يتحدثوا في هذا الموضوع كما ورد في كتاب الله تعالى وإنما بنوا الاحكام بناء على ما علق في خيالهم الجانح نحو ما يشتهون أو تمشيا مع ما كان فاشيا في مجتمعاتهم وما قرره سلاطينهم، لذا كان تناولهم للآيات أشبه بالتخمين تارة وبالتعمية تارة أخرى. وقد تقبل الناس ذلك وعملوا به ظنا منهم أن علماء مذاهبهم لا يخطئون، وأنه لا يمكن أن يخالفوا ما كان عليه نبيهم صلى الله عليه وسلم. وخاصة أنهم أجمعوا على ذلك فاحتمال الخطأ غير وارد في تقدير عامة الناس.

وفي العصور اللاحقة ظهر المقلدون تقليدا أعمى فقبلوا ما جاء عن المتقدمين دون تمحيص أو نظر، والغريب أنهم يعتبرون أنفسهم علماء. والحقيقة أنهم كانوا مجرد واسطة نُقلت عبرها تلك الأخطاء إلى الأجيال اللاحقة حيث تظهر آثارها تارة تلو أخرى، وما تفعله داعش من سبي واتخاذ الجواري إلا مثالا حيا على ذلك.

ولك أن تتخيل كم كان هذا التصور المبني على العوج مؤثرا في عقول المسلمين، وما يحدث في العراق وسوريا أكبر دليل على تأثير ذلك العوج .. والأدهى من ذلك أن 126 عالما معاصرا من علماء المسلمين أرسلوا برسالة إلى رئيس تنظيم الدولة (داعش) ينكرون عليه اتخاذ الجواري بعبارات وأدلة تظهر كم تاهت هذه الامة عن صراط ربها سبحانه.

جاء في هذه الرسالة ما يلي:

” كان من أهداف الإسلام إلغاء الرق، وقد تحقّق إلغاء الرق قبل مئة عام حيث أجمع علماءُ الاسلام على حرمته كما أجمع على تجريمه العالم أجمع”

وبالرغم من كون بضاعة هؤلاء هو ما استجمعوه من أخطاء السابقين ودمغه بمزيد من الجهل إلا أنهم وصفوا أنفسهم بالعلماء.

وبدلاً من تصحيح الرأي الفقهيِّ السائد الذي يبيح الاسترقاق وهو بالتأكيد مخالفٌ للقرآن وتطبيقات النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، فإنّهم يستندون إلى شريعة البشر التي حرّمت الاسترقاق بعد أن تبيّن للمشرع الأمريكي أنَّ الرِّقَّ لم يعد مجدياً في التزامن مع اختراع الآلة في بداية العصر الحديث، ثم يدّعي العلماءُ في البيان أنّه إجماعُ علماء المسلمين، وهذا ذرٌّ للرماد في العيون وركوبٌ للموجة لا غير. والحقيقة أنّ العلماءَ الموقّعين على البيان أعفَوْا أنفسَهم من مناقشة المسألة أصوليّاً واكتفوا بالاستناد إلى تشريع الغرب قبل مئة سنة[18] !

في الوقت الذي نجري فيه بحوثنا على ضوء الكتاب والحكمة وبيان الأخطاء التي وقع فيها القدماء ندعوا دائما العلماء المسلمين لمناقشة القضايا الهامة لكننا لا نجد سوى الإعراض وعدم الرغبة في التغيير وتفضيلهم التمسك بما ألفوا عليه آباءهم. وأستذكر ما قاله المسيح ابن مريم لجماعة من المقلدين: «حَسَنًا! رَفَضْتُمْ وَصِيَّةَ اللهِ لِتَحْفَظُوا تَقْلِيدَكُمْ»[19]

ولمن يثقون بكتاب الله تعالى ويؤمنون به فيكفيهم قوله تعالى:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} (المائدة، 105).

وقف السليمانية/ مركز بحوث الدين والفطرة

الموقع: حبل الله www.hablullah.com

ترجمه إلى العربية: جمال نجم


[1]  قبل هجرة المسلمين من مكَّة حدثتْ حربٌ ضروس بين الرُّوم والفرس انتهت بهزيمة الرُّوم وانتصار الفرس، وقد نزلتْ سورةُ الرُّوم لِتُخبر أنَّ الرُّوم سينتصرون على الفُرس في الحرب القادمة التي ستحصل في بضع سنين (3-9). وانتصارُ الرُّوم على الفرس يحمل بشارةً بانتصار المسلمين على عدوِّهم. قال الله تعالى:

{الم .غُلِبَتِ الرُّومُ .فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ. فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ. بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ. وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} (الرُّوم، 1_6)

[2]  للمزيد حول موضوع بني قريظة ننصح بالاطلاع على مقالة غزوة بني قريظة بين الحقائق والأساطير، جمال أحمد نجم، على موقعنا  http://www.hablullah.com/?p=2100

[3]  أحكام القرآن ، ابو بكر الجصاص، الطبعة العلمية،  3/519

[4]  عمر نصوحي بيلمان، قاموس اصطلاحات الحقوق الاسلامية، 3/399 بتصرف

[5]  محمد حسين الطبطبائي، الميزان في تفسير القرآن، قم _ايران، تفسير الاية 4 من سورة محمد.

[6]  تفسير الجلالين على الاية 3 من سورة النساء

[7]  تفسير الميزان للطبطبائي الاية 3 من سورة النساء

[8]  عبد الله بن عمر بن محمد البيضاوي، أنوار التنزيل وأسرار التأويل، دار الرشيد مؤسسة الايمان، بيروت 2000، تفسير الاية 24 من سورة النساء

[9]  تفسير الطبطبائي على الاية 24 من سورة النساء

[10]  ابو جعفر الطبري، جامع البيان في تأويل القرآن، مؤسسة الرسالة، ط1، 1420 هـ – 2000 م،   تفسير الاية 6 من سورة المؤمنون 19/10

[11]  . ابو بكر الجصاص (المتوفى: 370هـ) ، احكام القرآن، المحقق: محمد صادق القمحاوي، دار إحياء التراث العربي – بيروت، 1405 هـ. 5/92

[12]  تفسير الطبطبائي على الآية

[13]  تفسير الطبري على الآيات 23/477_478

[14]   رضا سواش، موسوعة وقف الديانة التركية، جويرية

[15]  الروايات التي تفيد بأن النبي قتل أسرى بني قريظة تم اختلاقها من قبل قرظيين أسلموا ولا علاقة لها بما حدث فعلا. للمزيد حول الموضوع انظر مقالة جمال أحمد نجم (غزوة بني قريظة بين الحقائق والأساطير) على هذا الرابط   http://www.hablullah.com/?p=2100

[16]  اظر حياتي يلماز، ريحانة، موسوعة وقف الدينة التركية.

[17]  آينور أورالار، موسوعة وقف الدينانة التركية، صفية بنت حيي

[18]  انظر مقالة جمال أحمد نجم (مناقشة بيان علماء المسلمين إلى رئيس تنظيم الدولة الإسلاميّة في العراق والشام (داعش)) على موقعنا http://www.hablullah.com/?p=2429

[19]  انجيل مرقص، الاصاح 7 الجملة 9

Facebook'ta PaylaşTwitter'da Paylaş

تعليقك على الموضوع  
التعليق *
* ضرورة إدخال هذا الحقل باللغة العربية

شوهد 1.249 مرة/مرات
الموضوعات ذات الصلة بهذا الموضوع